كردستان في "حرب" الولايات المتحدة وإيران… مرمى صواريخ

الإقليم كيان فيدرالي ضمن الدولة العراقية لكنه محكوم في القضايا الإستراتيجية بالقرار المركزي

مشهد عام لمدينة أربيل القديمة في سبتمبر 2018 (رويترز)

يبدو أن المواجهة بين إيران والولايات المتحدة قد بدأت تدخل مرحلة تحضير الأرض، تحسباً لكل شيء. التقرير الأخير الذي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" أظهر أن الولايات المتحدة بدأت تخوض في الحسابات الدقيقة. فالخطة التي قدمها القائم بأعمال وزير الخارجية الأميركي باتريك شاناهان إلى إدارة الرئيس دونالد ترمب، تضمنت إرسال 120 ألف جندي إلى منطقة الشرق الأوسط بالسرعة القصوى، فيما لو تجاوزت إيران واحدة من الخطوط الحمر التي حُددت لها، كمواجهة القوات الأميركية في العراق أو الإسراع في إنتاج أسلحة نووية.

ضمن ذلك السياق، كان لافتاً ما نقلته بعض وكالات الأنباء عن حسين سلامي، قائد الحرس الثوري الإيراني، الذي هدّد إقليم كردستان العراق بشكل صريح، معتبراً أن تعاون الإقليم مع الولايات المتحدة في الحرب على إيران سيعرّض الإقليم للتدمير الشامل، وأن القواعد والمراكز الأميركية في الإقليم هي تحت مرمى الصواريخ الإيرانية.

على الأرض، وعلى الرغم من استبعاد المرشد الإيراني علي خامنئي قيام حرب بين بلاده والولايات المتحدة، وتصريحات وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في موسكو، التي قال فيها إن بلاده لا تسعى حتى الآن إلى مواجهة النظام الإيراني، لكن تحاول أن تُجبره على أن يكون نظاماً مسؤولاً، فإن الأكيد أن الطرفين يحضران طيف ولوحة الحلفاء والأنداد على الأرض، في الجغرافيا الواسعة التي من المتوقع أن تدور المواجهة في رحاها، في إيران وعلى كامل المناطق الجغرافية المحيطة بها.

موقع كردستان القلق

في ظلال هذه المواجهة، وحتى في مقدماتها وتحضيراتها، يبدو موقع إقليم كردستان العراق ودوره وأحواله بالغة الدقة والأهمية، وذلك لأسباب عدة.

فكردستان هو كيان فيدرالي ضمن الدولة العراقية، دستورياً وسياسياً. صحيح أن القادة والزعماء السياسيين في كردستان يتمتّعون بشيء كثير من الاستقلالية والقدرة على اتخاذ القرارات والمواقف السياسية، إلا أن الإقليم محكوم في القضايا الإستراتيجية بالقرار المركزي العراقي، حتى الدول الحليفة والمتعاونة مع الإقليم، تتعامل معه بحسب هذه الطريقة.

الأهم من ذلك، هو عدم تمتّع الإقليم بالحصانة الإستراتيجية الكافية، وفق ما يحتاج في مثل هذا الاستقطاب. فخلال السنوات الثلاث الماضية، ظهر الإقليم أكثر من مرة كأنه معرّض للمحق، من كل القوى الإقليمية المحيطة به، وحتى من قبل الحكومة المركزية العراقية، التي تعاضدت مع تركيا وإيران لخنق الإقليم أثناء أشهر إجراء الإقليم استفتاء الاستقلال، في خريف العام 2017.

فإقليم كردستان، لا يملك أي أسلحة إستراتيجية يستطيع أن يحمي نفسه بها، وتحديداً سلاحَي الطيران والصواريخ. كذلك، يعتمد الإقليم في اقتصاده ودورة الحياة العامة في داخله على محيطه الإقليمي، خصوصاً أنه يعتمد على بيع النفط لكنه لا يطل على أي منفذٍ بحريٍ. وهذه كلها عوامل تفقد الإقليم القدرة على المناورة واتخاذ قرار إستراتيجي ومغامر بهذا المستوى. فإقليم كردستان يعرف أن موقعه الجيوسياسي يشبه إلى حد بعد موقع لبنان التقليدي، الذي كان كياناً صغيراً ومحاطاً بقوى ودول أكبر منه، ساعية على الدوام إلى إضعافه والهيمنة عليه.

جفاء مع الولايات المتحدة

سياسياً، النخب الحاكمة في إقليم كردستان العراق ليست في حالة وفاق تام مع الولايات المتحدة، تحديداً في إستراتيجياتها ومواقفها في المنطقة. إذ ثمة آثار كثيرة لما جرى أثناء استفتاء استقلال إقليم كردستان العراق. فالقادة الأكراد كانوا يعتقدون بأن العلاقة التحالفية بينهم وبين الولايات المتحدة في ملف مواجهة الإرهاب في العراق وسوريا قد وصلت إلى المستوى الإستراتيجي، وأن الولايات المتحدة ستعمل دوماً على حمايتهم.

لكن ذلك لم يحدث قط، إذ كان موقف الولايات المتحدة صادماً في ترك إقليم كردستان في مواجهة الحكومة المركزية والدول الإقليمية أثناء أزمة استفتاء الاستقلال. وقد صرّح أكثر من مسؤول كرديّ، حينها، بأن أميركا خدعت الأكراد مرة أخرى، مثلما فعلت في العام 1975، حينما رعت توافق العراق وإيران في مواجهة الثورة الكردية.

يشكّل ذلك جزءاً رئيسياً من رؤية القوى السياسية الكردية لما يجري راهناً بين إيران والولايات المتحدة. فالمسؤولون الأكراد يتساءلون راهناً عما يمكن أن يجنوه إذا خاضوا معركة أخرى في سبيل الولايات المتحدة، التي كانت ولا تزال تفضّل التعامل ومساندة الدول المركزية على التحالف مع الأكراد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يقول المسؤولون الأكراد ذلك، في وقتٍ لا تُظهر فيه الولايات المتحدة أيّ رؤية لما ترمي إلى تحقيقه في ملف مواجهة إيران، خصوصاً في ما يخصّ الملفّ الكرديّ. إذ حتى إذا قُلّمت أظافر إيران داخل العراق، لا يعرف الأكراد ما يمكن أن يتغيّر إذا صار العراق خاضعاً للنفوذ الأميركي تماماً، وهو كان كذلك طوال السنوات الأولى من الغزو الأميركيّ للعراق في العام 2003. وحينها، ذاق الأكراد مرارة الميل الأميركي إلى فرض مركزية جديدة في العراق.

على مستوى آخر، لا يعرف الأكراد العراقيون توجهات الإدارة الأميركية تجاه المكوّنات القومية الإيرانية، خصوصاً الأكراد، الذين يتداخلون ويشاركون أكراد العراق إستراتيجياً.

تخوّف من أدوات إيران

تملك إيران كثيراً من الامتدادات التي تستطيع أن تؤذي بها إقليم كردستان العراق. فغير القصف والهجوم المباشر، اللذين تستطيع إيران أن تعتمدهما في مواجهة المناطق الحدودية مع إقليم كردستان، التي تمتدّ على 400 كيلومتر، بدعوى وجود معسكرات ومقرّات للأحزاب الكردية الإيرانية المناهضة لطهران. كذلك، تملك إيران تأثيراً كبيراً في فصائل "الحشد الشعبي" العراقية، التي لها قدرة على مماحكة إقليم كردستان العراق، وإن لم يكن على الحدود بين الإقليم والحكومة المركزية العراقية، ففي المناطق المتنازع عليها، تحديداً في محافظتَي نينوى وكركوك، حيث تُهيمن فصائل "الحشد الشعبي" عسكرياً على كثير من المناطق والبلدات ذات الغالبية السكانية الكردية.

تستطيع إيران كذاك أن تفعل مثل ذلك سياسياً عبر الضغط على الحكومة المركزية العراقية، التي في حال قبلت الضغوط الإيرانية، فإن إقليم كردستان سيدخل مرحلة صدام جديدةٍ مع هذه الحكومة. وهذا ما سيؤثر في أحوال الإقليم الاقتصادية وقدرته على تيسير أحواله العامة.

غير ذلك، فإن إيران تشكّل الطرف الإقليمي الوازنَ والحليفَ لأحد الحزبين الرئيسيين داخل إقليم كردستان العراق. فالاتحاد الوطني الكردستاني يُعتبر حليفاً تاريخياً لإيران، مقابل علاقة الحزب الديمقراطي الكردستاني المميّزة بتركيا. بهذا المعنى، فإن موقف الإقليم من إيران يحتاج إلى إجماع الحزبين الرئيسيين، وهو أمرٌ ليس سهلاً بأي شكل.

في سوق القلعة وسط مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، ينادي بائع الأطعمة الإيرانية ممازحاً: "اقتربوا واشتروا الأطعمة الإيرانية، التي قد لا تجدونها غداً". فيقاطعه زميل آخر له "ولن تأكلوا الهمبرغر أيضاً". ويغرقان في الضحكات المُستهزئة.

المزيد من الشرق الأوسط