Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

احتجاجات الأهواز بين الاعتراف بالحقوق والتعامل الأمني

وظف النظام ما يجري في إطار الصراعات الداخلية وتحميل حكومة روحاني المسؤولية نتيجة فشلها في إدارة البلاد

لم يكن الكلام الذي قاله المرشد الأعلى للنظام الإيراني عام 2012 حول المسوغات الاستراتيجية للتدخل المباشر في الأزمة السورية، وحشد وحدات من قوة القدس الذراع الخارجية لقوات حرس الثورة الإيرانية وحلفائها من لبنان والعراق وأفغانستان وباكستان للقتال إلى جانب الجيش السوري ضد قوى المعارضة، قبل أن تغلب عليها لاحقاً صفة جبهة "النصرة" وفيما بعد تنظيم "داعش"، لم يكن هذا الكلام ينطلق من فراغ، عندما قارن أهمية الدفاع عن سوريا ونظامها وعاصمته دمشق بأهمية محافظة خوزستان (الأهواز) عندما قال إن "إيران قادرة على استعادة خوزستان في حال احتلها الأعداء، لكنها ستكون مجبرة على الدفاع عن طهران في حال سقطت دمشق".

اختيار المرشد هذا الإقليم لم يكن من منطلق التعبير عن سقوط أو احتلال منطقة من إيران لا على التعيين، بل من منطلق الأهمية الاستراتيجية لهذه المحافظة والإقليم سياسياً واقتصادياً، لناحية ما يختزنه من قدرات زراعية ومائية، إلى جانب حقول النفط التي تشكّل الشريان الرئيس والأساس للاقتصاد الإيراني والعصب المالي للنظام والدولة.

وعلى الرغم من الأهمية التي يتمتع بها هذا الإقليم بالنسبة إلى الحكومة المركزية في طهران سواء في العهد الملكي منذ أيام رضا شاه مروراً بمرحلة حكم ابنه محمد رضا، وصولاً إلى مرحلة الثورة الإسلامية ونظامها، لما يوفره من مصادر مالية من عائدات النفط وصناعته، إضافة إلى السلة الغذائية التي يرفد بها باقي المحافظات، فإن تعامل السلطة المركزية إن كان في العهد الملكي أو النظام الإسلامي استمر على حاله من السلبية والإهمال والتعامل الأمني والاستخباراتي مع أي مطالب يرفعها السكان الأصليون العرب للحصول على حقوقهم الأساسية أو حتى الدستورية. وهي حقوق ضمنها الدستور بشكل مباشر وصريح في مادته الخامسة عشرة (15) التي تقول إن "اللغة والكتابة الرسمية والمشتركة لشعب إيران هي الفارسية. ويجب أن تكون الوثائق والمراسلات والنصوص الرسمية والكتب الدراسية بهذه اللغة والكتابة، لكن يجوز استعمال اللغات المحلية والقومية الأخرى في مجال الصحافة ووسائل الإعلام العامة، وتدريس آدابها في المدارس إلى جانب اللغة الفارسية"، وإن بشكل غير مباشر بناء على ما جاء في المادة التالية (16) التي تؤكد "بما أن لغة القرآن والعلوم والمعارف الإسلامية هي العربية، وأن الأدب الفارسي ممتزج معها بشكل شامل، يجب تدريس هذه اللغة بعد المرحلة الابتدائية حتى نهاية المرحلة الثانوية في جميع الصفوف والاختصاصات الدراسية".

أي أن العرب مع أنهم أقلية إثنية قومية من الإثنيات التي تعيش في إيران، لم يُتعامل معهم ومع الإثنيات الأخرى منذ بداية الثورة والنظام الإسلامي طبقاً لما جاء في الدستور، مع استثناء واحد حصل أخيراً في بداية الألفية الثالثة، ومن باب قطع الطريق على التهديدات الكامنة التي بدأت تظهر وسط الإثنية الأذرية أو القومية التركية، إذ سمح لهم بهامش من الحرية في تطبيق المادة 15 من الدستور، في حين أن التعامل الأمني كان السمة التي استمرت كمنطلق للتعامل مع الإثنية العربية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولعل أحداث مايو (أيار) 1979 التي شهدتها مدينة المحمرة (خورمشهر) في عهد الأدميرال أحمد مدني، الذي عينه رئيس الحكومة المؤقتة مهدي بارزكان محافظاً للإقليم تشكل مؤشراً واضحاً على البعد الأمني في تعامل حكومة المركز مع مطالب المناطق العربية وأهلها، وعوضاً عن الإنصات إلى الهواجس العربية في الأهواز، كان اللجوء إلى التعامل الأمني والعسكري هو الرد، وأدى حينها إلى سقوط عشرات الضحايا العرب في المحمرة (خورمشهر) جراء العملية العسكرية التي قادها مدني بمساندة قوات من خارج المحافظة، للقضاء على الحركة الاحتجاجية التي اندلعت مطالبة بالحقوق التي سبق أن قدمتها، وأعلنتها قيادة الثورة بعد الانتصار. إلى درجة أن هذه القيادة رفضت التعامل بإيجابية مع مطلب أساسي ينطلق من حق أبناء هذه المحافظة في الحصول على جزء من عائدات النفط وتوظيفها في إنماء مناطقهم اقتصادياً واجتماعياً، إلى حد اعتقال الشخص الذي تصدى لإيصال هذه المطالب إلى زعيم الثورة في طهران، أي محمد طاهر شبير الخاقاني، وفرض الإقامة الجبرية عليه ونقله من الأهواز إلى مدينة قم.

إصرار الحكومة المركزية على التعامل الأمني مع مطالب محافظات الأطراف، خصوصاً المحافظات التي تعيش فيها إثنيات قومية ومذهبية، وإهمال مطالبها لصالح السلطة المركزية، وسياسات التغيير الديموغرافي التي اعتمدت بشكل غير علني في محافظة خوزستان، كانت السبب في اندلاع حركات احتجاجية أخرى عامي 2005 و2011 وحدوث صدامات دموية أدت إلى سقوط ضحايا في صفوف أبناء الإقليم العرب. خصوصاً أن النظام في المركز لجأ إلى تضخيم مطالب بعض الجهات العربية الحزبية التي ترفع شعار الانفصال كذريعة للتعامل الأمني مع أي حركة اعتراضية من بوابة التصدي للحركات الانفصالية، التي جاءت على حساب الأصوات والأحزاب المطالبة بتطبيق الدستور والحقوق الدستورية والمدنية والقانونية لأهالي هذه المحافظة كمدخل للتغيير، وهي الجهات التي دفعت الثمن الأكبر في هذه المواجهة، من منطلق أن المطالب الانفصالية خدمت استراتيجية النظام في رفع مستوى القمع دفاعاً عن المصالح الوطنية ووحدة الأراضي الإيرانية.

وإذا ما كان النفط يشكّل الشريان الرئيس للاقتصاد الإيراني والنظام، فإن الماء أيضاً هو الشريان الثاني الذي تعتمد عليه السياسات الاقتصادية لمواجهة العقوبات المفروضة على النظام، وتعتبر الأهواز الخزان المائي الأكبر الذي يغذي عديداً من المحافظات الإيرانية في الداخل، خصوصاً نهر كارون الذي يصل إلى مدينة أصفهان التي تتباهى بالنهر الذي يشق المدينة ويعطيها طابعاً سياحياً واقتصادياً، فضلاً عما تسهم فيه أنهر هذه المحافظة في إنتاج الطاقة الكهربائية من السدود العديدة التي بنيت عليها، والتي يتباهى النظام بأنه استطاع بناء واحد من أكبر سدود الشرق الأوسط "سد كرخه" على نهر كارون، من دون أن يتوقف عند الأضرار التي تسبب بها للمساحات الزراعية الواسعة في هذه المحافظة التي تشكل مصدراً اقتصادياً أساسياً لأبنائها، فضلاً عما أسهم فيه من زيادة منسوب الجفاف، ما جعل المحافظة تتعرض لموجات سنوية من عواصف الغبار والرمال، فضلاً عن الجفاف الذي ضرب مناطق الأهوار فيها، مثل هور العظيم وقضى على الثروة السمكية فيها، إلى جانب تهديد الثروة الحيوانية، التي يعتمد كثير من السكان عليها كمصدر لتأمين مصادر الحياة.

انفجار الاحتجاجات المطلبية لأبناء الأهواز العرب، تحديداً نتيجة السياسات المائية غير المدروسة وغير المتوازنة التي تراكمت على مدى العقود الأخيرة، تعامل معها النظام من منطلق أمني محض، وتوظيف في إطار الصراعات الداخلية، ومحاولة تحميل حكومة الرئيس روحاني المسؤولية نتيجة فشلها في إدارة البلاد. والعلاجات السريعة التي لجأ إليها النظام واستنفار بعض المؤسسات للحد من تفاقم الأمور، لم يأت منفصلاً عن التعامل الأمني، الذي تمظهر باستقدام قوات أمنية وعسكرية، لقمع الاحتجاجات بالقوة، ما أدى إلى حصول مواجهات وسقوط ضحايا تحاول أجهزة النظام التنصل من المسؤولية عنها، وإلقاء التهمة على جماعات مسلحة من أبناء المنطقة يعملون في إطار أجندات خارجية لأعداء النظام بهدف إشعال اضطرابات لإسقاط النظام.

التعامل الأمني مع احتجاجات الأهوازيين لم يأتِ من خارج السياق، الذي بدأ النظام الاستعداد له مع تفاقم أزمة انقطاع التيار الكهربائي في عديد من المدن والمحافظات الإيرانية، إذ عمدت دائرة التوجيه السياسي والعقائدي في مؤسسة حرس الثورة إلى التحذير من موجة اعتراضات واحتجاجات جديدة قد تحدث في المدن والمحافظات الإيرانية، ولم تنسَ هذه الدائرة توجيه تهمة التقصير إلى حكومة روحاني. ودعت في الوقت نفسه إلى ضرورة التعامل الصحيح والنفسي مع المعترضين من جهة، والتنبه لإمكانية نفوذ الأعداء والأيادي الخفية التي حركت الاعتراضات من جهة ثانية، وأن هؤلاء الأعداء قد يكونون ممن يرفعون شعارات موالية للنظام، خصوصاً أن الاعتراضات الأخيرة، وحسب رأي هذه الدائرة، استخدمت لإضعاف النظام، وهذا قد يستدعي التعامل الحازم مع المعترضين والمسؤولين على حد سواء، بتحميلهم الجزء الأكبر من المسؤولية نتيجة تقصيرهم في المعالجات.

ويزداد هذا التحدي أمام النظام، نتيجة أن هذه الاعتراضات تأتي في المرحلة الانتقالية التي من المفترض أن تمهد الأرضية للحكومة الجديدة بقيادة الرئيس الجديد إبراهيم رئيسي لأداء مهماتها، الأمر الذي يوجب على الجهات المعنية عدم السماح بتحويل هذه الاعتراضات إلى مصدر تهديد للأمن القومي الذي يشكّل "هدفاً للأعداء"، وبالتالي تهديد النجاحات التي يكمن أن تحققها الحكومة الجديدة "الثورية".

المزيد من تحلیل