Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نقص الكهرباء يفقد السوريين ما تبقى من المؤن الغذائية

اتبعت الأسر أساليب قديمة في تخزين الطعام تفادياً لتلف المأكولات

تعاني سوريا انقطاع الكهرباء بسبب ضآلة المواد المشغّلة والعقوبات الاقتصادية (اندبندنت عربية)

مع انطفاء آخر شمعة في منزل "أبو رجا"، طلب من ولده فتح النافذة المطلة على الشارع لعل غرف بيته المظلم تنال قبساً من نور السيارات المارة، إذ لم يبقَ سوى ضوء القمر المتغلغل ببطء في أرجاء مكان فقد أفراده كل وسائل الإنارة الكهربائية وحتى البديلة منها.

كهرباء بـ"القطارة"

"توقف كل شيء عن العمل"، هكذا يصف رب الأسرة حاله وحال عائلته، أضواء شحيحة، بيضاء اللون، تسطع بشكل خجول من مصابيح صغيرة يطلق عليها الدمشقيون "الليدات"، بعد ما فقدت "البطارية" المولدة النور كل طاقتها، "حياتنا كلها مرهونة لساعات قليلة من كهرباء تصلنا بالقطارة".

وتزداد ساعات التقنين اليومي حدة، ومعها تتناقص كل الوسائل البسيطة منها، بل باتت شبه مفقودة، مثل الشموع، على حساب وسائل بديلة للإنارة تلاقي هذه الأيام رواجاً أكبر في الأسواق.

ولا يُخفي أحد باعة المواد الكهربائية الرواج الحاصل لبضائعه "ازدهر هذا الموسم في بيع المواد البديلة للكهرباء أكثر من أي عام ماضٍ، وأسعارها بارتفاع لزيادة الطلب عليها ولانقطاع الاستيراد، بسبب العقوبات الاقتصادية".

ومع تنامي الطلب على الطاقة البديلة، لا سيما التي تعتمد على الشمس، تنتاب أهل البلد الغارق في الحرب منذ عشرة أعوام خلت، حالة من تشاؤم ومصير مجهول لأحوالهم، دون طائل من أي بارقة أمل تعيد إلى الحياة نبضها كما سابق عهدها. في المقابل، يهلل الناس حين وصول التيار الكهربائي إلى شققهم السكنية، وتسري فرحة عارمة تُعيد دفقة الحياة ساعة أو ساعتين في اليوم فحسب.

من جهتها تعزو المعلومات الواردة من وزارة الكهرباء ضعف إنتاج الطاقة إلى عوامل متعددة، منها ضآلة المواد المشغّلة، مثل الفيول والغاز اللذين يُعتمد عليهما بالإنتاج، وتردّ الوزارة نقصهما إلى الحصار والعقوبات على البلاد، علاوة على الطلب الشديد، بسبب الأجواء الحارة هذه الأيام.

حياة مظلمة

في غضون ذلك، تعيش غالبية البيوت هذه الأيام حالة أشبه بهيستيريا جماعية، مردّها نقص حاد بإنتاج وتوزيع الطاقة الكهربائية، ويتصدر التقنين المجحف أحاديث الناس، فيما زادت سوداوية المشهد درجات الحرارة المرتفعة وتوقّف وسائل التبريد عن العمل، خصوصاً أن التقنين يصل إلى عشرين ساعة في بعض المدن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المقلق أكثر من توفير النور والضوء، هو التأثير الكبير لنقص "عصب الحياة" في القرن الواحد والعشرين، وما يتركه من انعكاس على تشغيل المرافق العامة والخدمية من الأفران والمشافي والمصانع، وزاد الأمر سوءاً الشحّ في المواد المشغلة للمولدات الكهربائية وفقدان شبه تام لمادة المازوت ونضوبها أو للوقود المشغل للمولدات الصغيرة الحجم.

يفصح عبد الحكيم جمعة الذي يعمل في مصر عن كونه لا يرغب بالعودة إلى البلد وإعادة أعماله مجدداً إليه والسبب بحسب رأيه يرجع إلى ظروف عدة، أبرزها عدم توافر حوامل الطاقة "لن تفلح كل رسائل العودة إلى البلاد ما لم تتوافر كل متطلبات وظروف العمل والإنتاج، وأهمها الاستقرار الأمني والقدرة على تأمين الطاقة".

الثلج والمؤونة التالفة

في هذه الأثناء، تهدد الظروف الراهنة السوريين بأمنهم الغذائي ضمن النطاق "المنزلي" على إثر تعطّل حافظات الطعام، التي بالكاد ينتج منها كوباً بارداً، الأمر الذي وصل إلى تلف مؤونتهم لفصل الشتاء، وخروج الثلاجات عن العمل بفعل غياب التيار الكهربائي، وبات مصير الطعام إلى القمامة.

وتعتري الشارع حالة كارثية في أنهم "يمشون على حد السكين"، بهذا تستهل السيدة "أم كاظم" حديثها المؤلم عن الحالة المعيشية المتردية، وتروي تفاصيل رميها مأكولات نالت منها قسطاً وافراً من التعب والسهر "نحتفظ بالمؤونة لفصل الشتاء، لأن أسعارها ستكون مضاعفة عشرات المرات، هذا إن وجدت في فصل الصيف، لكن تلفها سيجعلنا نواجه شتاءً قاسياً بالتأكيد".

ويشقى السوريون في الآونة الأخيرة لتأمين الطعام لفصل الشتاء كتحويل البندورة إلى عصير يُسمّى "ربّ البندورة" والاحتفاظ بأطعمة كالملوخية والبامياء والبازلاء وغيرها. ولعدم تلفها، لجأت سوريات من ربات البيوت إلى العودة لأساليب متعددة اتبعتها جدّاتهن بتجفيف الفواكه والخضار وتيبيس المأكولات.

وعلى الرغم من مرارة ما يحدث، تندّر السوريون بهذه الحالة التي وصلوا إليها، بعدما حوّلوا ثلاجاتهم إلى خزائن ملابس لفقدانهم التيار الكهربائي، التقطوا لها الصور وبُثّت على صفحاتهم الشخصية.

الشمس البديل الوحيد

في المقابل، تلوح في الأفق حلول عدة من باب الطاقة البديلة، بل هي الطريق الوحيد بعد خروج كثير من المحطات الضخمة المولدة للكهرباء، أبرزها محطة دير حافر في حلب، التي تحتاج إلى أكثر من عامين لإعادة صيانتها نتيجة تأثرها بالحرب. ويشير المتخصص في الطاقة البديلة المهندس زين الدين عاتكة، في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، إلى تأخر البلاد بالاتجاه نحو هذه الوسيلة، إلا أنها ما زالت موجودة.

يقول عاتكة إن البلاد "تعيش ما يقارب 300 يوم مشمس من أيام السنة، وهي فترة تجعل من ألواح الطاقة الشمسية والمحطات الكهروضوئية تعمل بنجاح. نشهد اليوم اتجاه الناس إلى استخدام هذه الطاقة عبر منازلهم، بل إن المدن الصناعية الكبرى، مثل الشيخ نجار في حلب، وعدرا في ريف دمشق أخذت على عاتقها بناء محطات للطاقة البديلة تسعى من خلالها إلى تغذية المنشآت الصناعية بشكل واسع".

الاختيار الصائب

ويبدو جليّاً التوجه الحكومي اليوم نحو الطاقة المتجددة، كاستراتيجية يؤيدها وزير الكهرباء السوري غسان الزامل، في تصريح صحافي له، إذ أكد "البدء بشكل فعلي بذلك، لكن لا يمكن أن تكون نسبة مشاركة الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء تزيد على 40 في المئة مما هو مُنتج بالبلاد، وهذا معمول به في كل دول العالم، لأن الإنتاج من الطاقة الأحفورية يجب أن لا يقل عن 60 في المئة، لضمان استقرار إنتاج الطاقة".

إزاء ذلك، تتجه الحكومة والشركات التي تُعنى بالطاقة النظيفة إلى زيادة الاهتمام والاستيراد أو التصنيع، مع مطالبة الأوساط الشعبية بتوفير قروض للسوريين مخصصة لهذا الغرض.

ومن المتوقع الاتجاه نحو "خصخصة" إنتاج الطاقة البديلة وبيعها للمواطنين عبر اشتراكات خاصة، لكن عاتكة يحذّر من ضرورة التعامل الجيد مع هذه الطاقة النظيفة وتوافر الخبرة الفنية الجيدة، وإن لم تكُن مؤمّنة، فلا بد من العمل على زيادة الثقافة في الطاقات المتجددة، بخاصة إذا ما علمنا أن ما نسبته النصف من الألواح الشمسية التي دخلت البلد مجهولة المصدر، بحسب ما حذّر مركز بحوث الطاقة في دمشق لضمان جودتها وكفاءة عملها.

المزيد من العالم العربي