Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا بعد تخفيف ديون السودان؟

الخرطوم تسعى إلى إصلاحات بالغة التعقيد استهدفت معالجة الخلل الاقتصادي وسوء الإدارة

ديون السودان ألقت بتداعيات ثقيلة على المواطنين  (أ ف ب)

حكومة الفترة الانتقالية في السودان وضعت ملف الديون على قمة أولوياتها بعد رفع اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب، واستهدفت مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون لتخفيف عبء الديون الكبيرة التي ورثتها الحكومة، وهذه المبادرة لها مرحلتان، الأولى هي الوصول لنقطة القرار وهذا يتطلب أربعة شروط هي تصفية متأخرات الديون السيادية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبنك التنمية الأفريقي)، والثاني تحقيق سجل من الإصلاحات الاقتصادية، والثالث وضع استراتيجية للفقر، والرابع إيجاد آلية تفاهم مع الدائنين للديون التي لا يمكن حلها بالطرق التقليدية (المفاوضات).

خطة الحكومة لتحقيق هذه الشروط الأربعة كانت من مسارات عدة، الأول تصفية متأخرات الديون السيادية، ولجأت إلى التفاهمات مع كل من الولايات المتحدة لسداد دين البنك الدولي عبر قرض تجسيري قدمته الخزانة الأميركية في 26 مارس (آذار) 2021، وحصل السودان في مايو (أيار) 2021 على آخر من بريطانيا والسويد وإيرلندا لسداد دين بنك التنمية الأفريقي، وأخيرا تخلصت البلاد من دين صندوق الدولي عبر ثالث من فرنسا في يونيو (حزيران) 2021. وبهذا حقق السودان الشرط الأول في "مبادرة هيبك".

ولتحقيق الشرط الثاني المتمثل في بناء سجل الإصلاحات الاقتصادية استعانت الحكومة في هذا بالبرنامج الاقتصادي المراقب من قبل موظفي صندوق النقد، وشرعت في تنفيذه خلال يونيو 2020 لمعالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد التي نتجت من عقود من سوء الإدارة وغياب التخطيط السليم بهدف بناء سجل لاستيفاء شروط المبادرة، وتمت هذه الإصلاحات في ظرف بالغ التعقيد من التأثير الكبير لجائحة كورونا والتأثيرات الاجتماعية للإصلاحات الاقتصادية، مما زاد الأوضاع الاقتصادية صعوبة على السودانيين خلال النصف الثاني من 2020، ودفعوا فاتورة الإصلاح الذي يهدف إلى تصحيح مسار اقتصاد بلادهم.

 في الإطار نفسه، أقرت الحكومة في آخر اجتماع مغلق سياسة تقشف لتتحمل فاتورة الإصلاح مع شعبها، فطبقت حزمة من السياسات برفع الدعم عن الجازولين والبنزين، وتوحيد سعر الصرف وإلغاء ما يسمي بالدولار الجمركي، ووضعت استراتيجية الحد من الفقر (2021-2023) التي أجازها مجلس الوزراء السوداني في 11 مايو 2021، واشتملت على تحليل ملامح الفقر في السودان وأسباب الفقر من الصراع، وما يترتب عليه من عمليات نزوح داخلي وغيرها من المؤشرات، والشرط الرابع والأخير للوصول لنقطة القرار هو إيجاد آلية للتفاوض مع الدائنين في إطار مبادرة هيبك.

وفي 28 يونيو 2021 وصل السودان إلى نقطة القرار ضمن المبادرة، وأصبح الدولة رقم (39) ضمنها، ولم يكن الأمر بمحض الصدفة، بل عبر خطة واضحة وعمل مستمر وقرارات شجاعة اتخذتها الحكومة على الرغم من عدم شعبية هذه القرارات، ولكن أقدمت عليها لتحقيق هدف استراتيجي ومهم، وهو معالجة الاختلالات الهيكلية التي يعانيها الاقتصاد السوداني، والتخلص من عبء الديون الثقيلة وإعادة فتح الفرص أمامه للاستفادة من المنح والقروض الميسّرة بعد تصحيح المسار وإزالة التشوهات، لذلك فإن الوصول إلى نقطة القرار بنهاية يونيو 2021 مكسب كبير، سيتم البناء عليه في استكمال عملية الإصلاح وتحقيق أهدافها كافة.

شطب 14.1 مليار دولار من الديون

هنّأ نادي باريس في بيانه الصادر في 16 يوليو (تموز) الحالي السودان بتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، واعتماد استراتيجية خفض الفقر ووصوله إلى نقطة القرار في إطار مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون (هيبك). وأشار في بيانه إلى اتفاق بين ممثلي نادي باريس والحكومة السودانية على إعادة هيكلة الدين الخارجي للسودان، الذي تم اتخاذه اعتمادا على "شروط نابولي" لمعالجة المتأخرات، وهذه الشروط تم إقراراها في ديسمبر (كانون الأول) 1994 وهي تطوير لـ "شروط لندن"، وبذلك أصبح الحد الأدنى لتخفيف الديون هو 50 في المئة، ويمكن أن يرتفع إلى 67 في المئة كحد أقصى. وفي سبتمبر (أيلول) 1999 وافق الدائنون على أن جميع عمليات تخفيف الديون سينتج منها انخفاض مقداره 67 في المئة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وذكر بيان نادي باريس أن القرار تضمن "شروط كولونيا" التي أقرتها مجموعة نادي باريس في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، وهي أيضاً تطوير لآلية شطب وتخفيف الديون، ورفع السقف لشطب 90 في المئة من الدين للدول الفقيرة إذا لزم الأمر.

وفي بيان من وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، أشار إلى عزم الدائنين في نادي باريس الموافقة على إعفاء كامل ديون السودان بنسبة 100 في المئة عند وصول الخرطوم إلى نقطة إكمال الإنجاز ضمن مبادرة "هيبك". وأشار البيان إلى "أن إجمال ديون السودان المستحقة لدائني نادي باريس تبلغ 23.5 مليار دولار في ديسمبر 2020، بينما تبلغ الديون خارج النادي 29.9 مليار دولار. وتعد السعودية والكويت والإمارات والصين أكبر الدائنين خارج نادي باريس.

تخفيف وإعادة هيكلة الديون

" تعتمد مجموعة نادي باريس على أربع حزم لمعالجة تخفيف الديون، الأولى تستند إلى المعايير الأساسية، وتشترط أن يكون للدولة برنامج مع صندوق النقد الدولي وتحتاج إلى عملية إعفاء الديون، وهذه الحزمة تم تطبيقها على 60 دولة. والثانية مخصصة للدول متوسطة الدخل وتسمى "شروط هيوستن"، وتستند إليها لاستيفاء الجدارة والأهلية للاستفادة من هذه المعالجة بأن تكون المديونية مرتفعة فوق 50 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي والديون للصادرات تمثل 275 في المئة.

 أما الحزمة الثالثة فتتمثل في "شروط نابولي"، وهي التي تستخدم الآن لتخفيف عبء الديون عن السودان، وتشترط مديونية مرتفعة وأن تكون الدولة مؤهلة للحصول على تمويل من مؤسسات التمويل الدولية، ويكون نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أقل من 755 دولاراً، وتم تطبيقها على 33 دولة وهي مخصصة للدول الفقيرة المثقلة بالديون. أما الحزمة الرابعة فمخصصة للدول المؤهلة للاستفادة من مبادرة "هيبك" وتسمى "شروط كولونيا"، ولا بد من استيفائها لتخفيف أعباء الديون وتم تطبيق هذه الحزمة على 39 دولة.

النموذج الذي يستخدمه نادي باريس لتخفيف ديون السودان هو حزمتا "نابولي" و"كولونيا" اللتان يمكن أن يصل فيهما إلى إعفاء 90 في المئة من الديون، ويشترط لتنفيذهما الوصول إلى نقطتي القرار وإكمال الإنجاز، اللتين يتوقع بيان المجموعة الوصول إليهما في يونيو 2024.