Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل ما يحصل في تونس أبعد من "إجراءات استثنائية"؟

تباينت المواقف من القرارات بين تخوف من استبداد جديد وارتياح لهزة تحتاجها البلاد بعد حال الجمود السياسي واستشراء الفساد

قيس سعيد أكد حرصه على احترام الشرعية والحقوق والحريات (أ ف ب)

شكلت القرارات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس التونسي، قيس سعيد، صدمة للطبقة السياسية التي سارع الشق الحاكم منها إلى إدانتها ووصفها بـ "الانقلاب" على الدستور، بينما تريث شق من السياسيين من أجل استجلاء الموقف، في حين أعلنت أحزاب معارِضة ومقربة من توجهات قيس سعيد السياسية موقفها المساند للإجراءات الاستثنائية، محملين حكومة هشام المشيشي والحزام السياسي المساند لها المسؤولية في تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.

بين المساندة والتخوف

وانقسمت المواقف السياسية من تلك التدابير بين من يرى أنها "انقلاب" وتوجه صريح نحو "الديكتاتورية"، بخاصة بعد أن استفرد سعيد بجميع السلطات، وبين من قلل من تلك التخوفات، مبرراً ما تم اتخاذه من قرارات استثنائية بالتدهور غير المسبوق للوضع الصحي بسبب تفشي فيروس كورونا وحالة الركود الاقتصادي وتنامي الاحتقان الاجتماعي، علاوة على انسداد أفق الحوار بين مؤسسات الحكم في تونس (رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان).

فهل تؤشر قرارات سعيد الاستثنائية، إلى توجه نحو ديكتاتورية جديدة في تونس؟ وما مصير المسار الديمقراطي الذي أنتج مؤسسات منتخبة وهيئات دستورية مستقلة؟

فاجأت قرارات 25 يوليو (تموز) جميع التونسيين الذين انتقلوا من حال الاحتقان والغضب على الحكومة والبرلمان خلال النهار إلى حال من البهجة والاحتفال في الليل، مباشرة إثر إعلان القرارات الاستثنائية المتمثلة في إقالة الحكومة وتجميد عمل البرلمان.

وتباينت المواقف من القرارات بين تخوف من استبداد جديد، وارتياح لهزة تحتاجها البلاد بعد حال الجمود السياسي واستشراء الفساد.

رجل ديمقراطي

رئيس منتدى ابن رشد للدراسات، كمال بن يونس، أكد في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أن الرئيس قيس سعيد "رجل ديمقراطي، يؤمن بالقانون والمؤسسات، إلا أنه كان دائماً ينتقد المنظومة السياسية التي تحكم تونس منذ 60 عاماً، كما ينقد المنظومة التي استلمت الحكم بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي، ويحمل النخب السياسية مسؤولية فشل الانتقال الديمقراطي في تونس". 

ويضيف أن الرئيس ليس له أي حزب سياسي، وحاول التعاون في البداية مع عدة أطراف سياسية، إلا أنها تنكرت له، وحاولت أن تعزله، فانتقل إلى مرحلة جديدة بإعلانه تفعيل الفصل 80 من الدستور، إثر تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والسياسية في البلاد. 

حوار سياسي وانتخابات مبكرة

ورجح رئيس منتدى ابن رشد للدراسات إمكانية أن يدفع سعيد باتجاه حوار سياسي، لن ينتج بالضرورة نفس المشهد السياسي الحالي، كما سيعمل على إيجاد توافقات جديدة لتعديل الدستور وتغيير القانون الانتخابي وعرضه على الاستفتاء، وقد يتم تنظيم انتخابات برلمانية بعد ستة أشهر أو سنة، في إطار الحوار السياسي أو الوساطات التي تقوم بها عدة عواصم عربية لاستئناف البرلمان المنتخب لأعماله. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف بن يونس أن سعيد سيدعم  صلاحيات رئيس الجمهورية، وهو الذي يؤمن بأن تهميش دور رئاسة الجمهورية هو خطأ في دستور 2014، مشدداً على أهمية التوازن بين السلطات، ومشيراً إلى أن الدستور فيه تناقض، لأنه يعطي صلاحيات واسعة للبرلمان المنتخب من الشعب، بينما يقلص بشكل كبير صلاحيات رئيس الجمهورية، وهو المنتخب أيضاً مباشرة من الشعب، بينما منحه الدستور صلاحية مهمة، وهي الإشراف على الأمن القومي والسياسة الخارجية وقيادة القوات المسلحة.

في هذه الأثناء، يرى كمال بن يونس، أن ما حدث في تونس ليس انقلاباً، لأن الانقلاب ينتج منه تعطيل كامل للدستور، وللمؤسسات المنتخبة، ويؤدي إلى تسليم السلطة للجيش، واصفاً ما جرى بالمنعرج والتأويل لفصل من الدستور.

ورجح بن يونس، أن يتواصل تجميد البرلمان، لأكثر من شهر، لافتاً إلى أن دوره سيكون مستقبلاً ثانوياً في ظل تجميع السلطة في يد رئيس الجمهورية.

انقلاب على الدستور

في المقابل، يصف الصحافي المتخصص في الشأن السياسي المحلي، زياد الهاني، في تصريح خاص، أن ما حدث هو انقلاب على الدستور، لأن الفصل 80 منه، واضح وينص على ضرورة التشاور مع رأسي السلطة (البرلمان والحكومة) قبل اتخاذ الإجراءات الاستثنائية، كما ينص الفصل ذاته على أن البرلمان يبقى في حالة انعقاد هو ما لم يحصل، مضيفاً أن الحكومة تواصل عملها، ولا يمكن إصدار لائحة لوم ضدها ورئيس الجمهورية لم يحترم الدستور وتجاوز صلاحياته بعزل رئيس الحكومة التي هي من صلاحيات البرلمان.

وشدد الهاني على أن الطبقة السياسية تتحمل مسؤولية هذا الوضع، معتبراً أن الحكومة فشلت فشلاً ذريعاً في التعاطي مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والصحية في تونس، وأن التونسيين سئموا أداء الطبقة السياسية، وجعلتهم يرحبون بالقرارات الاستثنائية، التي أعلنها سعيد حتى وإن كانت مخالفة للدستور. 

عودة الاستبداد 

وأعرب زياد الهاني، عن خشيته من أن تؤدي تلك الإجراءات إلى عودة الاستبداد، بخاصة بعد التجاوزات الخطيرة عند إغلاق مكتب قناة الجزيرة في تونس، من قبل قوات الأمن معتبراً ذلك انتهاكاً خطيراً، لافتاً إلى أن الجهة الوحيدة التي خولها القانون لغلق المؤسسات الإعلامية، هي الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري. 

ووصف الهاني انتشار وحدات الجيش حول البرلمان، ومنع رئيس البرلمان والنواب، من دخوله بالمخالفة الخطيرة.

 ويشار إلى أن الرئاسة التونسية، أعلنت يوم الثلاثاء 27 يوليو 2021، أن قيس سعيد "أكد حرصه على احترام الشرعية والحقوق والحريات، وأشار إلى أن الإجراءات التي اتخذت تندرج في إطار تطبيق الفصل 80 من الدستور لحماية المؤسسات الدستورية، وحماية الدولة وتحقيق السلم الاجتماعي"، وذلك خلال مكالمة مع وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية، أنتوني بلينكن.

وحدها الأيام المقبلة ستكشف حقيقة نوايا الرئيس التونسي في المحافظة على المكاسب التي تحققت في البلاد بعد 2011، أو التراجع عنها، والتوجه نحو ديكتاتورية ناشئة، عبر جعل الأولوية معالجة تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية مقابل التراجع عن مكاسب الحريات. 

المزيد من تقارير