Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خزانة تونس تنتظر الانتعاش بالأموال المنهوبة

سلسلة إجراءات ستعزز مناخ الاستثمار وسط توجه نحو التركيز على البنية التحتية في البلاد

تحتاج تونس حالياً إلى تحقيق جديد وقائمة جديدة لوضع اليد على الفساد المستجد من 2011 إلى 2021 (أ ف ب)

اقترح الرئيس التونسي قيس سعيد إحداث صلح جزائي مع أصحاب رؤوس الأعمال، الذين تتعلق بهم شبهات فساد، وأتى ذلك ضمن سلسلة الإجراءات التي يتّخذها والتي ذكر أنها تصبو إلى إنقاذ البلاد من الخطر، بعد تجميد البرلمان وحل الحكومة.

وقدّم الرئيس التونسي وعوداً بمنح المتجاوزين القانون صلحاً جزائياً مقابل صهر الأموال التي وصفها بالمنهوبة في دائرة الاستثمار. وخص بالذكر المدن والقرى الفقيرة التي تفتقد التنمية والبنية التحتية.

واستُقبل المقترح بترحيب من الرأي العام التونسي وقوبل باستحسان مشوب بالحذر من الملاحظين الاقتصاديين، منبهين إلى ضرورة تحديد قائمة رجال الأعمال التي أشار إليها الرئيس بالاعتماد على بحث معمق ونزيه، إضافة إلى الدعوة إلى إجراء تحقيق قضائي يخص نهب المال العام والتهرب الضريبي في الأعوام العشرة الأخيرة والاحتكام إلى النصوص القانونية وتكييف العقوبات لدعم الواقع المالي والتنموي الصعب في تونس.

الأموال المنهوبة

وتحدث قيس سعيد في هذا الصدد عند استقباله رئيس اتحاد الصناعة والتجارة (منظمة الأعراف) سمير ماجول، وقال الرئيس إن 460 رجل أعمال تونسياً تعلقت بهم شبهات فساد مالي وفقاً لتقرير سابق "للجنة تقصي الحقائق حول الرشوة والفساد". ويتحدث التقرير عن 13.5 مليار دينار (4.8 مليار دولار).

وأضاف، "كنت دعوت إلى صلح جزائي، ليست هناك أي نية على الإطلاق للتنكيل بأي شخص، والمسّ برجال الأعمال، بخاصة أصحاب المؤسسات الصغرى والمتوسطة"، مؤكداً أن هذه الأموال المتخلدة بذمة هؤلاء، ولدي قائمة بالأسماء، "يجب أن تعود إلى الشعب التونسي، وسيجري إصدار نص في هذا المجال حول إبرام صلح جزائي مع هؤلاء المتورطين في نهب المال العام".

كما تطرق إلى جزء من مقترح سيتقدم به في المستقبل، ويتمثل في أسلوب المصالحة مع المتورطين. وهو تسديد هذه المتخلدات للدولة التونسية في شكل مشاريع تنموية بالمناطق الفقيرة، مثل البنية التحتية من مدارس أو مستشفيات.

ملفات فساد

ونبّه الاقتصادي عز الدين سعيدان وعضو لجنة "تقصي الحقائق حول الرشوة والفساد" إلى قائمة رجال الأعمال الـ463 التي تحدث عنها سعيد. وقال إنها لا تتمثل في أسماء لرجال أعمال، بل "هي قائمة ملفات فساد، وتعود إلى 2011، بحيث جرى تجميع الملفات التي تطرقت إليها (لجنة تقصي الحقائق حول الرشوة والفساد)، التي يقدّر عددها بـ463 ملفاً وتبلغ مجمل القيمة المالية فيها نحو 13.5 مليار دينار (4.8 مليار دولار)".

وهي الملفات الموثقة والمدروسة التي أحالتها آنذاك "اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد" على القضاء في تلك الفترة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومرّ 11 عاماً على إنجاز تلك الوثيقة المهمة في تلك الفترة، لكن ليس بالإمكان الاعتماد عليها حالياً. وهي تحتاج إلى تحديث، لأنه جرى بتّ عدد منها من قِبل القضاء. كما يتوقع تغيّر الوضعية لبعض المؤسسات المذكورة فيها، وكذلك الأشخاص ربما بالتسوية أو الإفلاس أو الوفاة، ووجب البحث في ذلك. وبناء عليه، يفترض تغيّر المبلغ المذكور المجسد للأموال منهوبة.

ورجّح سعيدان تغيّر المبلغ المذكور وهو 4.8 مليار دولار الذي قدمته اللجنة، وذكر أنه متغير لا محالة بمرور أكثر من عقد من الزمن، لكن من غير المتاح حالياً الحسم فيه بالزيادة والنقصان، فالفرضيتان واردتان.

جدل القائمات

واهتم الاقتصادي معز الجودي في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، بالتوضيح حول القائمات المتداولة في البلاد منذ إعلان قيس سعيد نيّته محاسبة الفاسدين. وقال إن المواطنين وفي خضم فرحتهم بهذا الإجراء المشروع من ناحية المبدأ، تداولوا قائمات خاطئة وغير دقيقة لرجال أعمال تونسيين.

وذكر أن إحداها تعود إلى 2001، وُضعت من قبل النظام الأسبق في عهد الرئيس بن علي، وضمت مؤسسات ورجال أعمال تحصّلوا على قروض مشتتة بين بنوك تونسية مختلفة، وطلب منهم تحديد طرف مالي معيّن من قبل البنك المركزي للنقاش معه بحكم تراكم الديون. وسُوّيت وضعية غالبيتهم التي استأنفت فعلاً عملية التسديد. ولم تتعلق بهم تهمة نهب الأموال العمومية، بل انحصرت المسألة في قروض من مؤسسات بنكية تونسية، وسُرّبت هذه القائمة في تلك الفترة، وجرى فصل محافظ البنك المركزي على خلفية التسريب، وهي قائمة لا تمت بالوضع الحالي بأي صلة بل هي خاطئة.

أما القائمة الثانية التي نُشرت من قِبل الناشطين التونسيين، فهي التي أشار إليها فعلاً الرئيس قيس سعيد، وتحتوي على 463 ملفاً جرى إنجازها من قبل "لجنة تقصي الحقائق حول الرشوة والفساد" إبان الثورة.

الفساد المستجد

ولم تتكون القائمة من رجال أعمال، بل من 463 ملفاً بعد البحث والتحقيق فيها، أي من الوارد أن تتعلق 3 أو 5 ملفات برجل أعمال وحيد. وتطرّقت إلى الحصول على قروض ومنح وأموال وامتيازات من دون وجه حق، إضافة إلى التهرب الضريبي والجبائي.

ومن بين الملاحقين فيها الرئيس الراحل بن علي وأسرته، وهي قائمة تفتقر إلى التدقيق، فهي قديمة وغير صالحة لطرحها على القضاء حالياً، بحكم تقدّم عدد من الملاحقين فيها إلى المحكمة وتسوية وضعيتهم، كما جرى بت بعض الشكاوى، وتوجيه عقوبات مثل ما حصل مع بن علي وعائلته وأصهاره.

بل تحتاج تونس حالياً إلى تحقيق جديد وقائمة جديدة لوضع اليد على الفساد المستجد في الفترة الممتدة من 2011 إلى 2021، إضافة إلى ما لم يُبتّ من القائمة القديمة، وهو ما يشير إلى مبلغ من غير المتاح تحديده الآن. ويرجح أن يكون ضخماً بحكم التجاوزات التي سجلت في الأعوام العشرة الأخيرة في البلاد.

المحاسبة

ويتحتم على الدولة التونسية التأسيس لإدارة محاسبة هؤلاء الفاسدين، الذين تحدث عنهم رئيس الجمهورية، بتحديد قائمة تنص على المتجاوزين في ما يتعلق بالمال العمومي، ثم محاسبتهم عن طريق الخطايا المالية وفق الجودي، ويتم الاحتكام إلى القضاء المتخصص في تونس في هذا الشأن، وهو القطب القضائي المالي.

كما يجدر وضع آليات للعقاب ترتكز على استرجاع الأموال المنهوبة في شكل سيولة، الأمر الذي يعود بالنفع على الخزانة التونسية وينعشها، على أن تهتمّ الجهات المتخصصة، مثل المكلف بنزاعات الدولة والإدارات القانونية في الوزارات والبنوك بهذه العملية، كما يشترط أن تقود الدولة عملية توظيف هذه الأموال في الجهات الفقيرة عن طريق الاستثمار العمومي.

وحذّر الجودي من اللجوء إلى آلية مصادرة الأملاك، بعد فشل تجربة مصادرة أملاك الرئيس الأسبق بن علي وأصهاره لفائدة الدولة، بحيث سُجّل سوء إدارة هذه الأملاك ولم تكن مدرّة للأموال وتحوّلت إلى عبء على الدولة التونسية.