Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إطلاق صاروخين من لبنان يكرسه ساحة لتبادل الرسائل

طهران ترد على تحوّل واشنطن نحو التشدد في فيينا والإقليم بالتصلب في الداخل وعلى الحدود

قوات الأمم المتحدة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية (أ ف ب)

استفاق اللبنانيون صبيحة يوم عيد الأضحى 20 يوليو (تموز) على نبأ إطلاق صاروخين من الأراضي اللبنانية نحو إسرائيل، أعقبه قصف مدفعي إسرائيلي من دون أن يتسبب ذلك بأضرار تذكر أو إصابات بشرية، لكن انهماك لبنان بأزمته المعيشية الخانقة والسياسية التي تزداد تعقيداً جعل الخبر يمر مرور الكرام، لولا اهتمام قوات الأمم المتحدة (يونيفيل) والجيش اللبناني بإصدار بيانات عن الحادثة، والإعلان عن إجراء تحقيق في ما حصل.

فمن عادة إطلاق صواريخ من الأراضي اللبنانية بهذه الطريقة أن يثير المخاوف من توتر عسكري ولو محدود، وأن يكون مرتبطاً بالتطورات في المنطقة، لا سيما إذا كان هناك تصعيد عسكري بين إسرائيل والجانب الفلسطيني، كما حصل أثناء المواجهة بين إسرائيل وفلسطينيي حي الشيخ جراح في القدس مطلع مايو (أيار) الماضي ثم في أراضي 1948، والذي تطور إلى مواجهة عسكرية بين حركة "حماس" والجيش الإسرائيلي، ففي حينها أطلق مجهولون صواريخ من نوع غراد مرتين على شمال إسرائيل، الأولى في 13 مايو ومن خراج بلدة القليلة نفسها التي أطلق منها الصاروخان فجر عيد الأضحى، ثم في 19 مايو ومن منطقة قريبة تقع قرب مخيم الرشيدية للاجئين الفلسطينيين في قضاء صور جنوب لبنان. في مايو الماضي سقط اثنان من الصواريخ في البحر، بينما سقط اثنان في مناطق مفتوحة ولم يسببا أضراراً تذكر كما قبل يومين.

تكرار سيناريو التعاطي مع إطلاق الصواريخ

في معظم حالات إطلاق الصواريخ من هذا النوع تتشابه طريقة التعاطي معها، إذ لا تعلن أي جهة مسؤوليتها عن العملية إلا نادراً، وتكون فلسطينية اسمها غير مألوف وليست من التنظيمات المعروفة في لبنان، وتهرع قوات "يونيفيل" إلى منطقة إطلاق الصواريخ مع الجيش اللبناني ثم يعلن الجانبان عن بدء التحقيق في العملية. يعلن الجيش عن العثور على "منصة صواريخ بدائية الصنع" وأحياناً يعلن العثور على صواريخ إضافية معدة للإطلاق في منطقة قريبة، ثم يصدر عن مصدر أمني أن من أطلق الصواريخ جهة فلسطينية تبقى مجهولة.

تكرر هذا السيناريو على مدى سنوات، وكلما حصلت عملية من هذا النوع، وتصدر بيانات وتصريحات من قيادات سياسية لبنانية ترفض "توريط" لبنان في مواجهات عسكرية لا مصلحة له فيها، فيما يعلن "حزب الله" ألا علاقة له بها، خصوصاً أنه حين يقوم بعملية يستهدف فيها الجيش الإسرائيلي إما انتقاماً لعملية اغتيال استخباراتية إسرائيلية، أو نتيجة خسارته مسؤولاً في القصف الإسرائيلي المتواصل في سوريا، يعلن مسؤوليته عنها.

وهكذا أعلنت قيادة الجيش في بيان لها إثر العملية الأخيرة "تعرض منطقة وادي حامول تلة ارمز لقصف مصدره مدفعية العدو الإسرائيلي، ولم يفد عن وقوع إصابات أو حدوث أضرار. واستهدفت المنطقة بـ 12 قذيفة مدفعية عيار 155 على خلفية ادعاءات العدو بسقوط صاروخين في الأراضي المحتلة مصدرها لبنان، وقد عثرت وحدة من الجيش في محيط منطقة القليلة على ثلاثة مزاحف لإطلاق صواريخ نوع غراد 122 مليمتر، على أحدها صاروخ كان معداً للإطلاق تم تعطيله من قبل الوحدات المتخصصة"، وتفقد قائد قوات الجنوب في الجيش المنطقة، وسيّرت وحداته دوريات وأقامت حواجز لتفتيش السيارات.

وأعلنت قيادة "يونيفيل" عن "رصد رادار تابع لها إطلاق صواريخ من منطقة الشمال الغربي للقليلة باتجاه إسرائيل، كما رصد رادارنا في وقت لاحق إطلاق نيران مدفعية من قبل الجيش الإسرائيلي".

وأكدت أنها على اتصال مباشر مع الأطراف للحث على ممارسة أقصى درجات ضبط النفس وتجنب مزيد من التصعيد، كما أن آليات الارتباط والتنسيق تقوم بعملها على أكمل وجه".

تهديد إسرائيل وتلميحها إلى "حزب الله"

في المقابل، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت "أننا لن نسمح للوضع في لبنان أن ينعكس على أراضينا، ومن يحاول إلحاق الأذى بنا سيدفع ثمناً مؤلماً".

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس إنه لن يسمح بأن تتحول الأزمة في لبنان إلى تهديد أمني لبلاده، واعتبر أن "المسؤول عن إطلاق الصواريخ الليلة الماضية هو الدولة اللبنانية التي تسمح بتنفيذ الأعمال الإرهابية من أراضيها"، وأن بلاده ستعمل على مواجهة "أي تهديد لسيادتها ومواطنيها، وسترد وفقاً لمصالحها في الزمان والمكان المناسبين". 

لكن رئيس الأركان في الجيش الجنرال أفيف كوخافي لمح إلى "حزب الله" بقوله إن "دولة لبنان في مرحلة انهيار، ولحزب الله دور مهم في هذا الانهيار، ولن نسمح بإطلاق نار من النوع الذي حصل باتجاه البلدات الشمالية، وسنرد ونهاجم علناً أو سراً على كل خرق للسيادة يأتي من لبنان".

ومع ذلك فإن كل مرة تشهد إطلاق هذا النوع من الصواريخ القديمة الصنع التي لا تصيب أهدافاً مثلها مثل الرد الإسرائيلي المدفعي الذي يتجنب إصابة مناطق سكنية إلا نادراً، تنطلق التكهنات في لبنان والتحليلات التي تنسب هذا العمل لـ "حزب الله"، واستخدامه لبنان منصة للرسائل السياسية والأمنية إما لإسرائيل أو للولايات المتحدة الأميركية، وأحياناً للأمم المتحدة وقواتها في حالات معينة، فإطلاق الصواريخ يترافق مع تهديدات إسرائيلية بالرد القاسي ضد الحزب ولبنان، مما يدفع الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله إلى أن يغتنم مناسبة خطاب له في وقت لاحق للرد على هذه التهديدات بالإعلان عن الجهوزية لردعها، في وقت تسعى الأمم المتحدة إلى "ضبط النفس" من الجانبين، وتكرر عواصم الدول الكبرى المتابعة للوضع في جنوب لبنان العبارة نفسها، وتطالب الفريقين بعدم التصعيد.

كما أن العملية الأخيرة تتم قبيل التهيؤ لمناقشات مجلس الأمن الدولي بشأن التجديد لقوات الأمم المتحدة في الجنوب، والتي تطرح خلالها الولايات المتحدة وإسرائيل في كل مرة ضرورة تعديل مهمات "يونيفيل" لتمكينها من منع "حزب الله" من تكديس الأسلحة المتطورة في منطقة عملياتها بإجراءات جديدة، ويعرض الأمين العام للأمم المتحدة تقريره إلى المجلس حول تنفيذ القرار الدولي 1701 في 22 يوليو.

وكان لافتاً في هذا السياق ما صدر عن البيت الأبيض في 20 يوليو من أن "تزايد نقل أسلحة متطورة من إيران إلى حزب الله يهدد الأمن القومي الأميركي ويزعزع سيادة لبنان واقتصاده"، وجاء ذلك في سياق تمديد الرئيس جو بايدن حال الطوارئ الوطنية الخاصة بلبنان والتي كان مقرراً انتهاء مدتها مطلع أغسطس (آب) المقبل، وهو تمديد روتيني منذ سنوات،

أي رسالة مقصودة؟

وما يدفع إلى اعتبار عمليات كهذه بأنها من ترتيب "حزب الله" هو أن الأخير طالب بعض الفصائل الفلسطينية بإصدار بيان تعلن فيه عن مسؤوليتها ولو باستخدام هوية مموهة أو باسم فصيل غير موجود، حين أُطلقت الصواريخ مرتين في مايو الماضي إبان المواجهة الإسرائيلية مع "حماس" في غزة والتي دامت 11 يوماً، لكن هذه الفصائل رفضت لأنها لا تريد إقحام تنظيماتها في لبنان بمشكلة مع الجيش والسلطات والقوى السياسية اللبنانية التي ترصد التصرفات الفلسطينية.

والاعتقاد السائد على الصعيد الأمني أنه يصعب على أي جهة أن تنقل صواريخ "غراد" من أحد المخيمات الفلسطينية إلى المنطقة التي يتم إطلاقها منها، مع ما يتطلبه ذلك من استطلاع ومراقبة وتحضير، من دون أن يعلم جهاز الأمن التابع لـ "الحزب" المنتشر في الجنوب بتحركات من هذا النوع، وبالتالي هذا يحتاج إلى غطاء منه في كل الأحوال.

ما هي الرسالة المقصودة في عملية إطلاق الصواريخ الأخيرة؟

غالباً ما يتم اختيار توقيت متزامن مع تطور ما على الساحة الفلسطينية، فالعملية الأخيرة جرت قبل بضع ساعات من المواجهة المتوقعة بين المصلين في المسجد الأقصى لمناسبة العيد وبين الشرطة الإسرائيلية التي عادت فاشتبكت مع هؤلاء، فيما منع الجيش الإسرائيلي الفلسطينيين في الضفة الغربية من الانتقال إلى الصلاة في باحة الأقصى، لكن الرسالة المتوخاة من عمل أمني كهذا تتخطى الساحة الفلسطينية، وأحياناً تتعلق بالساحة السورية لكن الأنظار اتجهت في الظرف الراهن إلى ما يدور في العلاقات الأميركية - الإيرانية، في ظل التعثر في مفاوضات فيينا وإعلان طهران تأجيلها نتيجة الخلاف على استكمال أجندتها.

التصعيد الأميركي - الإيراني في الإقليم 

وعلى الرغم من أن توجه إدارة الرئيس جو بايدن هو إنهاء الملف النووي الإيراني من أجل التفرغ للملف الذي تعتبره أولوية، أي مواجهة الصين، فإن دلائل قراءة أوساط دبلوماسية وسياسية لبنانية وغربية تميل إلى تصنيف إطلاق الصواريخ من الجنوب على أنه رسالة إيرانية في سياق التصعيد المتبادل المستجد منذ أسابيع بين واشنطن وطهران في ساحات عدة داخل الإقليم ومنها لبنان، إلى درجة أن بعض هذه الأوساط ينسب إفشال المحاولة الأخيرة لاستيلاد الحكومة اللبنانية قبيل اعتذار الرئيس سعد الحريري عن الاستمرار في المهمة إلى التشدد الإيراني و"حزب الله" بالتناغم مع حليفه رئيس الجمهورية ميشال عون في وجه الضغوط الأميركية - الفرنسية لإنهاء الفراغ الحكومي.

ويشير أصحاب هذه القراءة إلى تسلسل للأحداث أخذ يلقي بثقله على الساحة اللبنانية التي تعتبرها طهران منطقة نفوذ لها في مواجهة الدور الأميركي التقليدي في بلاد الأرز، وهذا التسلسل يبدأ بتصعيد الفصائل الموالية لطهران قصفها القواعد العسكرية العراقية التي يوجد فيها جنود أميركيون طوال شهري مايو ويونيو (حزيران)، مروراً بالرد الأميركي بقصف موجع لكتائب "سيد الشهداء" وكتائب "حزب الله العراقي" في 28 يونيو على الحدود العراقية - السورية، والذي أوقع العديد من القتلى في صفوف التنظيمين، ثم الرد الإيراني بقصف الفصائل الموالية لمواقع توجد فيها قوات أميركية في منطقة دير الزور السورية. 

واشنطن تتشدد بعد أن تساهلت 

وحفل الأسبوعان الماضيان بالتصريحات المتشددة من الجانبين في شأن المسؤولية عن إبطاء مفاوضات فيينا بعد سلسلة التسريبات المتفائلة بقرب إنهاء المحادثات باتفاق، إلا أن الخارجية الأميركية أكدت انفتاحها على "إكمال المفاوضات مع إيران" التي تأمل برفع كامل للعقوبات عنها، فيما عادت واشنطن إلى الإصرار على ربطها بموضوعي البرنامج الصاروخي لإيران، ودورها الإقليمي المزعزع للاستقرار، وشددت الخارجية على أن "كل العقوبات المفروضة تبقى قائمة ما لم يتم رفعها بناء على عملية دبلوماسية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

توّج كل ذلك إعلان الحكومة الإيرانية الثلاثاء 20 يوليو أن مجلس الأمن القومي رفض مسودة الاتفاق التي تم التفاوض عليها في فيينا، كما ترافق مع تأكيد طهران أن إدارة بايدن "قررت ربط تبادل السجناء بملف الاتفاق النووي، وهذا القرار غير مقبول وغير ضروري" بعد سجال بين الجانبين نفت خلاله واشنطن أن يكون جرى اتفاق على التبادل.

ووفق تقارير دبلوماسية واردة إلى بيروت، فإن الجانب الأميركي عاد إلى التشدد نظراً إلى أن خطوات حسن النية التي اتخذها لم تنفع في تعديل نهج حكام طهران، فعلى الرغم من رفع العقوبات عن 16 شخصية إيرانية، ورفع اسم ميليشيا الحوثيين في اليمن عن لائحة الإرهاب بعد تصنيفها كذلك من إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب، فإن طهران لم تبادل إدارة بايدن بالمثل، بل على العكس صعدت الموقف في اليمن بالهجوم على مأرب، ورفض الحوثيون مبادرة السلام السعودية، ورفضوا التفاوض مع المبعوث الدولي مارتن غريفيث على خطة للحل السياسي.

كما أن الإدارة الديمقراطية في واشنطن تعرضت لحملة من الحزب الجمهوري تتهمها بالتهاون مع طهران، بينما أبدى الحلفاء التقليديون من العرب لأميركا انزعاجهم من خطوات الانفتاح على إيران من دون الحصول على مقابل لليونة التي أظهرتها السعودية للانخراط الجدي في الحلول السياسية، وركز الجمهوريون في انتقاداتهم لإدارة بايدن على أنها تجعل أميركا ضعيفة في العالم وتكرر أخطاء الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بالتساهل مع إيران.

لا تبدي طهران استعداداً للتنازلات بعد رفعها القدرة على تخصيب اليورانيوم إلى 60 في المئة، قبل تولي الرئيس المنتخب إبراهيم رئيسي مهماته في 3 أغسطس (آب) المقبل، وإنهاء تشكيل حكومته وفريقه في سبتمبر (أيلول) المقبل. وفي وقت كان الافتراض بأن إدارة بايدن لن تنجز الاتفاق في فيينا مع الرئيس حسن روحاني، كي تضمن التزام الرئيس الجديد به، فإن طهران بدورها تفضل أن تكون أولى إنجازات الرئيس الجديد الذي هو خيار المرشد علي خامنئي، رفع العقوبات عن البلد، بحيث يبدأ الوضع الاقتصادي في التحسن مع توليه مهماته، وهذا ما دفع بعض المحللين في بيروت إلى التكهن بأن "حزب الله" سيبقي على تشكيل حكومة لبنان مؤجلاً إلى شهر سبتمبر المقبل، رداً على ممارسة واشنطن وباريس ضغوطاً كبيرة على حليفه عون لتشكيلها خلال الأسبوعين الماضيين.

كل هذه العوامل تعيد الساحة اللبنانية إلى مربع تمسك إيران بأوراقه، وتفسر بحسب خصوم "حزب الله" في لبنان عدم الاكتراث بتدهور الوضع فيه، في وقت تخوض طهران معركة رفض التفاوض على نفوذها الإقليمي في فيينا.

المزيد من تقارير