Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صمويل مورس... أخفق في تجاربه الفنية فاخترح شفرة التلغرف

ممارسات علمية بالصدفة والحلم الأميركي يتحقق من دون جهد يذكر

مشهد من داخل متحف اللوفر من رسم مورس (موقع وورستر آرت ميوزيوم)

يتذكر الذين شاهدوا، وأحبوا، الفيلم الكوري "بارازيت" الذي أدهش العالم بنيله السعفة الذهبية في مهرجان "كان" السينمائي قبل سنوات قليلة، كيف توصّل مخرجه وكاتبه إلى خاتمة مبتكرة وبديعة له فحواها استخدام شفرة "مورس" اللاسلكية للتواصل بين أب احتجز في قبو فيلا فخمة إثر جريمة ارتكبها واقتضت منه الاختباء، وابنه الذي اكتشف وجوده من خلال تلك الشفرة. ولم يكن ذلك هو الاستخدام السينمائي الأول للشفرة الشهيرة لإنقاذ التواصل بين كائنين فهي غالباً ما تستخدم، لا سيما من قبل من يكونون أصلاً في فرق الكشافة وتكون من أول ما يتعلمونه وخير ما ينقذهم في الملمات.

رابط بين أوروبا وأميركا

ولكن نادراً ما عرف الناس حتى ولو كانوا من مستخدمي "مورس" المواظبين حكاية هذه الوسيلة التي قد تبدو اليوم بسيطة لكنها كانت أشبه بأعجوبة صغيرة حين اكتشفت أو حتى اختُرعت خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر. ولعل كثراً من الناس على أية حال يعرفون أن ذلك الاكتشاف قد سمي باسم "شفرة مورس" على اسم مخترعه الأميركي صموئيل مورس، لكن قلة من بين هؤلاء تعرف أن في تلك التسمية ظلماً لعدد لا بأس به من علماء ومخترعين تضافروا عند تلك المرحلة على إنجاز ذلك الاختراع حيث أن مورس لم يكن وحده. كان بالأحرى الرابط الذي من خلال تجوالاته بين القارة الأميركية والقارة الأوروبية جمع العديد من الجهود ليصل إلى النتيجة وحاله في هذا ربما تكون أشبه بحال كريستوف كولومبوس ولكن بشكل معكوس، حيث أن القارة الأميركية سميت باسم غير اسمه مع أنه كان هو من اكتشفها لا أميريكو فيسبوتشي الذي دخل التاريخ بوصفه المكتشف. حسناً، بالنسبة إلى مورس، حصل ما هو عكس هذا تماماً، وربما لأن مورس كان صاحب الاسم الأشهر من بين نصف دزينة وأكثر من علماء تضافرت جهودهم لاختراع الشفرة. لكن الطريف أن شهرته لم تنتج من كونه عالماً أو مخترعاً، أول الأمر، بل عن كونه رساماً. والحقيقة أننا إن كنا نتحدث عنه هنا فلكونه رساماً، لا لكونه مخترعاً، وبهذا ليتيقن القارئ أننا لن نخرج عن دائرة اهتماماتنا الفنية والفكرية والأدبية إذ نتحدث عن صمويل مورس.

بين الرسم والعلم

فبالنسبة إلينا هنا صمويل مورس (1791 – 1872) فنان ورسام أكثر مما هو مخترع، حتى وإن كان قد حقق نجاحات وأرباحاً من كونه مخترعاً بأكثر كثيراً مما فعل لكونه رساماْ. وحتى لئن كان معظم الذين يعرفون اسمه وانجازاته العلمية يجهلون شغفه الفني الذي جعل اسمه معروفاً ولو على نطاق أميركي وأوروبي ضيق قبل ولادة شفرة مورس بسنوات طويلة. ولعل من شأننا أن نبدأ حديثنا عن مورس هنا من واحدة من الرحلات التي قام بها على متن سفينة تمخر المحيط الأطلسي عائدة به إلى بلاده. يومها كان يختتم جولة أوروبية قادته إلى بعض عواصم الفن في القارة العتيقة مثل باريس وأمستردام وروما ولندن. وكانت غايته من الرحلة أن يعزز مواهبه الفنية بثقافة إضافية تحدث النقاد عن ضرورة أن يكتسبها كي يخطو بفنه خطوات إلى الأمام. كان مورس حينذاك يخطو نحو عامه الخامس والثلاثين وقد سبق له أن شارك في عدد من المعارض في نيويورك وغيرها مركزاً بشكل أساسي على رسم البورتريه. بل إنه إلى ذلك كان مهتماً بنشر الشغف بالفنون في بلاده، ومن هنا سعى إلى تأسيس "أكاديمية التصميم الوطنية" التي لا شك أنها لعبت دوراً كبيراً في تنمية الفنون الأميركية. لكن مشكلة مورس كانت تكمن في أنه لم يتمكن كثيراً من إقناع الجمهور الأميركي بالفن التاريخي الذي كان يمارسه. وإذ تضافرت خيبته في ذلك المجال مع ألمه الشديد لفقده والديه وامرأته خلال عدد قليل من السنين، توجه من جديد إلى أوروبا عام 1829 حيث وجد العزاء في ارتباطه بصداقة مع الكاتب جيمس فينيمور كوبر كما في زيارة المتاحف الكبرى.

سفينة بدلت حياته

وهكذا إذ نلتقطه هنا وهو عائد من تلك الرحلة الأوروبية قلقاً على مصيره الفني، سيحدث له أن يخوض نقاشات على متن السفينة مع عدد من العلماء الشبان. والمحور: النبضات الكهربائية وكيفية الاستفادة منها. فمن الواضح أن أياْ من أولئك الشبان لم تكن له اهتمامات مورس الفنية، بالتالي كيّف نفسه مع الجو وإذا به يكشف، لنفسه قبل الآخرين، عن ميول علمية لديه لم يكن يعتقد حيازته لها. ومن خلال تلك الجلسات العلمية راحت تتكون لديه فكرة مدهشة: لم لا يمكننا أن نربط تلك الشفرة التواصلية التي كانت موجودة منذ فترة وتستخدم في فرق الكشافة يدوياً للتواصل من بعيد، بالنبض الكهربائي؟. هكذا ما إن وصل صاحبنا إلى نيويورك حتى بات على يقين من أن قلبة أساسية حدثت في حياته.

ونجحت التجربة

صحيح أنه لم يتخل عن مساره الفني بل راح يرسم أكثر وأكثر وهو على حماسة لم يسبق أن شعر بمثلها من قبل في حياته. لكن تفكيره كان قد انصبّ على تلك الفكرة الجديدة التي راحت تنبض في ثنايا دماغه. ولم يكن بحاجة لأكثر من خطوة واحدة حتى يتحول من رسام إلى مخترع. وهي خطوة قطعها، ليجد نفسه يقدم على اختراعين مترابطين في آن معاً: الشفرة المنقولة من طريق النبض الكهربائي من ناحية والتلغراف من ناحية أخرى... ولئن كان قد وجد بعض الصعوبات أول الأمر في تحقيق اختراعيه وتعميمهما، فإنه ما لبث أن تمكن من جعل الكونغرس يتبنى فكرته ويعهد إليه بالقيام بتجربة أولى على خط واشنطن - بالتيمور. ونجحت التجربة وكانت العبارة الأولى التي نقلتها شفرة مورس تلغرافياً: "يا لها من أعجوبة إضافية تلك التي اخترعها الإله!".

غزو لفن التصوير أيضاً

والحقيقة أن نجاح مورس العلمي هذا، كان قد جعله يرغب في التخلي عن الرسم، لكن اسمه كان قد بات من الشهرة بحيث أن تسعير لوحاته التي سبق أن رسمها، ارتفع ارتفاعاً جنونياً ما إن عرف الهواة أن المخترع صمويل مورس هو نفسه الرسام صمويل مورس. وهكذا من باب المذهب النفعي الأميركي الشهير وليس من باب الشغف الفني هذه المرة، عاد مورس ليهتم بالرسم وتحديداً برسم البورتريهات التاريخية التي تعززت سوقها وراح رسامها يطالَب بأن ينسخها ويعيد نسخها مقابل مبالغ مرتفعة ناهيك بأن المتاحف الكبرى راحت تتزاحم على شراء ما هو متوافر من أعماله في السوق. والحقيقة أن هذا الإقبال سيقود مورس خلال زيارة تالية، زيارة أعمال هذه المرة، سيقوم بها إلى باريس، إلى الالتقاء بالمخترع الفرنسي داغير الذي كان قد أحدث ثورة جديدة في عالم التصوير الفوتوغرافي لينشئ معه شراكة مربحة للاثنين فكان مورس إلى رسمه الذي بات مربحاً وإنجازه غير المتوقع في عالم التلغراف، واحداً من أوائل الذين أدخلوا ذلك النمط التصويري الفوتوغرافي الذي عرف باسم داغيروتيب إلى أميركا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ابن القسيس والحلم الأميركي

وعلى هذا النحو وتحقيقاً، ربما كان غير مقصود أول الأمر، للحلم الأميركي الشهير، تمكن ابن القسيس، فمورس كان في الأصل ابن قسيس من تشارلستاون، ماساتشوستس، من أن يحقق ليس فقط ثروة ضخمة بفضل نباهته وفضوله، ولعبة الحظ التي عرف كيف بستفيد منها إلى أبعد الحدود، بل كذلك حضوراً كبيراً في التاريخ، ولكن ليس طبعاً كرسام كبير بل كمخترع "فهلوي" ورسام عرفت "عاديته" كيف تضعه في مصاف الكبار بلوحات ما كان يمكنها أن تلفت الأنظار لولا تضخّم اسمه. إذ يروى أن لافاييت، المشارك الفرنسي في الثورة الأميركية لم يكن من شأنه أن يرضى عن أي من البورتريهات التي رسمها مورس له تكريماْ وكنوع من رد الجميل، لكن تلك البورتريهات تحتل اليوم أمكنة مرموقة في أكبر المتاحف الأميركية حيث لا ينسى مسؤولو المتاحف إخبار الزوار بأنها لوحات للافاييت رسمها مخترع شفرة مورس!

المزيد من ثقافة