Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جورجي أمادو يكتب رواية عربية بنكهة برازيلية

"نساء البن" عن المهاجرين وتجارة الكاكاو والاختلاط وليالي الحانات

الراوئي البرازيلي جورجي أمادو (دار الساقي)

تحضر الشخصيات العربية في الروايات الأميركية اللاتينية بشدة، بعضها يحتل موقع الصدارة في سير الأحداث والوقائع، وبعضها يطل بخفر، في جريرة السرد وخلفياته. هذه الشخصيات التي هاجرت من لبنان وسوريا وفلسطين منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى مطلع القرن العشرين، غالباً ما أطلق عليها الروائيون الأميركيون اللاتينيون الصفة "التركية"، مع أنهم كانوا يعلمون أنها قدمت من هذه البلدان الثلاثة، وبعضها مسيحي ودرزي. لكن الصفة التركية أُسبغت عليها لسبب رئيس وهي أنها حين قدومها إلى البرازيل والأرجنتين والمكسيك وسائر بلدان القارة، كانت تحمل أوراقاً ثبوتية ممهورة من السلطة العثمانية التي ظلت تسيطر على المنطقة، حتى الهزيمة الكبيرة التي تكبدتها جيوشها في الحرب العالمية الأولى. كان المهاجرون من البلدان الثلاثة يعيشون هذا الالتباس في الهوية، وكانوا يسمون تارة بالأتراك وطوراً بالسوريين واللبنانيين والفلسطينيين.

ومن قرأ روايات ماركيز ويوسا وجورجي أمادو وإيزابيل أليندي وسواهم وقصص بورخيس، اكتشف هذه الشخصيات التي أدى بعضها أدوار "البطولة"، عطفاً على الشخصيات التي تحضر في سياق السرد العام. لا ينسى القارئ مثلاً السوري موسى في رواية ماركيز "ليس للكولونيل من يراسله"، ولا يعقوب صاحب فندق ماكوندو في "مئة عام من العزلة" وكذلك سكان حي الأتراك وهم عرب، ولا شخصية سانتياغو نصار الرهيبة في "يوميات موت معلن". ولا ينسى القارئ أيضاً شخصية الدرزي ايسيدرو بارودي في قصة "إحدى وعشرون صورة للعالم" لبورخيس، وهو محقق يتولى التحري عن مقتل شخصية درزية بارزة فيكتشف أن القاتل هو درزي آخر يدعى عز الدين، في حمأة الصراع داخل الطائفة المهاجرة إلى الأرجنتين. وفي رواية "حفلة التيس" للبيروفي ماريو بارغاس يوسا، يحضر سلفادور سعد الله الذي يعمل في فريق يشرف على طقس شنق الديكتاتور تروخييو.

شخصيات عربية

الروائي البرازيلي جورجي أمادو جذبته أيضاً الشخصيات العربية في البرازيل واختار منها نماذج طريفة، جعلها في واجهة السرد أو في الكواليس، وأشهرها السوري نسيب سعد، الذي تنشأ بينه وبين غابريلا بطلة رواية "غابريلا قرنفل وقرفة"، قصة حب رهيبة. غير أن روايته القصيرة (نوفيلا) "كيف اكتشف الأتراك أميركا" مع عنوان إضافي هو "خطوبات ادما" قصرها على عائلة وأشخاص لبنانيين وسوريين هاجروا إلى البرازيل، فبدت الرواية كأنها عربية بنكهة برازيلية. فالشخصيات العربية التي تحتل واجهة الرواية محاطة بشخصيات برازيلية وتحيا في وسط برازيلي. صدرت الرواية حديثاً في ترجمة عربية أنجزها عن الإنجليزية مالك سلمان، وارتأت دار الساقي تغيير عنوانها إلى "نساء البن". وحملت الترجمة مقدمة للروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو.

هذه الرواية القصيرة قد تعني القارئ العربي كثيراً، لكونها، تدور حول عائلة عربية الأصل تحمل اسم الوالد إبراهيم جعفر (يرد اسمه بدايةً إبراهيم جافت)، وكذلك حول شخصيتين رئيستين هما بمثابة "البطلين"، الأول لبناني مسيحي ماروني يدعى رضوان مراد، والثاني سوري شيعي يدعى جميل بشارة. لا يبدو أن العائلة والشخصيات العربية في هذه الرواية، تعيش أحوالاً من الاغتراب والاقتلاع والغربة التي يعانيها عادة المغتربون والمهاجرن إلى البلدان البعيدة، فهم يملكون مخازن ومحال ويمارسون أنواعاً من التجارة، وينافسون الأثرياء البرازيليين أحياناً. بل إن الرجال يحيون حياة متع ورغبات، يشربون في الحانات ويطوفون على البارات والمواخير ليصطادوا الفتيات السمراوات الجميلات. وعندما يبغون الزواج، يبحثون عن العذراوات اللواتي لم يمسسهن أحد، سواء كن برازيليات أم عربيات. وهذا ما عبر عنه الشاب السوري أديب بارود الذي يعمل في بار، لصديقه رضوان عندما عرض عليه الزواج من ادما ابنة إبراهيم جعفر، مشترطاً عليه "ألا تكون الفتاة مفتوحة"، مضيفاً "أنا لن أردم حفرة فتحها شخص آخر". التعبير نافر جداً و"زقاقي" وهو دارج في الأوساط الذكورية العربية، وربما حمله العرب معهم إلى البرازيل. ولكن يجب التأكد إن كان هذا التعبير ورد هكذا في النص البرازيلي أم أن الترجمة الإنجليزية أدرجته في مثل هذه الفجاجة، فالترجمة العربية تمت عن الإنجليزية.

رواية تحت الطلب

قد لا تكون هذه القصة الطويلة من أقوى أعمال أمادو، خصوصاً أنها كتبت "تحت الطلب" عام 1991 وكان أمادو في التاسعة والسبعين، وقد اقترحت عليه مؤسسة إيطالية المشاركة في إحياء الذكرى المئوية الخامسة لاكتشاف أميركا عبر كتابة قصة طويلة لنشرها مع قصتين أخريين واحدة بالإنجليزية للأميركي نورمان ميلر وأخرى بالإسبانية للمكسيكي كارلوس فوينتيس، على أن تنشر كلها في كتاب بلغات أربع، هي الإيطالية، والإسبانية، والإنجليزية، والبرتغالية، وتوزع من الكتاب ثلاثمئة ألف نسخة مجاناً. قدم الكتَّاب قصصهم لكنها لم تصدر لأسباب ترتبط بفضيحة فساد في إيطاليا، مع أن الكتَّاب حصلوا على حقوقهم المالية. لكن قصة أمادو تُرجمت إلى لغات أخرى هي الفرنسية والألمانية والروسية والتركية، والعربية أخيراً. وتكشف زوجة أمادو زيليا في ملاحظة لها، عن أن أمادو استعاد فصلاً كان رماه في سلة المهملات، من روايته "المواجهة" لأنه لم يرضَ عنه، وهو يدور حول زواج فضول عبد الله في البرتغال، فأنقذته زوجته وخبأت الأوراق لأنها أحبت هذا الفصل. وعندما علم به أمادو عند كتابته القصة الطويلة هذه، استرجعه واستخدمه فيها. وقد يعني هذا الأمر أن الرواية لم تخلُ من التركيب، ولكن غير المفضوح. ونقل الكاتب مكان حدث الزواج في هذا الفصل، من البرتغال إلى البرازيل بل إلى مدينة إيتابونا التي تشهد وقائع الرواية. وعلى الرغم من طرافة الرواية وفرادة أجوائها التي تختلط فيها الهويات والإثنيات والأصول، فهي لم تخلُ من التكرار والاستعادة، خصوصاً في ما يتعلق بالشخصيات وبعض الوقائع والمرويات.

إذاً إنها رواية المهاجرين رضوان مراد، اللبناني الهارب من العدالة لارتكابه أعمال احتيال، لا سيما في المقامرة التي كان يدمنها (السبب الذي يبرزه أمادو)، والسوري جميل بشارة المهاجر مثله مثل ركاب السفينة التي التقيا على متنها، الباحثين عن الثروة المحفوفة بالأخطار في أنحاء البرازيل. رضوان شخص مبدع، يملك خيالاً غنياً، مثقف، يحفظ الكثير من الأشعار ومنها رباعيات عمر الخيام، متحدث لبق وصاحب أفكار، لكنه لا يملك أي وازع أخلاقي يردعه عن ممارسة ضروب من الاحتيال في الحياة، خصوصاً أمام طاولة القمار، التي كان يجني منها مالاً. يتعرف أحدهما إلى الآخر ويكون هذا التعارف بداية لصداقة طويلة في ولاية باهيا، "فردوس الكاكاو الجديد"، وفي التعاون في التجارة العامة ومنها تجارة الكاكاو، التي كانت في أوج ازدهارها، ويتصارع عليها ضباط من الجيش ووجهاء ومرتزقة وتجار برازيليون وعرب ويهود.

رضوان وجميل

جمعت الصداقة بين رضوان الذي تجاوز الأربعين وجميل الثلاثيني، رغم "العداوة بين سوريا ولبنان" كما يقول أمادو، وقد التبس عليه الأمر، فالبلدان حينذاك، كانا على حال من الألفة والتآخي والأخوة في ظل الاحتلال العثماني وقد تعاون شعباهما على مقاومته. لا يفترق رضوان عن جميل حتى وإن تنقلا بين مدينتين هما إيتابونا المزدهرة وإيتاغواسو القرية الصغيرة، خلال عملهما التجاري الشعبي وفي الكاكاو. إلا أن جميل ينجح أكثر من رضوان، صاحب الشخصية الطريفة.

يتعرفان إلى التاجر إبراهيم جعفر وأسرته، ويصبحان على صداقة معه ومعها. أسرة لا تخلو من الطرافة أيضاً، وهي لم تتخلَّ عن تقاليدها السورية رغم ترسخها في الحياة البرازيلية وزواج بناتها من برازيليين. وأطرف ابنة من بنات إبراهيم الأربع، هي ادما، العانس، والغريبة الأطوار، العذراء العفيفة، النكدة والصعبة المزاج. تصبح ادما محط اهتمام الشخصيات الأخرى، حتى رضوان وجميل. ويسعى رضوان إلى إقناع جميل بالزواج من ادما، مغرياً إياه أنه بزواجه منها، يصبح شريكاً في المتجر المهم الذي يملكه والدها، وهو كان بدأ يتراجع في تجارته لا سيما بعد وفاة زوجته القديرة سلوى، ويحتاج إلى من يعينه في إدارة المتجر الذي يدر أرباحاً. إلا أن جميل لم يتمكن من تقبل بشاعة ادما، ولا عدائيتها التي كانت تمارسها حتى على أبيها وشقيقاتها الجميلات، ويصفها بـ"الحيزبون" ذات وجه كوجه الضفدع. لكن عينه كانت على شقيقاتها الجميلات اللواتي تفلّتن من أسْر والدتهن بعد رحيلها، وصرن يعشن وفق مزاجهن، خصوصاً الصغيرة فريدة التي تزوجت من موظف برازيلي لدى أبيها، بعد أربعة أشهر من حملها منه. كان جميل يراها مغرية جداً ويشبهها بـ"كعكة شهية". واللافت هنا أن معظم الرجال ينظرون إلى النسوة وكأنهن أجساد جميلة وشهوانية، مثلهن مثل الغانيات اللواتي يعاشروهن في البارات، ومنهن باولا الحولاء، وغلورينا ذات المؤخرة الذهبية وخوفي... من هنا تحفل الرواية بجو من الدعارة والسكر والليالي الحمراء التي يتشارك فيها البرازيليون والعرب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

غير أن الحظ يحالف في النهاية الشاب أديب بارود، الذي يعمل في البار الليلي، فيهجر خليلته بركوبيا، ويجد في ادما صفقة العمر تنقذه من فقره، وتجعله تاجراً يدير متجر إبراهيم جعفر. ويتمكن من ترويضها بالضرب حيناً وبإشباع جوعها الجنسي، فتلبث راضية.

لعل ما يميز هذه الرواية القصيرة هو اختلاط أجوائها بين الطابع البرازيلي وما يفترض من نمط حياة وسلوك وعلاقات، والطابع العربي المشرقي (السوري واللبناني خصوصاً) وما يتميز به من خصائص عربية ومشرقية. ويمكن القول إن الرواية هي برازيلية بمقدار ما هي عربية مشرقية، بل إن شخصياتها العربية تطغى على مثيلاتها البرازيلية. وما تجدر الإشارة إليه أن اللبنانيين والسوريين في الرواية، يعيشون معاً في منأى عن أي نزعة طائفية أو إقليمية، بل إن المسيحيين والمسلمين يختلطون بعضاً ببعض حتى ليذوبوا في بوتقة واحدة، فتضيع الحدود والهويات ولا يبقى إلا الإنسان الذي هو الأساس أولاً وأخيراً.

المزيد من ثقافة