"نسيم البصرة" كان يختا لصدام حسين… ما مصيره اليوم؟

قيمته السوقية الحالية لا تزيد على خمسة ملايين دولار بسبب تهالك محركاته

"نسيم البصرة" هو اليخت الذي كان يملكه الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين (اندبندنت عربية)

ليست القصور الفخمة التي تركها الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في مدن بغداد والبصرة والموصل والحلة وتكريت، وحدها الدليل على الحياة المترفة التي كان يعيشها مع أفراد عائلته. فهناك اليخوت الفاخرة التي كان يملكها، ومنها يختٌ صُنع خصيصاً له  من جانب شركةٍ دنماركية للصناعات البحرية في العام 1981، بكلفة ناهزت 25 مليون دولار، وكان آنذاك من أحدث وأفضل اليخوت في العالم.

استرجاعه إنجاز وزاري

تزامن إنجاز اليخت الرئاسي مع احتدام حرب الخليج الأولى (1980-1988)، لكن خلال هذه الحرب، كان مستحيلاً إيصال اليخت بأمان إلى المياه الداخلية العراقية عبر شط العرب، حيث كانت غالبية المناطق الواقعة على ضفتيه جبهات مستعرة تفوح منها رائحة الموت. فأودع صدام حسين اليخت أمانة لدى سلطنة عُمان وبعد سنوات حصلت عليه شركة للنقل البحري، واستخدمته في نقل المسافرين من فئة رجال الأعمال بين فرنسا والمغرب.

بعد معركةٍ قضائية لم تستمر طويلاً، أقرت محكمة فرنسية في العام 2008 بعائدية اليخت إلى العراق، الذي استعاده في العام 2010 بعد تسديد مليون دولار كغراماتٍ وأجور متراكمة لموانئ أوروبية. وكان أول قطعة بحرية تعبر قناة السويس وعلى ساريتها يرفرف العلم العراقي منذ العام 1991. وعند وصوله إلى مدخل شط العرب، كان في استقباله بأجواء احتفالية وزير النقل العراقي السابق عامر عبد الجبار الذي اعتبر إعادة اليخت "من أهم الإنجازات التي حققتها الوزارة بعد العام 2003". وظل اليخت منذ ذلك الحين راسياً إلى جانب شارع الكورنيش في مدينة البصرة، ولم يبرح مكانه إلا مرة واحدة.

عند خروج اليخت من المصنع، كان يحمل اسم "قادسية صدام"، وهو الاسم الذي كان يحلو للنظام السابق أن يطلقه على حرب الخليج الأولى (الحرب العراقية - الإيرانية). وبعد انتقال ملكيته، صار اسمه في سجلات المنظمات الملاحية الدولية "اليمامة". وعندما أصبح بعهدة شركة خاصة للنقل البحري مُنح اسم "نسيم المحيط"، لكن عندما استردته الحكومة العراقية أطلقت عليه اسمه الحالي "نسيم البصرة".

من يخت رئاسي إلى سفينة أبحاث

اختلفت وجهات نظر المسؤولين المحليين في البصرة بشأن كيفية الاستفادة من "نسيم البصرة" بعد استرجاعه. فمنهم من اقترح عرضه للاستثمار لاستخدامه في نقل المسافرين بين العراق والإمارات، ومنهم من طالب بتحويله إلى متحفٍ تراثيٍ عائم. وهناك من دعا إلى بيعه في مزادٍ علني للتخلص منه لاقترانه بصدام حسين. لكن رئاسة الجمهورية حسمت الجدل في العام 2014، عندما قررت جعله سفينة أبحاث علمية تابعة لمركز علوم البحار، وهو مركزٌ علميٌ حكومي يعمل فيه عشرات الباحثين من حملة الشهادات العليا ويرتبط بجامعة البصرة.

الدكتور علي عبد الزهرة دعيبل، مدير المركز قال إن "مركز علوم البحار أجرى بعض التغييرات الداخلية على اليخت ليتوافق مع وظيفته كسفينة أبحاث علمية"، مشيراً إلى أن "التغييرات شملت إنشاء مختبر علمي على ظهر اليخت يحتوي أجهزة للتحليل ومجاهر إلكترونية".

وأضاف دعيبل أن "اليخت تم استخدامه في رحلة بحرية استكشافية واحدة في العام 2015، شارك فيها باحثون وغواصون عراقيون وألمان. وتمخضت الرحلة عن اكتشاف وجود شعاب مرجانية تعيش في المياه الإقليمية العراقية للمرة الأولى، وهو إنجازٌ علميٌ لاقى أصداءً عالمية". وأشار إلى أن "وزارة التعليم العالي والبحث العلمي خصصت أخيراً مبلغاً من موازنتها المالية من أجل صيانة اليخت وتحديث بعض معداته، تحضيراً للإبحار به في رحلات علمية جديدة في مياه الخليج".

محركات متهالكة وأنظمة بدائية

يحتوي اليخت على 13 غرفة كانت مؤثثة بأثاثٍ فاخر، وجناح رئاسي باذخ الرفاهية، وثلاث صالات للاجتماعات ومهبط للطائرات المروحية وزوارق نجاة سريعة. ويبلغ طول اليخت 83 متراً، وعرضه 13 متراً، وهو مزود بمحركاتٍ قادرة على تسييره بسرعة 18 عقدة في الساعة.

وقال كاظم فنجان الحمامي، وزير النقل العراقي السابق والخبير البحري، إن "الحديث عن وجود صنابير مياهٍ ومقابض أبوابٍ وقطع فنية مصنوعة من الذهب الخالص في اليخت هو مجرد شائعاتٍ من نسج الخيال"، موضحاً أن "اليخت لفظه الزمن، ولا يقارَن بيخوت حديثة تتفوق عليه من جميع النواحي، إلا من ناحية الرمزية التراثية ذات الطابع السياسي".

وأكد الحمامي أن "القيمة السوقية الحالية لليخت لا تزيد على خمسة ملايين دولار بسبب تهالك محركاته وقدم أنظمته الملاحية، التي تُعد بدائية جداً مقارنة بالأنظمة الحديثة"، مضيفاً أنه "في حال بيعه، فإنه من المتوقع أن يحقق سعراً أعلى في ضوء مبررات معنوية تتعلق بملكيته السابقة".

قطيعة بين وزارة وجامعة بسبب اليخت

كانت العلاقة بين وزارة النقل وجامعة البصرة مبنية على التعاون الوثيق. وضمن إطار هذه العلاقة، تكفلت الوزارة على نفقتها ببناء مبنى كلية علوم البحار وترميم مبنى كلية الطب. لكن اليخت كان سبباً مباشراً في تعكير صفو العلاقة بين الوزارة والجامعة في منتصف العام 2018.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ووفق الحمامي، فإن "وزارة النقل طلبت من جامعة البصرة إعارة اليخت لمدة عام لاستخدامه كمحطة للأدلاء البحريين تستقر في عرض البحر وتقدم خدمات الإرشاد للسفن التجارية الآتية إلى الموانئ العراقية. وعلى الرغم من موافقة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، إلا أن رئاسة الجامعة رفضت إعارة اليخت"، موضحاً أنه "بسبب رفضها، أصدرتُ قراراً في حينها بقطع علاقة وزارة النقل بالجامعة وإيقاف الدعم الذي كنا نقدمه لها".

ولفت الحمامي إلى أن "اليخت لا يصلح سفينة أبحاثٍ لكبر حجمه وتكلفته التشغيلية الباهظة. ولذلك، لم يستخدمه مركز علوم البحار إلا في رحلةٍ يتيمة منذ حصوله عليه قبل خمس سنوات"، معتبراً أنه "من الأفضل بيعه وشراء سفينة أحدث وأصغر حجماً بثمنه".

على بعد أقل من كيلومتر من موقع رسو اليخت الرئاسي السابق وسفينة الأبحاث الحالية، ثمة يخت رئاسي آخر أكبر حجماً كان لصدام حسين يدعى "المنصور"، أو بالأحرى هو حطامٌ غارق ليختٍ كان يحتوي على غرفٍ محصنة وأبوابٍ وممراتٍ سرية. وفي العام 2003، وجهت إليه القوات الأميركية ضربة جوية أسفرت عن تدميره وغرقه جزئياً في مياه شط العرب. وتعتزم الشركة العامة لموانئ العراق انتشال حطامه خلال النصف الثاني من العام الحالي.