Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

براغماتية الاتحاد الأوروبي قد تسهم في حل مشكلة إيرلندا الشمالية

تصريحات بوريس جونسون المعادية لأوروبا غير مفيدة، لكن إيجاد تسوية ممكن

ماروس سيفكوفيتش الرئيس المشارك للجنة المشتركة المكلفة بتنفيذ بروتوكول إيرلندا الشمالية (رويترز)

كان قرار المفوضية الأوروبية بالأمس تعليق الدعوى القانونية ضد المملكة المتحدة إشارة مرحباً بها، فخلف التصريحات التي تتهم بوريس جونسون بممارسة دبلوماسية مشاغبة hooliganism، يبدو أن الاتحاد الأوروبي على استعداد للمشاركة في محادثات براغماتية لإيجاد حل للمشكلات التجارية مع إيرلندا الشمالية [التي ظهرت بعد بريكست].

في الكواليس لا يخفي المسؤولون الأوروبيون امتعاضهم من بوريس جونسون وكبير مفاوضيه ديفيد فروست، لتظاهرهما بأنهما صُعقا من دون سابق إنذار لاكتشافهما بأن البروتوكول الذي وقعا عليه يلزمهما بما لا يريدان الالتزام به. ولقد نُقل عن أحد المسؤولين الأوروبيين في مجلة بوليتيكو الأسبوع الماضي قوله: "لو وضع البريطانيون مكرهم جانباً وبصراحة تخلوا عن تصرفاتهم المزعجة في كل مرة، لكان قد عزز ذلك أجواء التسوية".

باعتقادي أن الطرفين قاما بالتمثيل قليلاً. الاتحاد الأوروبي لم يظهر أي ليونة في اجتهاده في تفسير البروتوكول، واعترض بقوة عندما وجهت المملكة المتحدة إليه الانتقادات بشأن ذلك. رد فعل الأوروبيين كان تحديداً: "أنتم وقعتم عليه (البروتوكول) وعليكم إذاً الإلتزام به". في الواقع البروتوكول حدد آلية – هي اللجنة المشتركة ـ المناط بها التفاوض حول تفاصيل تنفيذه (البروتوكول)، وكان اعتراض المملكة المتحدة مركزاً على عدم إحراز هذه المفاوضات أي تقدم.

لقد سمعنا الكثير كيف أن بوريس جونسون وقع بعجالة على هذا البروتوكول، آملاً بأن تتم تسوية المشكلات حول كيفية تطبيقه عملياً في وقت لاحق، والأمر نفسه ينطبق أيضاً على الاتحاد الأوروبي. البروتوكول حدد المبادئ العامة: أي أن إيرلندا الشمالية ستكون في الوقت ذاته جزءاً أساسياً من المملكة المتحدة، وأيضاً، ومن أجل الإبقاء على الحدود مفتوحة مع الجمهورية الإيرلندية ستكون إيرلندا الشمالية ضمن السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي. وهذا يعني أن البضائع التي تصل إلى إيرلندا الشمالية من مختلف مناطق المملكة المتحدة ستكون عرضة للإجراءات الجمركية، لأنه من الممكن وصولها إلى الجمهورية (الإيرلندية لعدم إقامة حدود فاصلة بين البلدين هناك).

جونسون كان مذنباً لاعتقاده أن تلك الإجراءات الجمركية ستكون "شكلية وخفيفة" وأن أحداً لن يلاحظها، ولكن الاتحاد الأوروبي مذنب أيضاً لاعتقاده أن تلك الإجراءات ستؤمن حماية كاملة للسوق الموحدة من دون أن يضع ذلك كلفة ما على الناس في إيرلندا الشمالية. 

لنأخذ مثلاً مسألة النقانق، الاتحاد الأوروبي يصر على أن كل اللحوم المشحونة من المملكة المتحدة إلى متاجر إيرلندا الشمالية يجب أن تكون مجمدة، لأن ذلك هو النظام المعمول به حيال أي لحوم تدخل الاتحاد الأوروبي من أي بلد لا يربطه بالاتحاد اتفاق حول المعايير الصحية والصحة النباتية  sanitary and phytosanitary. وهذا لا يبدو معقولاً بالنسبة لي. لكن خلال مشاركتي في ندوة نظمتها "اندبندنت" الأسبوع الماضي للرد على أسئلة القراء (حول هذه المسألة) لاحظت أن الرأي السائد هو أنه يحق للاتحاد الأوروبي الإصرار على تفسيره للقواعد بغض النظر عن أثرها على الناس في إيرلندا الشمالية.

صحيح أيضاً أن جونسون لم يخدم قضيته من خلال السماح بتسرب الشكوك أنه سعيد بإثارة حروب لا نهاية لها بسبب بريكست، كوسيلة لدعم شعبيته بين شريحة مكونة من نصف البريطانيين الذين صوتوا لصالح الخروج من أوروبا. بعض المعلقين يقولون إنهم كانوا يفضلون لو أن الحكومة قالت للاتحاد الأوروبي مثلاً: "اليوم ونحن نسعى لتطبيق البروتوكول اكتشفنا بعض المشكلات وسنكون من الشاكرين لكم لو أمكن مساعدتنا على تسويتها".

في الواقع، هذا ما تضمنته تقريباً ورقة برلمانية تعرف "بأمر ملكي" Command of Her Majesty نشرت الأسبوع الماضي. وبالطبع توضح الورقة أن جونسون وافق تقريباً على بعض أجزاء البروتوكول لأنه كان مستقتلاً لتنفيذ بريكست: "والمملكة المتحدة... وافقت على دور محكمة العدل الأوروبية (كمرجعية قانونية) في البروتوكول فقط بسبب هذه الظروف الخاصة المحددة في تلك المفاوضات".

تلك هي الجزئية في البروتوكول التي تسعى المملكة المتحدة إلى إعادة التفاوض بشأنها، لكن علينا أن نكون واضحين في أمرين اثنين. الأول أن ذلك قضية مستقلة عن المفاوضات بخصوص مسائل محددة مثل النقانق، التي ستتم تسويتها من ضمن البروتوكول. والأمر الثاني أن المعنيين هنا ليسوا المواطنين البريطانيين من بين الناخبين المؤيدين لبريكست، بل الوحدويين الإيرلنديين من سكان إيرلندا الشمالية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إن حزب الوحدويين الديمقراطيين (في إيرلندا الشمالية) الذي لعب دوراً سيئاً في عملية بريكست (مفسحاً المجال لجونسون باستخدام الحزب ونوابه) ينهار كحزب بسبب معارضة ناخبيه للبروتوكول. ويكمن الخطر الحقيقي في أن البروتوكول يهدد اتفاق السلام المعروف بـ "اتفاق الجمعة العظيمة" Good Friday  أو تسوية بلفاست، لأن البروتوكول ينص على ضرورة مصادقة إيرلندا الشمالية عليه. وأعتقد أن رغبة جونسون في الذهاب إلى أبعد من مجرد التفاوض على آليات تنفيذ البروتوكول وطرح مسألة تغييره، تكمن في اعتقادي بأنه يحاول إرضاء الوحدويين الإيرلنديين أكثر من رغبته في إرضاء المؤيدين لبريكست في بقية أرجاء المملكة المتحدة.

الأولوية الملحة الآن على رغم ذلك، هي حل المشكلات التي تهدد سلاسة انتقال البضائع من المملكة المتحدة إلى إيرلندا الشمالية. والطريقة البديهية للتعامل مع مسألة النقانق هي عبر التفاوض على اتفاقية للمعايير الصحية والنباتية SPS بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة. وما يعيق ذلك حالياً هي مسألة إصرار الاتحاد الأوروبي بأن تلتزم بريطانيا بتلك المعايير في هذا الاتفاق كلما تم تعديلها من طرف الاتحاد الأوروبي. ولكن يمكن الوصول إلى تسوية بشأن ذلك من خلال حل وسط.

قد تكون نسخة بريكست التي وقع عليها جونسون غير قابلة للتطبيق، وهناك كثير من الناس الذين يرغبون بحماسة أن يكون ذلك صحيحاً. لكن من الممكن تعديلها كي تصبح قابلة للتطبيق، وعواقب جعل الاتفاقية غير قابلة للتطبيق على إيرلندا الشمالية لا يمكن الاستخفاف بها. إن البراغماتية التي سادت بالأمس والليونة التي أظهرتها المفوضة الأوروبية تشير إلى إمكانية التوصل إلى وسيلة لإحراز تقدم بعد كل ما جرى.

© The Independent

المزيد من آراء