Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

موجة غضب في العراق إثر وفاة شاب تحت التعذيب

الحادثة تفتح ملف "تشابه الأسماء" ووزارة الداخلية تطالب بتشكيل لجنة تحقيق 

غضب في الشارع العراقي ومطالب بتأهيل قوات الأمن (رويترز)

يأتي الكشف عن حوادث التعذيب في السجون التابعة لوزارة الداخلية في العراق بعد أسابيع على إعلان الحكومة أن قاتل الباحث في الشأن السياسي هشام الهاشمي ضابط في وزارة الداخلية إضافة إلى انتمائه الفصائلي.

أثار الكشف عن حوادث التعذيب في السجون العراقية موجة غضب عارمة على مواقع التواصل الاجتماعي، تحديداً بعد أن أدت إلى مقتل الشاب هشام محمد الذي كان موقوفاً في مديرية "مكافحة إجرام" البصرة.

وأدى الكشف عن مقتل هشام محمد إلى إعادة فتح ملف التعذيب في مراكز التوقيف التابعة لوزارة الداخلية العراقية، حيث تم الكشف عن عدد آخر من حوادث التعذيب التي يتعرض لها الموقوفون. 

وأعادت تلك الحوادث طرح الأسئلة بخصوص وزارة الداخلية العراقية وآلية تعاملها مع الموقوفين، حيث يرى مراقبون أن تلك الحوادث تمثل إشكالية كبيرة يجب أن تدفع باتجاه إعادة تأهيل قوات الأمن العراقية، وفتح تحقيقات بشأن سلوك الضباط مع الموقوفين على ذمة قضايا. 

"تشابه الأسماء"

ومثلت وفاة شاب اعتقل على إثر "تشابه الأسماء" في محافظة البصرة بداية انطلاق موجة الغضب تلك، التي تلاها الكشف عن عدد آخر من الحوادث المشابهة من بينها حادثة مقتل علي الشمري الذي اتهم والده الجهات الأمنية أيضاً بقتله أثناء إيقافه.

ودفعت تلك الحوادث إلى المطالبة بفتح تحقيقات عاجلة والإعلان عن المتورطين في حوادث التعذيب في مراكز التوقيف.

ولقي هشام محمد مصرعه، بعد أن اعتقل من قبل مديرية "مكافحة الإجرام" في البصرة، على إثر تشابه في الأسماء، فيما تنفي وزارة الداخلية تلك الادعاءات وتقول إنه متهم بالقتل. 

في المقابل، قالت شرطة محافظة البصرة، في بيان، إن "مواقع التواصل الاجتماعي تداولت خبراً عن وفاة أحد المواطنين في قسم مكافحة إجرام البصرة، وعليه نود أن نوضح أن المتوفى مطلوب بجريمة قتل إلى قسم مكافحة إجرام البصرة بقرار قاض وفق المادة 406 من قانون العقوبات".

وأضاف أن "توقيف المتهم ليس له علاقة بتشابه الأسماء إنما بجريمة القتل"، مبيناً أنه "تم الإفراج عن المتهم بتاريخ 27 يوليو (تموز) 2021 بعد تدوين أقواله من قبل قاضي التحقيق وتم استلامه من قبل ذويه".

وأشار البيان إلى أن "مديرية شرطة محافظة البصرة تتابع باهتمام نتائج التشريح من الطب العدلي حول أسباب الوفاة، وكذلك الإجراءات القانونية المتخذة ولن تتهاون بمحاسبة المقصرين".

وتعرض محمد إلى التعذيب الشديد، بحسب ما يشير مقربون منه ويقولون، إنه تعرض للتعذيب والركل في مناطق عدة من جسده من بينها الرقبة. وأكد ذوو الضحية أنه كان معتقلاً بتهمة "الاشتباه" في أحد مراكز مديرية مكافحة الإجرام في محافظة البصرة. وتوفي بعد ساعات من الإفراج عنه بعد عدم تمكن السلطات من إدانته في التحقيقات.

وقال أحد المعتقلين الذين كانوا إلى جانب محمد، في تصريحات لوكالة محلية إن "الأخير أبلغ الضباط المسؤولين عن الاعتقال بأنه يعاني من مشكلات صحية في ضغط الدم، إلا أنهم رفضوا إيقاف التعذيب، أو منحه بعض الماء، وعوضاً عن ذلك، قام أحد عناصر القوة الأمنية بركله على رقبته".

وأكد أنه، تعرض لمختلف أنواع التعذيب بالضرب والتعليق والخنق، فيما تناقلت وكالات محلية صور جثة الشاب تظهر تعرضه للتعذيب. ودفعت تلك الحادثة العشرات من المواطنين في محافظة البصرة، إلى التظاهر احتجاجاً على القسوة وحوادث التعذيب التي تمارس في مراكز الشرطة التابعة للمحافظة.

وحمل المتظاهرون صور بعض المعتقلين الذين توفوا على يد الشرطة المحلية مثل هشام محمد، مطالبين بضرورة فتح ملف وفاته. ورفع الشبان صور وزير الداخلية، عثمان الغانمي، ومحافظ البصرة اسعد العيداني، كتب بجانبها عبارة (اغتيالات، وهدر في المال العام، وسرقة الأراضي، وتلوث بيئي).

الداخلية تشكل لجنة تحقيقية

وفي أول تجاوب من وزارة الداخلية العراقية، وجه وزير الداخلية، عثمان الغانمي، بتشكيل لجنة تحقيق في واقعة تعذيب هشام محمد في محافظة البصرة، ووفاته عقب ذلك.

وقالت الوزارة في بيان، في 29 يوليو، إن وزير الداخلية "وجه بتشكيل لجنة عالية المستوى من وزارة الداخلية للتحقيق في ملابسات وفاة المواطن (هشام محمد) في محافظة البصرة".

وأضاف البيان أن الغانمي "تابع بشكل مكثف هذا الموضوع من أجل معرفة تفاصيله والوقوف على آخر المستجدات بشأنه من بينها انتظار تقرير الطب العدلي لبيان أسباب الوفاة والعمل على اتخاذ الإجراءات اللازمة بهذا الصدد".

ولم تعد اللجان التحقيقية مقنعة للرأي العام العراقي خصوصاً في ما يتعلق بالانتهاكات وعمليات القتل التي تتهم فيها الأجهزة الأمنية، إذ بات يسود اعتقاد لدى العراقيين بأن أي قضية تود السلطات إغلاقها تشكل فيها لجنة تحقيق. 

ويمثل تشابه الأسماء مشكلة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، إذ تسببت بسجن المئات من المواطنين خلال السنوات الماضية، لتشابه أسمائهم مع أسماء مطلوبين للسلطات. 

13 يوما من التعذيب

وفتحت حادثة التعذيب التي أودت بحياة هشام محمد في البصرة اللثام عن عديد من الحوادث المشابهة، حيث كشفت عائلة الشاب علي البطبوطي تعرضه إلى التعذيب في سجن مكافحة إجرام باب الشيخ في بغداد، الذي ما يزال موقوفاً على ذمة قضية جنائية. 

ويقول سيف البطبوطي شقيق المعتقل علي البطبوطي "وردنا اتصال ليخبرنا أن ابنكم يتعرض للتعذيب وقد يموت إذا لم تتخذوا إجراءً سريعاً"، مردفاً "ذهبنا إلى مكان الاحتجاز وعرفنا أنه قد تعرض فعلاً للتعذيب".

ويضيف لـ"اندبندنت عربية"، "بعد تقديمنا شكاوى في مديرية الشؤون الداخلية في الوزارة، قامت المديرية بإثبات حصول التعذيب على أخي وتصوير آثار التعذيب عليه، وتمت إحالته إلى لجنة طبية"، مبيناً أن "التقرير الطبي يثبت حصول التعذيب الشديد".

ويؤكد البطبوطي أن "تعذيب الموقوف علي البطبوطي استمر لمدة 13 يوماً في مكتب مكافحة إجرام باب الشيخ من دون تحقيق"، لافتاً إلى أن "التحقيقات كانت قد انتهت وأحيلت أوراقه إلى محكمة الجنايات، بمعنى أن التعذيب كان بغاية الإيذاء فقط".

وتشكو عائلة المعتقل من عدم اتخاذ أي إجراءات حتى الآن بحق المتسببين بتلك الحادثة، فيما قامت عشيرته بإقامة مؤتمر صحافي طالبت فيه الرئاسات الثلاث بالتدخل ومعاقبة المتورطين بالتعذيب. 

ويطالب ذوو البطبوطي رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي ووزير الداخلية بتحمل المسؤولية ومعاقبة المتورطين.

ويبدو أن حراك أهالي ضحايا التعذيب قد يتصاعد خلال الفترة المقبلة، حيث يشير البطبوطي إلى أن "الضغط لحسم تلك الملفات ما زال مستمراً، وقد يتم اللجوء إلى الاعتصام أمام مقر الحكومة إذا لم يتم حسمها". 

أماكن الاحتجاز

ويبدو أن عديداً من الإشكالات تواجه وزارة الداخلية، تحديداً في ما يتعلق بمسألة تشابه الأسماء التي باتت تمثل معضلة كبيرة، في ظل غياب قواعد البيانات الحديثة التي لا تعتمد الاسم الثلاثي فقط.

وأسهم هذا الأمر في أن يصل الحجز في قضايا تشابه الأسماء إلى أكثر من شهر، فيما تتعرض عائلاتهم إلى عمليات ابتزاز ومساومة لإطلاق سراحهم. 

ويقول الناشط من محافظة البصرة، محمد الياسري، إن "هناك شيوعاً لحالات التعذيب في أماكن الاحتجاز التابعة لوزارة الداخلية العراقية"، مبيناً أن ما جرى أخيراً "لا يعد حالات فردية بل شائعة جداً". 

ويضيف الناشط الحقوقي "الانتهاكات كبيرة مستمرة في الوزارة، ولا يقتصر التعذيب والتعامل السيء على ضباط التحقيق، بل يشمل عديداً من المنتسبين غير المعنيين بالتحقيقات". ويشير إلى أن "أي مواطن يتعرض لإشكال قانوني قد يتعرض بالحد الأدنى إلى التنمر وسوء المعاملة في أماكن الاحتجاز". 

ويؤكد أن "وزارة الداخلية يجب أن تخضع لإعادة تأهيل كوادرها، فضلاً عن سن قوانين تجعل التحقيقات مقتصرة على ضباط وقضاة التحقيق وفق آلية تمنع أي انتهاكات".  

وبشأن قضايا تشابه الأسماء، يبين الياسري، أن تلك القضية "ما تزال شائعة، لأن آلية مراجعة أسماء المطلوبين في نقاط التفتيش خاطئة وتعتمد الأسماء الثلاثية"، مشدداً على ضرورة "العمل على تعديل تلك الآلية وعدم الوقوع بذات الأخطاء".

ويختم أن "إشكالية تشابه الأسماء باتت معضلة كبيرة، حيث تعرض عديد من المواطنين إلى السجن لأكثر من شهر لمجرد تشابه بين أسمائهم وأسماء مطلوبين".

رأس جبل الجليد

ويرى مراقبون أن ما يتم الكشف عنه من حوادث يمثل عدداً قليلاً مما يجري على أرض الواقع، مبينين أن ما يتسرب للإعلام هي القضايا التي تؤدي إلى وفيات. 

ويأتي الكشف عن حوادث التعذيب في السجون التابعة لوزارة الداخلية بعد أسابيع على إعلان الحكومة العراقية أن قاتل الباحث في الشأن السياسي هشام الهاشمي ضابط في وزارة الداخلية إضافة إلى انتمائه الفصائلي. 

في المقابل يقول الصحافي العراقي محمد حبيب إن "حالات التعذيب المتسلسلة التي ظهرت للإعلام أخيراً، لا تمثل سوى رأس جبل الجليد في ما يتعلق بتلك القضايا"، لافتاً إلى أن التعذيب في السجون العراقية "بات سلوكاً يومياً لدى ضباط الأمن".

ويشير حبيب إلى أن تزامن ما جرى مع الإعلان عن أن قاتل هشام الهاشمي ينتمي إلى وزارة الداخلية، "يعطي تصوراً عن نوعية ضباط ومنتسبي الوزارة، حيث دُمج الآلاف من عناصر الفصائل المسلحة والأحزاب في أركانها، وباتت تمثل مشكلة كبيرة لأن منتسبي الوزارة على احتكاك دائم بالمواطنين". 

ويبدو أن تشكيل لجان تحقيقية بحوادث التعذيب التي كشفت يمثل "سخرية من الضحايا"، كما يعبّر حبيب الذي يلفت إلى أن تلك القضايا "باتت شائعة وما يظهر منها في الإعلام يمثل الحالات التي تزداد فيها جرعة التعذيب وتؤدي إلى وفيات أو عاهات دائمة". 

ويختم أن "سمعة ما يسمى بأقسام مكافحة الإجرام في المحافظات في غاية السوء، وباتت أماكن لممارسة تلك الجرائم حيث تكررت حالات الوفاة تحت التعذيب في عديد من المحافظات العراقية"، مبيناً أن، الذرائع التي يرد بها الضباط مخجلة من أن الوزارة لا تمتلك آليات تحقيق متطورة". 

إدانات من القضاء ومنظمات حقوقية

وتوالت الإدانات وبيانات الرفض من المؤسسات القضائية والحقوقية بعد حادثة مقتل هشام محمد، حيث رفض مجلس القضاء الأعلى "أي ممارسة تؤدي إلى انتهاك حقوق الإنسان ومن هذه الممارسات حالات التعذيب التي تحصل من قبل بعض منتسبي الأجهزة الأمنية أثناء التحقيق مع المتهمين المطلوبين للقضاء".

وأضاف، أن "تلك الممارسات الخاطئة مرفوضة بالمطلق وقد تصدى القضاء لهذه الحالات من خلال اتخاذ الإجراءات القانونية بحق من تصدر منه أفعال تعذيب وانتهاك لحقوق الإنسان حسب أحكام قانون العقوبات رقم 111 لسنه 1969 المعدل".

وشدد، أن "هناك عديداً من القضايا التي تمت بموجبها محاسبة عدد من ضباط شرطة بسبب تجاوز أعمال وظائفهم بتصرفات تعد جرائم يعاقب عليها القانون".

في المقابل، أعربت مفوضية حقوق الإنسان في العراق، 1 أغسطس (آب)، عن "بالغ أسفها لتكرار حالات التعذيب والانتهاكات اللا إنسانية في مواقف الاحتجاز والسجون وأثناء التحقيقات، ومنها ما يؤشر إلى حصول حالتي انتهاك ووفاة لموقوفين في محافظة البصرة".

وطالبت المفوضية في بيان، الجهات المعنية بـ"اتخاذ إجراءات رادعة وحقيقية لمنع تكرار ذلك ومحاسبة من يثبت ارتكابه"، فيما دعت إلى "تشكيل لجنة تحقيقية، تضم ممثلين من الجهات الأمنية المتخصصة، إضافة لوزارتي العدل والصحة ومجلس القضاء الأعلى ونقابة المحامين العراقيين، ويكون للمفوضية العليا لحقوق الإنسان دور مراقب فيها".

من جانبها، دانت نقابة المحامين العراقيين تعذيب المواطن هشام محمد الخزعلي، حيث قال نقيب المحامين ضياء السعدي في بيان إن، "الثابت من الصور الملتقطة لجثة القتيل وتقارير الطب العدلي تفيد بتعرض الخزعلي للتعذيب الجسدي البشع منذ لحظة توقيفه"، مؤكداً أن "الدستور جرم جميع أنواع التعذيب النفسي والجسدي والمعاملة غير الإنسانية".

وأضاف أن "هذه الممارسات لا تختلف عن الاعتداء على الشرف والعرض في سجن أبي غريب والمعتقلات العسكرية الأميركية والبريطانية".

المزيد من تقارير