Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يخشى مقتدى الصدر الانتخابات المبكرة في العراق؟

تتوقع أطراف سياسية لجوءه إلى خيارات تصعيدية للضغط على الحكومة

زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر (أ ف ب)

لا يزال ملف الانتخابات المبكرة في العراق يثير العديد من التساؤلات، تحديداً بعد قرار زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الانسحاب منها، الأمر الذي يدفع المراقبين إلى ترجيح إمكانية أن يحفّز التيار الصدري خيارات تصعيدية قبل موعدها المقرر في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

ويأتي قرار الصدر الانسحاب من الانتخابات بعد إعلان عدد كبير من الأحزاب المنبثقة من الانتفاضة العراقية مقاطعتها وعلى رأسها "حزب البيت الوطني"، فضلاً عن انضمام أحزاب أخرى إلى المقاطعة من بينها الحزب الشيوعي العراقي.

ويبدو أن جملة عوامل أسهمت في أن يتخذ زعيم التيار الصدري خياراً كهذا، إذ سعى الصدر خلال الأشهر الماضية إلى تحفيز الماكينة الانتخابية لتياره، من خلال إطلاق عدد من المبادرات التي يراها مراقبون محاولة لقياس ثقله في الشارع العراقي، تحديداً بعد انتفاضة أكتوبر 2019. 

"البنيان المرصوص" يكشف الأعداد الحقيقية

وكان الصدر قد أطلق مبادرة "البنيان المرصوص" في فبراير (شباط) 2021، والتي عمل التيار الصدري على تصوير أنها ستؤدي إلى تسجيل الملايين، إلا أن التقديرات الحالية لا تزال بعيدة جداً من هذا الرقم حتى بعد مرور أكثر من خمسة أشهر على انطلاقها، الأمر الذي يعطي انطباعاً عن تضاؤل تفاعل القاعدة الشعبية للتيار الصدري مع قياداته السياسية. 

وفي السياق نفسه، يستدل مراقبون أيضاً بدعوة الصدر أتباعه إلى التطعيم ضد فيروس كورونا، التي لم تقابل هي الأخرى بتفاعل كبير، خصوصاً مع عدم تسجيل زيادة ملحوظة في نسب الملقحين تحديداً في مناطق نفوذه. 

ويبدو أن جملة العوامل تلك بالإضافة إلى الضغوط التي تمارسها التيارات الموالية لإيران على الصدر، كانت الدوافع الرئيسة خلف اتخاذ خيار الانسحاب من الانتخابات المقبلة. 

وقال الصدر في بيان الانسحاب الذي بثه التلفزيون الرسمي، في 15 يوليو (تموز) الحالي، إنه "حفاظاً على ما تبقى من الوطن وإنقاذاً للوطن الذي أحرقه الفاسدون وما زالوا يحرقونه، أعلمكم أنني لن أشترك في هذه الانتخابات"، مضيفاً أن "الوطن أهم من كل ذلك، وأعلن عن سحب يدي من كل المنتمين لهذه الحكومة الحالية واللاحقة، وإن كانوا يدعون الانتماء لنا آل الصدر".

ودعا الصدر إلى "الانتباه، قبل أن يكون مصير العراق كمصير سوريا أو أفغانستان أو غيرهما من الدول، التي وقعت ضحية السياسات الداخلية والإقليمية والدولية، فعراقنا عراق المقدسات والحضارة والإباء".

ويظهر الشريط المصور أعلام الفصيلين المسلحين الرئيسين اللذين يمتلكهما التيار الصدري وهما "لواء اليوم الموعود" و"سرايا السلام"، ما عده مراقبون رسالة تصعيدية للأطراف السياسية والمسلحة.

ويأتي إعلان الصدر هذا بعد موجة غضب شعبية عقب حادثة احتراق مستشفى الحسين في مدينة الناصرية، التي راح ضحيتها العشرات.

افتقار للدعاية الانتخابية 

وتتباين آراء المراقبين بشأن جدية خطوة الصدر، إذ يرى فريق أنها تمثل محاولة للضغط على الحكومة لتأجيل الانتخابات عن موعدها المقرر، فيما يرى فريق آخر أنها تأتي أيضاً ضمن محاولات تحفيز جمهور التيار الصدري للتفاعل بشكل أكبر مع ملف الانتخابات. 

ويرى الباحث في الشأن السياسي أحمد الياسري، أن الفاعل الرئيس في دفع التيار الصدري إلى الانسحاب هي "متغيرات ما بعد انتفاضة أكتوبر"، لافتاً إلى أنها "أدت إلى حدوث تصدعات ملحوظة في القاعدة الشعبية للتيار الصدري".

ويوضح الياسري في حديث لـ"اندبندنت عربية"، أن غاية الصدر من إعلان الانسحاب هي "السعي لتأجيل الانتخابات المقبلة". 

ويبدو الإشكال الرئيس الذي يواجه التيار الصدري في المرحلة الحالية، متمثلاً بـ"عدم امتلاكه أدوات الدعاية الانتخابية"، كما يعبر الياسري، الذي يشير إلى أنه "بات يواجه مشكلة كبيرة في الترويج لقوائمه بشكل مقنع لجمهوره، وهذا الأمر قد يدفعه إلى تحفيز احتجاجات خلال الفترة القليلة المقبلة". 

ويعتقد الياسري أن اتخاذ خيار الانسحاب يمثل محاولة أيضاً لـ"إعادة هيكلة التيار الصدري الذي تعرض إلى هزات داخلية"، مبيناً أن "تجربة البنيان المرصوص وعدم التفاعل معها بشكل واسع من قبل الجمهور الصدري كانت الحاسمة في اتخاذ هذا الموقف".

رسالة إلى المجتمع الدولي

يبدو أن خطوات الصدر الأخيرة لا تقتصر على إرسال رسائل إلى الفاعلين السياسيين في الداخل العراقي، إذ يرى مراقبون أنها ربما تمثل رسالة إلى المجتمع الدولي تتعلق بـ"انسحاب طرف من أطراف النزاع مع التيارات الموالية لإيران". 

وإضافة إلى العوامل الداخلية، يبدو أن التيار الصدري بات يسعى إلى "تصوير نفسه للمجتمع الدولي على أنه أحد أبرز كوابح التيارات الولائية في العراق"، كما يشير الياسري. 

ومن بين المخاوف التي يواجهها التيار الصدري بخصوص الانتخابات ما يتعلق بـ"المناصب العليا التي تمكن من حصدها خلال الفترة الماضية"، إذ يلفت الياسري إلى أن "عدم حصول التيار الصدري على عدد مقاعد كبير سيؤدي إلى خسارته مناصب مهمة من بينها الأمانة العامة لمجلس الوزراء، فضلاً عن وزارات مهمة ومناصب وسطية".

تصعيد متوقع

يقول مصدر سياسي رفيع لـ"اندبندنت عربية" إن مخاوف الأطراف السياسية في العراق تتعلق بـ"إمكانية أن يستخدم الصدر طبقاته الشعبية في إثارة تصعيد كبير يرغم الحكومة على تأجيل الانتخابات عن موعدها"، مبيناً أن "التسريبات تشير إلى أن شهر أغسطس (آب) المقبل سيكون موعداً لهذا الحراك". 

وعلى الرغم من تأكيد زعيم التيار الصدري انسحابه من الانتخابات المقبلة، فإن المصدر أكد "بدء التيار الصدري طباعة ملصقات الدعاية الانتخابية". 

وإضافة إلى الحديث عن تضاؤل القواعد الشعبية للتيار الصدري، يشير المصدر إلى أن أحد الأسباب الأخرى للانسحاب، "ترتبط بالضغوط الإيرانية والميليشيات المسلحة الموالية لها"، إذ يكشف المصدر أن "الصدر يحمل تلك الأطراف مسؤولية الحرائق التي طاولت مستشفيات في الفترة الأخيرة لتحميله المسؤولية أمام جمهوره لزيادة التصدعات في تياره".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولعل ما يدفع الصدر إلى احتمالية تحفيز تياره على إقامة احتجاجات في الفترة المقبلة، بحسب المصدر، هو "عدم تفاعل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي مع انسحابه، الأمر الذي قد يدفعه إلى محاولة التصعيد لإرغامه على التأجيل". 

ويختم المصدر، "في حال فشل مساعي التأجيل سيرضخ الصدر إلى الانتخابات ولن ينسحب في جميع الأحوال".

حسابات خاسرة

وكان الصدر قد أكد في أبريل (نيسان) الماضي عزمه على الحصول على رئاسة الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، في حين روجت منصات تابعة للتيار الصدري وسم "إلا مئة" في إشارة إلى مراهنة التيار الصدري الحصول على مئة مقعد خلال الانتخابات المبكرة. 

ومع بداية العد التنازلي لموعد الانتخابات المقبلة، يبدو أن كل تلك الوسائل قد اصطدمت بواقع مغاير.

ويقول الكاتب والصحافي العراقي محمد عزيز إن "التقديرات الأولية التي تشير إلى تراجع شعبية التيار الصدري وتراجع المقاعد التي قد يحصل عليها في الانتخابات المقبلة، هي التي دفعت الصدر إلى إعلان الانسحاب، بصرف النظر عما إذا كان قراراً حقيقياً أم مناورة سيتراجع عنها كما تعود في السابق". 

ويضيف عزيز لـ"اندبندنت عربية"، أن "الصدر تعرض للتضليل من قبل قيادات تياره التي كانت تبالغ في حجم قاعدته الشعبية"، مبيناً أن قادة التيار "أوهموه على أنه قادر على حصد 100 مقعد، ودفعوه إلى معاداة متظاهري أكتوبر ومعارضي النفوذ الإيراني، بحجة أنها خطوات ستجلب المزيد من الشعبية له، إلا أن ما حصل كان العكس".

وتواترت تسريبات خلال الأيام الماضية تتحدث عن أن قرار الصدر بالعدول عن المشاركة في الانتخابات أتى بعد أن أبلغه المشرف على الهيئة السياسية للتيار الصدري وليد الكريماوي والمشرفون على الماكينة الانتخابية بأنه لن يحصل على أكثر من 30 مقعداً. 

وتعطي تلك التسريبات تصورات على أن فوز التيار الصدري في الانتخابات الماضية كان بسبب أصوات المدنيين العراقيين الذين شكلوا نواة انتفاضة أكتوبر 2019.

ويعتقد عزيز أن المعطيات الحالية تشير إلى أن تحقيق تحالف "سائرون" أكثر من 50 مقعداً برلمانياً في الانتخابات السابقة، كان بسبب الدعم الكبير الذي حصل عليه الصدر من المجتمع المدني، مؤكداً أن "المؤشرات الحالية تثبت صحة تلك الفرضية".

ويتابع أن "العداء الذي نصبه التيار الصدري للمجتمع المدني تسبب بخسائر فادحة، فضلاً عن أن مراهنة التيار على استرضاء الأجواء الإيرانية كانت خاطئة، لأنهم عادوا لمهاجمة الصدر في الفترة الأخيرة".

ويختم أن "كل الحسابات التي أجراها الصدر بدءاً من عام 2018 مروراً بالموقف من تظاهرات أكتوبر وصولاً إلى ما قبل قراره الانسحاب من الانتخابات كانت خاطئة وتسببت في النهاية إلى اتخاذ قرار كهذا". 

"القاعدة الجماهيرية الأكبر"

في المقابل، قال النائب في البرلمان العراقي عن تحالف "سائرون"، جواد الموسوي، إن "ما يقال عن أن انسحابنا من الانتخابات المقبلة جاء بسبب تضاؤل شعبية التيار الصدري في الشارع ليس صحيحاً"، مبيناً أن "توقعات التيار الصدري لما كان يمكن أن يحظى به بعد الانتخابات المقبلة كانت في أوج عظمتها".

وأضاف، "من المتعارف عليه أن مقاعد التيار الصدري تزداد في كل دورة عن تلك التي تليها، وبعد أن قاربنا على الوصول إلى 60 مقعداً في الانتخابات الماضية، كنا نتوقع أن نحصل على عدد مقاعد بين 80 و100 في الانتخابات المقبلة". 

ولعل إعلان التيار الصدري عن عزمه الحصول على رئاسة الوزراء "كان السبب الرئيس وراء الاستهدافات التي تعرض لها"، بحسب الموسوي الذي أكد أن "التيار الصدري ما زال يمتلك القاعدة الجماهيرية الأكبر في العراق".

وتابع أن "وضوح رؤية التيار الصدري بما يتعلق بالانتخابات المقبلة وقوته الجماهيرية وعزمه على الحصول على رئاسة الوزراء لم تقابل بمساندة من التيارات الشيعية الأخرى، بل على العكس قوبلت بمحاولات تسقيط كبيرة وتشويه للحقائق وكيل للاتهامات".

وأكد الموسوي أن انسحاب التيار الصدري كان لأسباب عدة، أبرزها "الاستهدافات الكبيرة التي يتعرض لها التيار من قبل خصومه، وسعي بعض الأطراف إلى إحراق البلاد، فضلاً عن أن رؤيتنا للانتخابات المقبلة هي أنها لن تحقق مصلحة العراقيين والمتظاهرين". 

ونفى الموسوي أن تكون خطوة التيار الصدري بالانسحاب تهدف إلى الدفع نحو تأجيل الانتخابات، مبيناً أن الإشكالية ترتبط بكون "الانتخابات المقبلة ستنتج ذات العملية السياسية، خصوصاً مع استمرار سيطرة الأحزاب الكبيرة على الساحة العراقية ونسبة العزوف الكبيرة". 

ومن المقرّر إجراء الانتخابات البرلمانية المبكرة في العراق، في 10 أكتوبر 2021، بمشاركة 110 أحزاب سياسية و22 تحالفاً انتخابياً، إلا أنها لا تزال تواجه العديد من العقبات التي تهدد إقامتها.

المزيد من تقارير