Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فيلم "تيتان" العنيف يحصد السعفة في كان نتيجة مساومات

الجائزة الكبرى تقاسمها الإيراني فرهادي والفنلندي كوسمانن رغم تناقضهما

من الفيلم الفرنسي "تيتان" الفائز بالسعفة الذهبية (الخدمة الإعلامية في المهرجان)

خلافاً لما توقّعه النقاد، نالت المخرجة الفرنسية جوليا دوكورنو "سعفة" مهرجان كان السينمائي (6 - 17 تموز) عن فيلمها الجدلي "تيتان"، لتصبح ثاني سيدة تنالها بعد الأسترالية جاين كامبيون ("البيانو" - 1993) طوال تاريخ المهرجان. دوكورنو نالت جائزتها من لجنة تحكيم متنوعة ترأسها المخرج الأميركي سبايك لي ("أوباما كان" كما سمّاه صحافي أفريقي) الذي أخطأ في بداية الحفل وكشف عن عنوان الفيلم الفائز، لكن كثراً لم ينتبهوا لحسن الحظ، ثم عاد واعتذر عن هذا الخطأ في المؤتمر الصحافي، إذ تبيّن لنا أن "السعفة" جاءت نتيجة مساومات بين أعضاء اللجنة، وقد توصلوا إلى هذا القرار بعد سجالات، لكن دائماً في إطار احترام رأي الآخر. وقال سبايك لي إن في تاريخ كان وقعت سجالات أكثر حدة من هذه لاختيار الجوائز، معترفاً وهو يمازح بأنه صوّت لـ"تيتان" لأنه يرى للمرة الأولى فيلماً تحمل فيه امرأة من سيارة كاديلاك، في إشارة إلى المشهد الذي تمارس فيه بطلة الفيلم الجنس مع سيارة، ثم نراها وانتفخ بطنها لتضع مولوداً في نهاية الفيلم.

عادت "السعفة" إلى فرنسا بعد ستة أعوام منذ أن فاز بها جاك أوديار عن فيلمه "ديبان". يجب القول بلا لفّ ودوران إن "تيتان" فيلم صادم، قاسٍ، دموي، جارج، مختلف عن كل ما تسنّت لنا مشاهدته في كان على مدار 12 يوماً من الغرق في عالم الفن السابع. وفوزه هو فوز للاختلاف. خلال العروض، البعض شعر بالغثيان، والبعض الآخر غادر الصالة مستهجناً. ونقلت تقارير أن عناصر من الإسعاف كانوا أمام الصالة تحسّباً لأي طارئ. فالفيلم يمعن في مشاهد تقطيع الجسد وإيذاء الذات وولادة وقتل بطرق شنيعة. كل هذا صوّرته دوكورنو بطريقة فجّة لا تساوم، مع التذكير أن فيلمها السابق Grave تجاوز هذا الفيلم عنفاً، لكونه يتحدّث عن الكانيبالية من خلال فتاة نباتية تلتحق بكلية الطب البيطري وهناك يتبلور لديها حب مرضي باللحوم. الفيلم أحدث جدلاً كبيراً عام 2017 لتضمّنه مشاهد صادمة يصعب لذوي القلوب الحساسة تحملها.  

الفيلم والعيوب

دوكورنو كانت هذا العام أصغر المشاركات في المسابقة (24 فيلماً)، فهي تبلغ السابعة والثلاثين من العمر، وفي سجلها فيلمان روائيان طويلان. وهي تتسلّم الجائزة، قالت إن فيلمها "ليس متكاملاً وتعرف أخطاءه ولا يوجد أصلاً فيلم مثالي". وأضافت: "نحن المخرجين من شدة ما نعيد مشاهدة أفلامنا، لا نرى فيها إلا العيوب. لا أرى في فيلمي هذا إلا العيوب. هذا لا يمنعني من أن أحبه". 

هذه من المرات النادرة التي تُسند فيها "سعفة" إلى "سينما النوع" ("جانر"). هذه السينما هي عادةً غير معتبرة، تسحقها سينما القضايا السياسية الكبيرة التي توحي بأنها سينما درجة أولى، فيما كل شيء سواها يأتي في المقام الثاني. يمكن سرد قصة الفيلم للقارئ من زوايا مختلفة، إحداها القول إنه يتعقّب براديكالية شديدة قاتلة (أغات روسيل) تحاول الهرب من الشرطة بعد ارتكابها مجازر عدة، قبل أن يتم يُلقى القبض عليها. لكن بدلاً من أن تُزج في السجن، تنضم إلى رجال الإطفاء.    

عن اتهام البعض للجنة التحكيم بأنها أعطتها الجائزة لكونها سيدة في إطار سياسة تمكين المرأة، كان رد دوكورنو بأنها تتأمل بأنها فازت بها لقيمتها الفنية لا للجنس الذي تنتمي إليه، مشددة على أن الجنس لا يحددها لا كإنسانة ولا كسينمائية. "أنا أكثر من مجرد جنس"، قالت معترفة بأنها فكرت كثيراً  في جاين كامبيون وهي تتسلّم جائزتها. 

"الجائزة الكبرى" استحقّها "قهرمان" لأصغر فرهادي. والجائزة تشاركها مع فيلم آخر "مقطورة رقم 6" أخرجه الفنلندي يوهو كوسمانن. عندما اعتلى كلاهما خشبة مسرح "لوميير" لاستلام الجائزة، تعانقا في مشهد مؤثر يسقط الاختلافات البشرية من على أهم منبر سينمائي في العالم. من خلال فيلم جميل عن المعضلة الأخلاقية، صوّر فرهادي مصير سجين يحاول الخروج إلى الحرية عبر تسديد الدين الذي سُجن بسببه، ولكنه يفشل بسبب تطورات تعاكسه. براعة فرهادي في سرد الحكاية، خطفت قلب لجنة التحكيم، فكانت له هذه الجائزة، علماً أن فرهادي يبدو كأنه يمشي على خطى المخرج اليوناني الراحل ثيو أنغلوبولوس في عدد المرات التي توقعنا له "السعفة" ولم ينَلها. يبقى أن "الجائزة الكبرى" هي أهم ثاني جائزة بعد "السعفة". 

في لقائه مع الصحافة بعد الفوز، روى فرهادي أنه أنجز أول فيلم قصير له قبل 36 عاماً (من دون أي إمكانات) ومن يومها لم يفعل شيئاً في حياته سوى رواية القصص، على الرغم من كل الصعوبات التي تعرّض لها. أكمل الطريق لأنه يودّ إثارة الأسئلة في المجتمع الإيراني، لتحسين الأمور وإنقاذ بلده والمساهمة في صحوة الضمير. أما عن أسلوبه في سرد الحكايات الذي بات علامة مسجلة، فكشف عن أنه "عملية غير واعية" وأكد (معتذراً إذا بدا الأمر كليشيه بعض الشيء) أن التأليف السينمائي عنده يأتي من القلب، وعندما يتجسّد، عليه جعله متناغماً. صرح بأنه يروي دائماً بالأسلوب ذاته الذي لا فكاك منه على الرغم من سعيه لذلك، إلا أنه يحاول في كل مرة أن يدخله من باب جديد. 

محاولة توريط

إحدى الصحافيات الإيرانيات المعارضات حاولت "توريط" فرهادي في تسجيل موقف سياسي، على الرغم من أنه معروف بعدم خوضه في السياسة بكلام مباشر. سألته عن رأيه في إعدام إيرانيين أخيراً كانا شاركا في احتجاجات ضد النظام، وعمّا إذا كان من الممكن أن تشكّل هذه القصة مادة لفيلم مقبل له، فردّ فرهادي أنه لا يستطيع رواية حكايات كهذه إذا لم تحدث في سياق من الحرية، وهذا لا يتوافر حالياً، وأنهى جملته بالقول: "لن أقول أكثر من هذا". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

على الرغم من أن برنامج هذا العام انطوى على مرشحين أفضل منه، فلجنة التحكيم ارتأت إعطاء جائزة الإخراج إلى الفرنسي الكبير ليوس كاراكس الذي لم ينجز مع "أنيت" أفضل أعماله، بل كان مخيباً بعض الشيء، على الرغم من الابتكارات والأفكار التي يعجّ بها. تغيّب كاراكس عن الأمسية لسبب صحي، وتسلّم الجائزة عنه مغنيا فرقة سباركس، فرويا كيف تعرّفا إلى كاراكس وعملا معه. أما الفيلم الياباني "قُد سيارتي" لهاماغوتشي روسوكي، المقتبس من قصة لهاروكي موراكامي الذي رشحه النقاد لـ"السعفة" ونال أعلى علامة في تقييماتهم المنشورة في مجلة "سكرين"، فاكتفى بجائزة السيناريو. 

جائزة لجنة التحكيم تقاسمها الإسرائيلي ناداف لابيد عن "ركبة عهد" والتايلاندي أبيشاتبونغ ويراسيتاكول عن "ميموريا". ومن ضمن الخيارات الصائبة التي قامت بها لجنة التحكيم ردّ الاعتبار إلى الممثلة النرويجية الشابة رينات رينسفي (33 سنة) التي أبدعت في "أسوأ إنسان في العالم" ليواكيم ترير، عبر منحها جائزة التمثيل، على الرغم من أن ديلان بن كانت أيضاً تستحقها عن أدائها الباهر في "يوم العَلَم" لوالدها شون بن. أما جائزة أفضل ممثل، فلم تكُن من نصيب أندره دوسولييه الذي قدّم دوراً استثنائياً في "كل شيء كان جيداً" لفرنسوا أوزون. اللجنة فضّلت عليه الممثل الأسترالي كيلب لاندري جونز عن دوره في "نيترام" لجاستن كرز.

أخيراً، يمكن الجزم أن هذه الدورة من مهرجان كان السينمائي التي حملت الرقم 74، تاريخية لن تُنسى، كما أكد سبايك لي، لحدوثها في ظل تفشي جائحة كورونا وإجراءات الوقاية. على الرغم من التحديات، كان كل شيء منظماً ولم تسجّل مشكلات تُذكر. ربح المنظمون الرهان، الأمر الذي سيشجّع الكثير من التظاهرات الأخرى مستقبلاً على عدم الإذعان للظروف بل إيجاد الحيل المناسبة للتغلب عليها. فمهرجان كان هذا العام أعطى درساً في كيفية التطبع والتكيف مع الأوضاع، انتصاراً للثقافة وحبّاً بفن الشاشة.  

المزيد من سينما