بعد الوجود العسكري في الخليج... بومبيو يجر قدم أوروبا إلى الحرب ضد إيران

وزير الخارجية الأميركي يبحث مع نظرائه التصعيد... ودبلوماسي غربي: متمسكون بجوهر الاتفاق النووي ونرفض مساعي طهران المزعزعة استقرار المنطقة

وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو لدى وصوله إلى مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ف.ب)

مع استمرار الضغوط الأميركية، للدفع باتجاه اتفاق نووي جديد مع طهران يحجم نفوذها ونشاطها المزعزع للاستقرار في المنطقة، لا تزال الدول الأوروبية وعلى الرغم من الاختلاف في الرأي في بعض التفاصيل، وفق تعبير دبلوماسي غربي في القاهرة، متمسكة بجوهر الاتفاق مع طهران التي وقعته الدول الكبرى وإيران عام 2015. وذلك على الرغم من تصاعد حدة الأوضاع في منطقة الخليج، على وقع "عمليات تخريب" طالت سفن شحن قبالة سواحل الإمارات، بينهما ناقلتا نفط سعوديتان.

واليوم الاثنين ومن دون إعلان مسبق، توجه وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى بروكسل، ليبحث مع المسؤولين الأوروبيين، المجتمعين لتفادي انهيار الاتفاق النووي الإيراني، "مسائل ملحة"، خصوصاً الاتفاق والالتزام بالعقوبات الأميركية المفروضة علي طهران، بالتزامن مع تصاعد حدة التوتر والعسكرة في منطقة الخليج العربي بين واشنطن وطهران.

ماذا تريد واشنطن من الأوروبيين؟
بحسب ما أعلن مسؤول في الخارجية الأميركية، "فإن الوزير بومبيو ألغي زيارة موسكو خلال رحلته إلى روسيا، لكنه سيلتقي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرغي لافروف في منتجع سوتشي على البحر الأسود مثلما هو مقرر غداً الثلثاء".

وأضاف المسؤول "أن بومبيو الذي غادر من قاعدة أندروز المشتركة القريبة من واشنطن في طريقه إلى بروكسل، سيعقد محادثات مع مسؤولين أوروبيين بشأن إيران وقضايا أخرى".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويأتي لقاء بومبيو، ونظرائه الأوروبيين، غداة نقل وكالة الطلبة للأنباء الإيرانية أمس الأحد عن قائد في الحرس الثوري الإيراني، قوله "إن الوجود العسكري الأميركي في الخليج كان يمثل تهديداً خطيراً ولكنه الآن يمثل هدفاً".

وخلال الأيام الماضية، أخذت الأزمة بين طهران وواشنطن في منطقة الخليج العربي، تصعيداً في البعد العسكري، للتوترات الدبلوماسية، مع قرار الولايات المتحدة إرسال سفينة هجومية برمائية وبطاريات صواريخ "باتريوت" إلى الخليج حيث نشرت قاذفات من طراز "بي-52". كما أعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) الجمعة الماضي، "أنه رداً على تهديدات مفترضة من إيران، باتت السفينة الحربية "يو إس إس أرلينغتون" التي تضم على متنها قوات من مشاة البحرية (المارينز) وعربات برمائية ومعدات ومروحيات أيضاً في طريقها إلى الشرق الأوسط"، في خطوة قال مسؤولون أميركيون إنها تهدف إلى مواجهة "الدلائل الواضحة" على تهديدات إيران للقوات الأميركية في المنطقة.

وقال بومبيو في مقابلة مع شبكة (سي.إن.بي.سي)، ستُبث لاحقاً اليوم، "إن نشر وتوسيع وجود القوات الأميركية جاء استجابة لمعلومات استخباراتية تشير إلى هجمات إيرانية محتملة وبهدف ردعها والرد إذا لزم الأمر". وقال "في حال قررت إيران استهداف مصالح أميركية، سواء كان ذلك في العراق أو أفغانستان أو اليمن أو أي مكان في الشرق الأوسط، فنحن مستعدون للرد بطريقة مناسبة". وأضاف "هدفنا ليس الحرب".

وتتزامن تلك الخطوات المتسارعة، مع تكثيف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضغوط الاقتصادية على إيران، بعدما اتخذ خطوات لوقف جميع صادراتها النفطية بهدف حملها على الحد من برامجها النووية والصاروخية فضلاً عن إنهاء الدعم لجماعات متحالفة معها في سوريا والعراق ولبنان واليمن.

 

في المقابل، قالت دول أوروبية الأسبوع الماضي "إنها تريد الحفاظ على الاتفاق النووي مع إيران ورفضت "إنذارات" من طهران بعد أن تحللت من قيود مفروضة على برنامجها النووي، وهددت بتحركات قد تشكل انتهاكاً للاتفاق المبرم عام 2015، رداً على عقوبات جديدة فرضتها الولايات المتحدة بعدما انسحبت من الاتفاق قبل عام". كما أكد الاتحاد الأوروبي من جديد "عزمه على إنقاذ الاتفاق الموقع في 2015 للحد من طموحات إيران النووية مقابل رفع العقوبات".

موغيريني تتمسك بالاتفاق
واليوم الاثنين، وقبيل اجتماع أوروبي لبحث الاتفاق النووي الإيراني، قالت مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، "إن الاتحاد يدعم تنفيذ الاتفاق النووي الدولي مع إيران دعماً كاملاً، ويريد من القوى المتنافسة تجنب أي تصعيد آخر بشأن القضية".

وشدّدت موغيريني، عند وصولها إلى اجتماع وزراء خارجية الاتحاد، على أهمية الحوار، معتبرة أنه "الطريق الوحيد والأفضل لمعالجة الخلافات وتجنّب التصعيد في المنطقة". وقالت إن الحوار "كان ويبقى بالنسبة إلينا عنصراً أساسياً لأسس عدم انتشار الأسلحة على الصعيد الدولي وفي المنطقة". وبالإضافة إلى لقاء وزراء خارجية التكتل الـ28، يجتمع وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وبريطانيا، الدول الأوروبية الثلاث الموقعة للاتفاق النووي الإيراني، مع موغيريني للبحث بكيفية إبقاء الاتفاق على قيد الحياة.

 

وذكرت موغيريني، قبيل بدء الاجتماع، "سنواصل دعمه قدر ما نستطيع بكل الوسائل وبإرادتنا السياسية"، ما يؤشر على تمسك الاتحاد بالاتفاق مع طهران.

وبشأن اللقاء المرتقب مع بومبيو، جاء رد موغيريني فاترا، مشيرة إلى أن المفوضية الأوروبية أبلغت بها في اللحظة الأخيرة. وقالت للصحافيين "سنكون هنا طوال اليوم مع برنامج عمل مزدحم، ولذلك سنرى خلال النهار كيف سننسق اجتماعاً (مع بومبيو) إن تمكّنا من ذلك، هو (بومبيو) بوضوح محل ترحيب دائماً، لكن لا توجد خطط محددة في الوقت الحالي".

وأعلنت تفاصيل قليلة عن جدول أعمال بومبيو في بروكسل. واكتفت الخارجية الأميركية بالقول إن بومبيو سيجري محادثات مع مسؤولين من الدول الأوروبية الثلاث الموقعة للاتفاق (فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا).

الألمان يتمسكون بالتجارة مع طهران
من جانبه، ولدى وصوله إلى بروكسل، قال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس "نحن في أوروبا متفقون على أن هذا الاتفاق ضروري لأمننا. لا أحد يريد أن تتمكن إيران من حيازة سلاح نووي". وأضاف "لذلك سنواصل دعم تنفيذ هذا الاتفاق".

وجاءت تصريحات الوزير الألماني، بعد دقائق من تصريحات مماثلة للمتحدث باسم الحكومة الألمانية، ستيفن سايبرت، جاء فيها "أن برلين تعمل من أجل الإبقاء على قناة قانونية للتجارة مع إيران"، وذلك بعدما خفضت طهران الأسبوع الماضي القيود على برنامجها النووي وهددت بخطوات قد تنتهك اتفاق 2015 العالمي.

وأوضح سايبرت "نبذل مع شركائنا جهوداً للمحافظة على التجارة الشرعية مع إيران، لاسيما عن طريق توفير قناة دفع"، مشيراً إلى الشركاء الثلاثة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا المشاركين في اتفاق عالمي يستهدف رفع الحواجز التجارية مع إيران مع منعها من امتلاك أسلحة نووية.

لندن تخشى الحرب
بدوره، حذر وزير الخارجية البريطاني جيريمي هانت من خطر اندلاع نزاع "عن طريق الخطأ" في الخليج مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران وذلك بعد تعرض عدة سفن لأعمال "تخريبية" قبالة سواحل الإمارات.

وأكد هانت لدى وصوله إلى بروكسل "نحن قلقون من خطر نزاع يندلع عن طريق الخطأ بسبب تصعيد غير مقصود من قبل كلا الطرفين. سنشارك هذه الأفكار مع شركائنا الأوروبيين ومع (وزير الخارجية الأميركي) مايك بومبيو".

وأوضح هانت "علينا العمل على عدم عودة إيران على طريق التسلح النووي، فإذا باتت إيران قوة نووية، هذا يعني أن جيرانها ربما سيصبح لديهم الرغبة في أن يكونوا قوى نووية أيضاً". وتابع "إنها المنطقة الأقل استقراراً في العالم وسيكون ذلك خطوة كبرى في الاتجاه الخاطئ"، معرباً عن اعتقاده "أننا بحاجة إلى مرحلة هدوء لنتأكد من أن الجميع يفهم ما يريده الطرف الآخر".

وكانت إيران ومجموعة دول (5+1)، التي تضم روسيا وبريطانيا والصين والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا، توصلت في 14 يوليو (تموز) 2015، إلى اتفاقية لتسوية المسألة النووية الإيرانية، وأقرت خطة عمل شاملة مشتركة، جرى الإعلان في 6 يناير(كانون الثاني) 2016 بدء تطبيقها.  ونصت الخطة على رفع العقوبات المفروضة على إيران على خلفية برنامجها النووي من قبل مجلس الأمن والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وبالمقابل تعهدت طهران بالحد من أنشطتها النووية ووضعها تحت الرقابة الدولية.

لماذا التمسك الأوروبي بالاتفاق مع طهران؟
بحسب دبلوماسي غربي رفيع المستوي في القاهرة، "فإن الدول الأوروبية، بجوهر الاتفاق النووي مع إيران، ترفض مساعيها المزعزعة لاستقرار المنطقة"، معتبرة "أن الاتفاق هو الضمان الوحيد لإجبار طهران علي عدم العودة على امتلاك وحيازة السلاح النووي".

الدبلوماسي الغربي، الذي ينتمي لإحدى الدول الأوروبية الثلاث الموقعة مع طهران بجانب روسيا والولايات المتحدة والصين الاتفاق النووي عام 2015، فيما عرف حينها مجموعة "5+1"، أوضح لـ "إندبندنت عربية"، أن الدول الأوروبية الثلاث (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) ترى أن إعادة فرض العقوبات الأميركية على إيران، بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، مثير للأسف"، مقدراً بحسب تعبيره، "أن الحفاظ على جوهر الاتفاق كان يعد ركناً أساسياً من أجل ضمان أمن القارة الأوروبية والمنطقة والعالم أجمع".

وبسؤاله حول كيفية مواجهة أنشطة طهران المزعزعة للاستقرار في المنطقة، ذكر الدبلوماسي الأوروبي، "بالتأكيد نرفض وندين الأعمال الاستفزازية المستمرة التي تمارسها طهران في دول المنطقة والتدخل في شؤونها الداخلية، لكن رؤية الدول الأوروبية تنطلق من أنه ومن دون الاتفاق لن تكون المنطقة أكثر أمناً، بل ستكون أقرب بخطوة من مواجهة مفتوحة".

وألمح الدبلوماسي الغربي، إلى اختلاف أهداف التمسك من قِبل الدول الأوروبية، فإلى جانب اعتبار تنفيذ جوهر الاتفاق النووي ضماناً لأمن واستقرار المنطقة، ذكر الدبلوماسي الأوروبي، من دون تسمية الدول، المصالح والفرص التجارية الضخمة التي باتت تجمع الدول الأوروبية والسوق الإيرانية، وإمكانية توسيع الأمر في المستقبل، مشيراً إلى "عقود بمليارات الدولارات تم توقيعها بين طهران وشركات أوروبية، منها توتال وإيرباص وفولكس فاغن وغيرها".

 

من جانبه، وبحسب، هاني عبد السلام، الخبير في الشأن الإيراني، "فإن زيادة الاستفزازات الإيرانية في منطقة الخليج، والتي مثلت آخر مشاهدها في الأعمال التخريبية التي طالت 4 سفن في خليج عمان، يتطلب ضماناً وتحركاً دولياً حاسماً ضد إيران، لا سيما أن منطقة الخليج تمثل شريان الطاقة إلى العالم".

وذكر عبد السلام "لا أحد في العالم سيجد مصلحة في السكوت على هذا العمليات التي تمثل خطراً على تدفق شرايين الطاقة في العالم"، معتبراً أن الرد الدولي على هذا النوع من الأعمال التخريبية يجب أن يكون حازماً ورادعاً، معتبراً أن الجهة التي خططت لمثل هذه الممارسات كانت تستهدف "جس النبض الدولي"، لمعرفة حدود التصعيد المحتملة واختبار الإرادة الدولية".

وقال عبد السلام، إنه "في ظل التوتر الحاصل مع إرسال الولايات المتحدة البوارج وحاملة الطائرات وقاذفات بي 25، هذه العملية تأتي في توقيت خطير جداً، ومن الواضح أنها ليست من عمل جماعات صغيرة وإنما أجهزة دولة".

إدانات لعمليات "تخريب" ناقلات النفط
وغداة إعلان الإمارات العربية المتحدة، أن أربع سفن شحن تجارية من عدة جنسيات تعرضت لـ"عمليات تخريبية" في مياهها قبالة إيران، في شرق إمارة الفجيرة بدون تحديد المنفذين واصفة الحادث بأنه "خطير". أعلن وزير الطاقة السعودي خالد الفالح، فجر اليوم، تعرض ناقلتي نفط سعوديتين "لهجوم تخريبي" قبالة ساحل إمارة الفجيرة بالإمارات، وهو يستهدف تهديد أمن إمدادات النفط العالمية.

وقال الفالح، في بيان نشرته وكالة الأنباء السعودية الرسمية "واس"، إن "إحدى الناقلتين كانت في طريقها للتحميل بالنفط السعودي من ميناء رأس تنورة، ومن ثم الاتجاه إلى الولايات المتحدة لتزويد عملاء أرامكو السعودية هناك". وأضاف "أن الهجوم لم يسفر عن خسائر في الأرواح أو تسرب للوقود، لكن نجمت عنه أضرار بالغة في هيكلي السفينتين".

وعلى الأثر، توالت الإدانات العربية والدولية لعمليات التخريب، فمن جانبها، أدانت مصر بأشد العبارات تلك العمليات التخريبية، وكل ما من شأنه المساس بالأمن القومي الإماراتي وسلامة جميع حدوده البرية والبحرية.

 

وأكد البيان على تضامن مصر حكومة وشعبا مع حكومة وشعب الإمارات الشقيقة في مواجهة جميع التحديات التي قد تواجهها والتصدي لكل المحاولات لزعزعة استقرارها، مؤكدا على العلاقات الخاصة والمتينة التي تربط البلديّن والعمل المشترك للتصدي لجميع التهديدات لأمنهما القومي واتخاذ ما يلزم من إجراءات في سبيل حفظ أمن واستقرار الإمارات.

كما أدانت وزارة الخارجية السعودية تلك "الأعمال التخريبية"، قائلة إن "هذا العمل الإجرامي يشكل تهديداً خطيراً لأمن وسلامة حركة الملاحة البحرية، وبما ينعكس سلبا على السلم والأمن الإقليمي والدولي". وشددت الوزارة على تضامن السعودية "ووقوفها إلى جانب الإمارات في جميع ما تتخذه من إجراءات لحفظ أمنها ومصالحها".

بدوره، أدان أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، العمليات التخريبية، مُشددا على "أن هذه الأعمال الإجرامية تُمثل مساسا خطيرا بحرية وسلامة طرق التجارة والنقل البحري، ومن شأنها أن ترفع مستوى التصعيد في المنطقة".

المزيد من سياسة