Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المصرية سعاد سليمان تروي خيبات النساء في الحب

"هبات ساخنة" بين السيرة الذاتية وتحولات ميدان التحرير

لوحة للرسام المصري علاء عوض (صفحة الرسام على فيسبوك)

المتابع لأعمال الكاتبة المصرية سعاد سليمان، يدرك اقترابها من نمط "السيرة الذاتية"، أو ما يمكن أن نسميه "أدب الاعتراف" الذي تكشف فيه الكاتبة عن أسرارها الشخصية والعائلية، وذلك منذ مجموعتها الأولى "هكذا ببساطة"، مروراً بمجموعاتها القصصية "الراقص"، و"شال أحمر يحمل خطيئة"، بالإضافة إلى روايتيها "غير المباح"، و"آخر المحظيات". والجرأة الملحوظة في أعمالها تبلغ أقصى درجاتها في روايتها الأحدث؛ "هبّات ساخنة" (روافد)، وهي تحكي بضمير المتكلم من خلال وضعية الراوي الداخلي المشارك في الأحداث بصورة رئيسة، معاناة امرأة بلغت "سن اليأس"... "عقلي توقف. يستقبل ذلك الصهد الساخن الذي يخرج من أذني. تنغلق رئتاي، كأنني أخرج آخر أنفاسي، أطلق زفيراً متلاحقاً، أصلى سعيراً. عروق رقبتي تنفر. يكفهر وجهي. تنوء قدماي بحملي...".

ومن الواضح توظيف الكاتبة لبنية الجمل الفعلية القصيرة المتتابعة لتصوير حالة الانهيار السريع التي تصل إليها. إننا أمام ساردة تعي ما أصابها ولا تؤمن بأن لكل سن جماله، وتدخل في حجاج "أسلوبي"، تهيمن عليه الجمل الإنشائية الاستفهامية مع من يبررون واقعهم. وهكذا تتولى الأسئلة الجارحة من قبيل، "ما الجمال في أن يتساقط شعري، وتسكن الهشاشة عظامي، وتمرح الخشونة بمفاصلي؟ ما الممتع في سن أتحول فيها إلى ربع امرأة؟". وهو الأمر الذي يدفعها إلى التفكير في إنهاء حياتها، لكنها تستعيد حبها للحياة وقدرتها على مواجهة صعابها التي اعتادتها منذ حرمانها من الرجل الذي أحبته، وكأننا أمام قدر لا يلاحق الساردة فحسب، بل يلاحق المرأة عامة... "هل نحن فعلاً كما تقول أمي، كل ما فينا أوجاع، بداية من الختان، آلام الدورة الشهرية، ألم أول عملية جنسية، حمل، ولادة، رضاعة، بؤس انقطاع الدورة؟".

تقنية المرايا

إن الوصول لحالة "المونويوز" – توقف الطمث – وبلوغ مرحلة اليأس يفقد الساردة رغباتها، وهو ما يصنع مفارقة مع رغباتها التي لازمتها منذ بلوغها الخامسة عشرة، حيث كانت تعيش "برغبة عارمة، أقل كلمة حب، لمسة دافئة، مشهد عاطفي، غمزة عين، رنة صوت محبب، رائحة عطر، تثير شهوتي". إننا أمام امرأة لا تعاني فقط بلوغها سن اليأس، بل من حرمانها من الإنجاب بسبب حبوب منع الحمل التي كان زوجها الطبيب يقدمها لها دون علمها بحقيقتها. ولا تحكي الرواية قصة الساردة وحدها، بل تزخر بعديد من النساء اللائي يعانين القهر الذكوري الموازي لقهر السلطة. يلتقين في أحد مخافر الشرطة، حيث يتم تعذيب إحداهن، غير أنها لا تنكسر، وتظل على موقفها المبدئي العنيد. إننا أمام ما يمكن أن نسميه تقنية المرايا المتقابلة حين تصبح كل شخصية مرآة للأخرى. وفي كثير من المواضع يتحولن إلى شخصية "اعتبارية"؛ واحدة تكون موضع تقييم أم الساردة "بزادة هانم" التي تراهن جيلاً معذباً ضائعاً... ترد الساردة على سؤال صديقتها "شيرين" عن حالتها، "الحمد لله، زي ما انتي شايفة. هموت مهبوبة أو مهبّبة مافيش فرق". تقول هذا بينما كانت تلتقط أنفاسها بصعوبة، حيث الإشارة المعتادة للدخول في هبّة جديدة.

ومن الواضح أن الكاتبة تزاوج – من خلال الشواهد السابقة – بين الفصحى والعامية المصرية، ما أعطى السرد حيويته وتدفقه وحقق – بالإضافة إلى تعدد الأصوات الداخلية – ما يعرف بالطبيعة "البولوفونية".

توالد الحكايات

تعاني "سلمى"؛ الساردة، إحباطها العاطفي وفقدانها الحياة الطبيعية مع من تحب، وهو "آدم" الذي فرض عليه أبوه الزواج من أخرى، لكن ذكراه ظلت حاضرة تحاصرها في اليقظة والحلم، على الرغم من زواجها من "أنور" الذي تفانى في حبها ومات وهو في حضنها، ولم يكن أمامها سوى الارتباط "العرفي" بـ"آدم"، والذي لم يستمر طويلاً، فتتزوج طبيب النساء "أمير"، الذي تقول – رداً على اتهامه لها بالعقم والبرودة، "ظللت أشعر بأني امرأة منبوذة طوال سنوات زواجي. يمر طيف آدم برأسي. يقشعر بدني. كيف أكون باردة وآدم يقول: تلسعني سخونتك يا سلمى".

وتشير الساردة إلى أصل ابتلائها بحب "آدم"، فترى أن فكرة "نقاء الدم" التي سيطرت على والده هي السبب في ذلك. تقول موضحة مبررات "آدم" في التضحية، "في البداية العائلة، ونقاء الدم، ثم المحافظة على نسل الأشراف، وكأنني من صنف أدنى طالما لا أملك ورقة يحصلون عليها من نقابة تصنف الناس بين شريف ونجس".

والرواية تقوم على توالد الحكايات، فبالإضافة إلى حكاية "سلمى"، نجد حكاية "سماهر" الفنانة التشكيلية المحبطة والمتمردة في آنٍ، ما جعلها تترك عملها الأكاديمي وتجابه صرامة أبيها الدبلوماسي، وتهاجر إلى فرنسا، لتتزوج هناك من "أليكس"، لكنها سرعان ما تكتشف أن زوجها الوسيم يقدم جسده للنساء الراغبات في متعة مدفوعة الثمن، فلم تُطق الحياة معه وتعود إلى مصر.

بين ثورتين

هناك إذاً رغبة في عولمة قضايا المرأة عبر إبراز تنافر الثقافتين الشرقية والغربية، وهو ما يتوازى مع ما حكته والدة الساردة حول زوجة "علي فهمي" الفرنسية التي قتلته، وحصل لها محاميها على البراءة، ما أعطاها الحق في أن ترث أموال قتيلها. ومن الحكايات المأساوية في الرواية أيضاً، حكاية "سلطانة"؛ عاشقة السينما التسجيلية، والتي أصبحت "بقايا جثة تتنفس بصعوبة على كرسي متحرك" بعد إنجابها من "إسحاق داوود"؛ حفيد "إيزاك ديكسون"، مصمم الرقصات في أفلام الأبيض والأسود الذي أتهم – بعد ثورة 1952 – بالجاسوسية والهروب إلى إسرائيل، وهو ما نفاه الحفيد الذي عاد إلى مصر مع ثورة 2011 التي تشغل أحداثها مساحة كبيرة من الرواية. تقول "لوليتا" – إحدى صديقات الساردة – "اهدوا يا جماعة، أيام الثورة دي موش هتتكرر في حياة مصر، واحنا أول مرة نكون صناع حدث بالروعة دي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهكذا، يمتزج الخاص بالعام وتصبح الثورة كأنها شأن شخصي تنسى فيه هؤلاء النساء آلامهن ومعاناتهن. تقول "سلمى"، "ستة أشهر مرّت على طلاقي من آدم. لم ألمحه حتى صدفة. في الميدان طوال الـ18 يوماً (التي سبقت تنحية حسني مبارك) كنت أراه معظم الأحيان. ننظر بعضاً لبعض من بعيد. لم أفكر في الاقتراب. كنت مكتفية بحالة الزخم التي تملأ الميدان وبجمال مصر وهي تتغير. هكذا تخيلت". لقد أخذها الهم العام أو الحب الأكبر للثورة عن حبها لآدم الذي لم تفكر في مجرد الاقتراب منه وأصبحت مشاعرها إزاءه فاترة، بل إن هذا الحدث الكبير يغير من طبيعة الشخصيات ويجعل من "سيناء" مثلاً شخصية قادرة على مواجهة "أرتال من المصفحات". وتلفتنا الكاتبة إلى ذلك التآلف المصري بين المسيحيين والمسلمين خلال الحدث نفسه... "اختفت مريم. عرفت أنها تزوجت أحمد سامي. هو مدرس ثانوي مطلق. لديه ولد وحيد يعيش مع أمه. احترم دينها. كانت تقدر له هذه اللفتة. يذهب معها لزيارة ماري جرجس وسانت تريزا، تصوم معه رمضان، تدعو عند مقام الحسين والسيدة زينب أن يعوضها بطفل بدلاً من ابنتها التي تبرأت منها". وتشير والدتها "بزادة هانم" – من خلال قصة يوسف أصلان قطاوي – إلى تعايش اليهود داخل المجتمع المصري. وكان قطاوي اليهودي ضمن اللجنة التي كتبت دستور 1923 وكان وزيراً للمالية.

تأريخ للمكان

إن ما سبق يعني أن رواية "هبّات ساخنة" ليست مجرد حكايات نسائية يغلب عليها الطابع التسجيلي – الذي تمنيت لو خففت منه الكاتبة قليلاً – بل هي تصوير أيضاً لمراحل في حياة مصر المعاصرة، وهو ما استدعى ما يعرف بالتأريخ للمكان وتحولاته اللافتة المعبرة عن كل مرحلة من هذه المراحل؛ حين لا تنسى والدة الساردة "حكاية بيت الزعيم أحمد عرابي الذي تحول إلى خمارة"، وتاريخ المقاهي التي تعد إحدى علامات "وسط القاهرة"، مثل مقهى "الحرية" الذي كان ملتقى الباشوات، والذي صور فيه فريد الأطرش فيلم "تعالى سلم". هذه الذاكرة القوية التي تتمتع بها والدة الساردة تجعل مكاوي سعيد – الروائي المعروف وأحد أشخاص الرواية – يقول لسلمى، "يظهر أن أمك قرأت كتاب صلاح عيسى". وكما لاحظنا تعدد الحكايات والمزواجة بين الفصحى والعامية، نلاحظ أيضاً تضمين عديد من النكات داخل الرواية على لسان "سماهر" التي تلقيها من مرارة ما تستشعره من آلام. كما نجد توظيفات بارعة لتقنية الحلم، ففي ليلة سفر "سلطانة" تقوم والدة الساردة مفزوعة وتحكي لـ"سلمى" ما رأته... "حلمت بيها يا بنتي قاعدة فوق سحابة لابسة أبيض في أبيض حتى وشّها الأسود بقى أبيض، وجات غمامة على شكل غول زفّتها وقعت والأرض، فتحت بقها بلعتها في غمضة عين". وهو ما تحقق حين تموت "سلطانة"، وتترك ولديها "شمس" و"قمر" ليصبحا في رعاية "سلمى" كهدية من السماء تعوضها عن عدم إنجابها. وهكذا، يمكن القول إن سعاد سليمان تقدم في روايتها "هبّات ساخنة" بانوراما لحيوات الناس وأحداث التاريخ وملامح المكان بتحولاته المختلفة.

المزيد من ثقافة