Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الممثلة فاطمة الركراكي أدهشت المغاربة ورحلت مكفوفة

إحدى رائدات فن التمثيل شجعت النساء على التزام الفن وكانت لها إطلالات سينمائية عالمية

الممثلة المغربية الرائدة فاطمة الركراكي بين حاضر وماض (نقابة الممثلين في المغرب)

قبل سبعة أعوام أصيبت فاطمة الركَراكَي، إحدى رائدات المسرح والسينما في المغرب التي غادرتنا أمس، بمرض نفسي، فصارت تتردد على العيادات والمراكز الصحية بدل ترددها على صالات المسرح واستوديوهات السينما والدراما. ومنذ ذلك العهد، صار منحنى الحضور الفني ينخفض بالتدريج ويدنو بالفنانة القديرة شيئاً فشيئاً إلى الأفول. باتت تعتذر عن أي عمل فني يُقترح عليها، متذرّعة بكونها أصبحت غير قادرة على ممارسة ولعها على النحو الذي تريد.

كانت لديها فلسفة خاصة في هذا الصدد، إذ صرّحت في أحد حواراتها أنها تريد أن تبقى على الصورة الجميلة التي ارتسمت لدى المغاربة على مدار عقود من الإنجاز الفني الجميل، وعلى الرغم من معاناتها المادية الكبيرة في فترة التوقف، ظلت ترفض أدوار الأمومة المقترحة عليها، فالمسألة الفنية بالنسبة إليها كانت فوق كل اعتبار مادي. بل إنها ظلت تعتذر أيضاً عن حضور مناسبات تكريمها، متفادية اللقاء بجمهور كان يرى فيها على مدار عقود رمزاً للجمال والفرح والبهجة التي تزرعها في النفوس، سواء عبر أعمالها الفنية، أو عبر أسلوب حياتها. وحين كانت تُسأل عن أحوالها كانت تدّعي أنها دائما بخير، رافضة من جمهورها ما كانت تسمّيه "مشاعر الشفقة".

مشكلات صحية ونفسية

لم تتوقف معاناة الفنانة الراحلة عند المشكلات النفسية والمادية فحسب، بل عاشت مشكلات صحية أخرى فقدت على إثرها بصرها وهي تدنو من إكمال عقدها الثامن، مما اضطرها إلى الانتقال من البيت الذي كانت تعيش فيه وحيدة إلى بيت شقيقها الذي ظل يرعاها إلى أن فارقت الحياة.

 صعدت فاطمة الركراكي في الخمسينيات إلى خشبة المسرح بما يشبه الحظ، إذ كانت بديلة في فرقة "التجديد المسرحي" برفقة الفنان المعروف العربي الدغمي، لممثلة غابت بسبب طارئ صحّي. ومنذ ذلك العهد، صارت مطلوبة للمشاركة في الأعمال المسرحية سواء مع هذه الفرقة، أو فرقة "المعمورة" التي استمرت معها إلى منتصف السبعينيات، أو مع فرقة مسرح محمد الخامس في الرباط. وكانت تقدّم أدواراً في أعمال مقتسبة من مسرحيات موليير وشكسبير، قبل أن تؤدي أدواراً أخرى عدة في مسرحيات مغربية. ومن بين المسرحيات التي شاركت فيها الركراكي: "عندي عندك" و"المصادفة" و"عمايل جحا" و"أهل الكهف". أما مشاركاتها في السينما، فانطلقت في الخمسينيات بدور بسيط في فيلم "شمس" مع حميدو بنمسعود، وصولاً إلى فيلمها الأخير "يمّا"، مروراً بأعمال سينمائية عدة: "من أجل لقمة عيش" و"شمس الربيع" و"السراب" و"يا ريث" و"محاكمة امرأة" و"وداعاً أمهات" و"أمواج البر" و"آخر طلقة" و"جوق العميان". وكانت الركراكي وجهاً معروفاً في الأعمال التلفزيونية المغربية، فأطلّت في مسلسلات عدة من بينها: "أرض الضوء" و"لخواتات" (الأخوات) و"من دار لدار" و"المهاجر" و"الساس" (الأساس) وغيرها. أما على مستوى الإذاعة، فشاركت في مسلسلات إذاعية في زمن لم يكُن فيه التلفزيون متاحاً لدى جلّ الأسر المغربية. إضافة إلى حضورها المغربي، كانت للراحلة أدوار أدّتها في أعمال تلفزيونية وسينمائية فرنسية وبلجيكية وألمانية ودنماركية وإيطالية.

أمّ المغاربة

دخلت فاطمة الركراكي عالم التمثيل في زمن صعب، إذ كان المغرب آنذاك حديث عهد بالاستقلال، ولم يكُن متداولاً في ثقافة المجتمع أن تظهر النساء على خشبات المسارح إلى جانب الرجال. فكان الذكور في تلك الفترة يقومون بتشخيص الأدوار النسائية أيضاً، إلى أن جاء جيل الرائدات، ومنهن مع الركراكي، أمينة رشيد وحبيبة المذكوري وخديجة جمال.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 اشتهرت فاطمة الركراكي بأدوار الأمومة، التي أدّتها باكراً، كأنما كُتب لها في الفن أن تكون أمّاً قبل الوقت. وتجدر الإشارة إلى أن أول دور مسرحي شاركت فيه كان تجسيداً لزوجة الأب في مسرحية مستوحاة من أعمال موليير. وامتداداً لدور الأمومة الذي كان يُسند إليها في غالبية الأعمال، كان هذا الدور هو آخر ما أدته في حياتها عبر فيلم تلفزيوني ينسجم مع صورتها لدى المغاربة ومع تاريخها الفني، فأعطاها المخرج المغربي حسن بنجلون الدور الأول في فيلمه "يمّا" باللهجة المغربية، عبر عمل يحمل رسالة إنسانية وهي إعادة النظر في علاقتنا بالأمّ، خصوصاً حين يتقدّم بها العمر. في فيلم حسن بنجلون، تنتقل "يّما" بين أبنائها من بيت إلى آخر، ولا تجد الراحة في أي بيت لتعود إلى عزلتها، بعد أن أفنت عمرها في تربية أربعة أبناء، عقب رحيل والدهم في الستينيات. وكانت فاطمة الركراكي فازت في مهرجان مكناس للفيلم التلفزيوني بجائزة أحس دور نسائي عن مشاركتها في هذا العمل الدرامي.

خارج الشاشة وفي حياتها الواقعية، لم تكُن فاطمة الركراكي أمّاً في يوم من الأيام، هي التي عاشت معظم حياتها وحيدة في بيتها. غير أنها كانت تقول "أنا أم المغاربة"، إذ ترى في محبّيها بديلاً عن الأبناء الذين لم تمنحهم لها الحياة.

المزيد من فنون