البحر بتاريخه الجغرافي والسياسي ... على مشرحة الفلسفة الغربية

كتاب المفكر الألماني غونتر شولتس في ترجمة عربية

البحر كما ينظر اليه الفلاسفة (ويكبيديا)

البحر بوصفه مجالاً حيوياً وحيزاً للإقتصاد والثقافة، هو محور نشاط دار "مار" للنشر الألمانية، وهو يشمل الأفلام التسجيلية والمطبوعات، ومن أحدثها كتاب "فلسفة البحر" لغونتر شولتس (1941)، وهو أستاذ للفلسفة في جامعة الرور- بوخوم (ألمانيا) سابقاً وتتناول مؤلفاته نظرية العلوم الإنسانية و فلسفة التاريخ والدين والفن، ويتمحور عمله حول تاريح المفاهيم. وأخيراً صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب عن مكتبة "تنمية" في القاهرة بتوقيع شريف الصيفي. ويستهل الصيفي تقديمه للترجمة باقتباس من أحد أعمال أبو حامد الغزالي (1058- 1111م) جاء فيه: "إلى متى تطوف على ساحل البحر مغمضاً عينيك عن غرائبها؟ وما كان لك أن تركب مُتن لجتها لتبصر عجائبها؟ وتسافر إلى جزائرها لاجتناء أطايبها؟ وتغوص في عمقها لنيل جواهرها؟". ويرى الصيفي أن هذا الكتاب "الجميل"، "يعيبه أنه حصر موضوعه (البحر) في الفلسفة الغربية فقط، وكأن لا فلسفة خارج العقل الغربي، عملاً بنصيحة الفيلسوف هيغل الذي كان – مع الأسف- مسكوناً بعقيدة المركزية الأوروبية والاستعلاء الغربي التي ترى أن كل ما هو شرقي يجب استبعاده من تاريخ الفلسفة".

والحقيقة أن للعرب جهوداً في هذا المضمار لا تُنكَر، بما في ذلك جهود الغزالي نفسه صاحب كتاب "تهافت الفلاسفة". الغرب نفسه يقر بهذه الحقيقة ويقدرها، فضلاً عن تقديره جهود العرب في مجال الاستكشاف البحري الذي مهَّد لنهضة أوروبا بعد طول سُبَات، والمثل الشهير هنا يجسده أحمد بن ماجد الذي عاش في القرن الخامس عشر الميلادي وينسب إليه اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، كما يرجع إليه الفضل في إرساء قواعد الملاحة للعالم، وبقيت آراؤه وأفكاره في مجال الملاحة سائدة لزمن طويل في كل من البحر الأحمر والخليج العربي وبحر الصين.

وبحسب المترجم تظل لكتاب "فلسفة البحر" جاذبيته، "فهو يأخذنا في رحلة سريعة شائقة في تاريخ الفلسفة، بالإضافة إلى الجاذبية الخاصة لموضوع الرحلة (البحر)...  يتناول الكتاب جزءاً من التاريخ الثقافي والاجتماعي والسياسي للمواطن الألماني، لذا كان تدخل المترجم واجباً لإضافة المزيد من المعلومات والتعريفات في الهوامش بشأن هذه التفاصيل، وهو وضع في الهوامش ما تيسَّر من الترجمات العربية للمصادر الأوروبية التي اقتبس منها المؤلف نصوصه الفلسفية، أو تلك التي ذُكرَت في سياق النص.

وفي مدخل الكتاب أوضح المؤلف أن ما يطلق عليه هنا "فلسفة البحر" ليس فلسفة جديدة، أو فرعاً من فلسفة الطبيعة، تتموضع بجوار فلسفة الروح والدين والفن... ، بل هي نقيض الفلسفة العامة تماماً، بما أنها تتمحور حول سؤال أساسي، سؤال بشأن علاقة التفكير الفلسفي بالبحر، وهذا له ميزة، إذ يمكن المرء من استخدام شيء واضح دليلاً للسير عبر التضاريس الجافة للمفاهيم.

ويخلص المؤلف إلى أن الفلسفة القديمة كانت على علاقة مختلفة تماماً مع البحر، وهذا ينم عن فهمهم للنظرية بوصفها رؤية فكرية للكون منفصلة تماماً عن كل التطبيقات التقنية، وكانت شكلاً من أشكال السعادة والفضيلة، وكانت مهمة لتسيير المعيشة. ويضيف: "للبحر هنا – بفائدته ومخاطره على الإنسان- مكانته الثابتة في الطبيعة، التي يمكن توصيفها بالحيوية... لكن الفلسفة الحديثة أيضاً لم تُعِد البحر كياناً ميتاً أو مجرد مادة نافعة، بل دوماً عُدَّ أن بداخله منبعَ كلِ حياةٍ وأصلَها، وليس أقلها نشأة الأخلاقيات البيولوجية، والموقف الرافض ضد التدمير المتنامي لطبيعة البحر".

التعايش بين اليابسة والماء

يتألف الكتاب من 296 صفحة ويبدأ بمدخل عنوانه "إبحار في الفلسفة"، تليه سبعة فصول: "الماء بوصفه مبدأً أساسياً، أطلانتس القديمة والحديثة، حرية البحار، النظرية والبحر، مرأى السمو، مرآة الروح والوجود، البحر وتاريخ العالم"، ثم خاتمة بعنوان "استعراض مختصر للرحلة". ويعرض المؤلف لكثير من الآراء الفلسفية القديمة والحديثة المتعلقة بالبحر، ويحللها ويعلق عليها، منها قول يوهان غوتفريد هردر (1744- 1803): "كلما تنوَّع الأساسُ الطبيعي عبر التعايش بين اليابسة والماء، كان عالمُ الإنسان أكثر تنوعاً". فعلى سبيل المثل - يقول المؤلف - تفتقد مساحات شاسعة من قارة آسيا وجود بحار فاصلة، لذا تأثرت الدول هناك بعضها ببعض وأصبحت تبدو في مستوى ثقافي مماثل، فيما وُجدت اختلافات كبيرة في أنماط الحياة وثقافات الشعوب التي تعيش حول البحر الأحمر الصغير. بالنسبة إلى هردر - يضيف المؤلف - يعد ذلك أيضاً مفتاحاً لفهم التنوع الثقافي في أوروبا: وضع التنوع الجغرافي حدوداً طبيعية حول البحر الأبيض المتوسط من خلال سلاسل الجبال والأنهار والجزر والخلجان والألسنة البحرية. ويستطرد موضحاً أن "القوميات التي جاءت من الشرق والتقت هنا (في أوروبا) يمكنها أن تكون مع بعضها أو منفصلة، يؤثرون في بعضهم ويتعايشون في سلام، فقد أصبح هذا الجزء الصغير والمنقسم من العالم سوقاً وحشدا لجميع الشعوب على نطاق صغير". إن خليط الشعوب والثقافات المختلفة هذا يفسر نشوء أوروبا: البحر الأبيض المتوسط هو الوحيد المحدد لكامل أوروبا، حتى يمكن القول إن هذا البحر وحده هو الذي أتاح الانتقال والاستمرار لكل الثقافات في العالمين القديم والوسيط. بينما يبدو بحر البلطيق متخلفاً؛ لكونه يقع في أقصى الشمال بين قوميات صلبة وأرض قاحلة كحال شارع جانبي في السوق العالمية. لكنه أيضاً عينٌ لكل شمال أوروبا. فمن دون بحر البلطيق كانت ستكون البلدان المجاورة له بربرية وباردة وغير قابلة للسكنى. الأمر نفسه مع خليج بسكايا الواقع بين إسبانيا وفرنسا، ومع قنال المانش الواقعة بين هذا الخليج وإنكلترا، ومع تكوين إنكلترا وإيطاليا واليونان القديمة، بات مدخلاً بحرياً، ومن ثم مضت أقدار شعوبها في مسار آخر. وهكذا أسهمت الطبيعة متعددة الأوجه للقارة الأوروبية في تطور الإنسانية، كما أسهم الدين المسيحي "بالتأكيد"، بحسب هِردر، في تماسك هذه الشعوب، لكن الشروط الطبيعية أمَّنت التنوع الثقافي أيضاً. من أين- على سبيل المثال- للقبائل اليونانية هذه اللغة والأشعار والحكمة المثيرة للإعجاب؟ يجيب هردر: "لقد وهبتهم عبقرية الطبيعة أرضَهم ونمطَ حياتهم وعصرهم وشخصية أسلافهم. ويحدد هردر ثلاثة عناصر للتطور: شخصية كل شعب والطبيعة الخارجية والعصر، أي الوضع العالمي العام.

أما ألبير كامو (1913- 1960) ففي ظل تأمله فلسفة البحر المتوسط بالذات، رأى أن الكفاح الماركسي من أجل القفزة الأخيرة للبشرية نحو الحرية الشيوعية سوف يجلب كوارث جديدة، لذلك دعا إلى العصيان المعتدل ضد كل ظلم، وطالب بالتمرد بديلاً عن الثورة. الفلسفة التي تحافظ على الاعتدال وترفض الاجبار والالتزام بمبدأ ونظام وحيد أسماه كامو "فكر البحر الأبيض المتوسط"، وهو بذلك يتعارض مع الماركسية العقائدية التي يمثلها الحزب الشيوعي، وجان بول سارتر (1905- 1980).

ويلاحظ المؤبف أن رحلات رواد التجارة البحرية الاستكشافية من البرتغاليين والإسبان (وماذا عن العرب؟) غيَّرت صورة العالم بالكامل: "عرف الإنسان أن الأرض كروية، أي إنها مغلَقة بالنسبة إليه"، وكان ذلك مكسباً بحسب هيغل (1770- 1831)؛ لأن الأرض أصبحت معروفة ككل للإنسان ولم تعد حدودا تقود إلى المجهول والرعب. ومن ثم كان الانتقال إلى العصر الحديث بالنسبة إلى هيغل بمنزلة خطوة تقدمية كبيرة أخرى.

بالنسبة إلى شبنغلر (1880- 1936) لم يطبع البحر الحضارة القديمة بطابعه ولم يؤثر في أوروبا. شبنغلر يرى كذلك أن ليست هناك أهمية تذكر للبحر المتوسط في حضارة أوروبا! ورأى كورت بوكمان أن البر والبحر قطبان متناقضان ينتجان أنماطاً ثقافية متباينة. كي يمكن وصف "مملكة البحر الثقافية" في هذا المجال المتوتر، فرَّق كارل ريتر بين أربعة محفزات، بها يدفع البحر البشر إلى تطوير الأنماط الثقافية الأساسية: يسمح البحر بالصيد أي أنه عامل اقتصادي بالنسبة إلى سكان السواحل. يطرح البحر ذاته بوصفه ممراً ملاحياً، وهكذا تنشأ التجارة البحرية. من الممكن استخدام البحر كعامل قوة، على رغم أن هذه القوة قد تختفي وراء أهداف أخرى، ومن ثم فالأمر هنا يخص السياسة. يصبح البحر تجربة الإنسان الخاصة، وبذلك فهو مصدر لأنماط محددة من الفن والمعرفة والدين. ويستنتج بوكمان مما تقدم أن تلك المحفزات هي درجات ولا يمكن فصلها عن بعضها تماماً. ويرى أن تمايز الأوجه مفيد ويوضح في الوقت نفسه كيف أن الوضع قد تغيَّر الآن، إذ أصبح البحر مورداً للمواد الخام. وعند كاب فإن البحر بوصفه فقط خادماً للمصالح الاقتصادية، يشارك الآن في انحطاط أوروبا... وعلى حد قوله أيضاً فإن البحر الذي كان خالقاً للحضارة أصبح لعنة. ويذهب بوكمان إلى أنه يوجد فقط ثلاث مناطق ثقافية عالمية قادرة على مواصلة الحياة، وهي أمريكا والصين وروسيا، وإذا ما أرادت ألمانيا أن تؤمن وجودها، فعليها أن ترتبط بروسيا العظمى، وألا يكون لها علاقة بالغرب المتدهور.

المزيد من ثقافة