Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نادي باريس يعفي السودان من 14 مليار دولار ديونا

يرى اقتصاديون أن البلاد بحاجة إلى قرض لدعم ميزان المدفوعات أو الحصول على وديعة في "المركزي"

الوفد السوداني برئاسة وزير المالية جبريل إبراهيم أثناء توقيعه في العاصمة باريس على اتفاق الإعفاء (اندبندنت عربية - حسن حامد)

قررت مجموعة دول نادي باريس الجمعة 16 يوليو (تموز) الحالي، إعفاء 14.1 مليار دولار ديوناً مستحقة على السودان من أصل 23.5 مليار دولار، وإعادة هيكلة المبلغ المتبقي من الدين البالغ 9.4 مليار دولار بفترة سماح حتى 2024.

وهنأ وزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم، من خلال حسابه في "فيسبوك"، الشعب السوداني على حصوله فعلياً على هذا الإعفاء من دين مجموعة دول نادي باريس، وإعادة جدولة باقي الدين إلى حين الوصول إلى نقطة الإكمال مع التوقف عن سداد خدمة الدين خلال هذه الفترة.

وبينما وصف هذا القرار بأنه بداية موفقة لها ما بعدها، أكد سعي بلاده للحصول على نتائج مماثلة أو أحسن منها مع الدول الدائنة خارج نادي باريس.

فيما حث رئيس نادي باريس، إيمانويل مولين، الدائنين الآخرين من القطاعين العام والخاص للسودان على تخفيف أعباء هذا البلد من ديونه بنفس الطريقة، لافتاً إلى أن ما قام به نادي باريس من جهد كبير يوضح دعم المجتمع الدولي الانتقال إلى الديمقراطية في السودان، ومساعدة هذه البلاد على الانخراط من جديد مع المجتمع المالي الدولي، ومواصلة سياسات الإصلاح ومكافحة الفقر.

خطوة ممتازة

في هذا السياق، يقول المحلل الاقتصادي محمد الناير، "في اعتقادي أن قرار مجموعة دول نادي باريس، بإعفاء جزء كبير من ديونها، يمثل خطوة ممتازة وكبيرة، بخاصة من ناحية تجاوبها بهذه السرعة، فضلاً عن أن هذا القرار شمل إعفاء مبلغ 14.1 مليار دولار من مجمل 23.5 مليار دولار، على أن تجري إعادة جدولة المبلغ المتبقي ليبدأ سداد أقساطه عام 2024، وهي جدولة مريحة للحكومة السودانية، ما يجعلها تُسدد من دون ضغوط بالنظر إلى فترة السماح المناسبة والمعقولة، وقد يكون هذا المبلغ (9.4 مليار دولار) قابلاً للإعفاء خلال المرحلة المقبلة".

وتابع الناير "إذا نظرنا إلى هذه الخطوة (إعفاء الدين) ومدى انعكاسها على الوضع الاقتصادي، نجد أنها لا تؤثر إيجاباً في الاقتصاد السوداني في المدى القصير، لكن قد تجعل البلاد مهيأة ومؤهلة لأن تحصل على إعفاء ديونها وفقاً لمبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون (هيبك)، وبالتالي فإن هذا القرار مهما يكن فهو قرار إيجابي من دون أدنى شك".

ويلفت إلى أن المشكلة الآن تتمثل فيما يعانيه المواطن السوداني من ضغط معيشي، بجانب الآثار السالبة التي نتجت عن السياسات التي اتخذت في يونيو (حزيران) الماضي لمعالجة الخلل الاقتصادي، والتي تضمنت تحرير أسعار المحروقات من بنزين وجازولين بالكامل، وكذلك توحيد سعر الصرف بالنسبة إلى الدولار الجمركي، مما ألقى بظلال صعبة جداً على المواطن ومعيشته. مؤكداً أن أثر إعفاء هذه الديون سيكون مفيداً على ميزان المدفوعات، لذلك كنا نقول دوماً حينما كانت تنوي الدولة خفض قيمة العملة المحلية (الجنيه السوداني)، بأنه لا بد أن يكون لديها ما بين أربعة وخمسة مليارات دولار، وإلا عليها الابتعاد عن هذه الخطوة، لكن أقبلت الحكومة السودانية على تنفيذ هذا القرار باعتبار أنها موقعة على برنامج المراقبة مع صندوق النقد الدولي، وكانت ملتزمة تنفيذ هذا الإجراء في موعد محدد.

ركود وتضخم

ويضيف محمد الناير، "في تقديري أن الاقتصاد السوداني يحتاج إلى قرض لدعم ميزان المدفوعات أو الحصول على وديعة تودع في بنك السودان المركزي أو غيرها من الوسائل الأخرى، على أن لا تقل الوديعة عن أربعة مليارات دولار فما فوق، وأن توفر في النصف الثاني من عام 2021، وإلا ستكون هناك تعقيدات كثيرة جداً ستواجهه"، مشدداً أيضاً على أهمية "قيام الدولة على المدى القريب بتخفيف العبء المعيشي عن كاهل المواطن، وتحسين مستوى الدخل لذوي الدخول المحدودة سواء أصحاب المرتبات في القطاعين العام والخاص، وإن لم تفعل ذلك فستكون هناك مشكلة كبيرة، بخاصة أن الاقتصاد السوداني يعاني حالة ركود تضخمي، ومعروف اقتصادياً أنه لا يجتمع الركود والتضخم مع بعض، فإما حالة ركود، ويكون في هذه الحالة هناك ضعف في القوة الشرائية، وإما تضخم وهو يتمثل في ارتفاع أسعار السلع نتيجة شح المعروض".

وبين المحلل الاقتصادي أن هذا الوضع يتطلب من الدولة التفكير في كيفية الخروج من هذا المأزق بأسرع وقت ممكن، مما له من آثار سالبة على الدولة نفسها، فصحيح هناك مناخ إيجابي يستوجب استثماره بصورة صحيحة، بخاصة أن سعر الصرف في السوق الموازية أصبح أقل من سعر البنوك الرسمية، لكن يجب أن لا ننظر لهذه الخطوة من منظار واحد، فعلى الدولة أن تسرع في فتح صرافات، وإنشاء سوق للنقد حتى تُشترى وتُباع العملات الأجنبية أمام عين الحكومة وفقاً للسوق المنظمة.

وزاد "بلا شك أن جميع هذه الخطوات يمكن أن تؤدي إلى المناخ الإيجابي، لكن يجب أن ننظر لهذه الخطوة بأنها ناتجة في المقام الأول عن إجراءات الدولار الجمركي التي تمت أخيراً، والتي جعلت كثيراً جداً من المستوردين يحجمون عن الاستيراد بصورة كبيرة، بالتالي كل ما نخشاه أن يصل الإحجام مرحلة السلع الاستراتيجية، وهو ما سيكون آثاره سالبة بشكل كبير على الاقتصاد السوداني، لذلك نأمل بأن تعي الحكومة الانتقالية كل هذه المخاطر التي يمكن أن تواجه اقتصاد البلاد، وأن تعمل على تفاديها، فضلاً عن محاولة سرعة الاندماج في المجتمع الدولي، وتسريع الإجراءات الاقتصادية التي تنعكس على المواطن بالصورة المطلوبة".

نظام البوت

في حين اعتبر أستاذ الاقتصاد في الجامعات السودانية، عبد العظيم المهل، موافقة مجموعة نادي باريس على إعفاء هذا المبلغ الكبير من ديونها خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح، بخاصة أنه يمثل 25 في المئة من إجمالي ديون السودان الخارجية، إذ سيكون لها أثر بالغ من النواحي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والنفسية والأمنية. لافتاً إلى أن إعادة جدولة باقي الدين البالغ 9.5 مليار دولار من دون فوائد تمنح الحكومة السودانية فرصة مريحة للسداد، لكن في رأيي كان من الأفضل أن يُقايض هذا المبلغ بنظام البوت (البناء، والتشغيل، والنقل)، وذلك بأن يوجه المبلغ للاستثمار في مشاريع إنتاجية لفترة زمنية محددة، وهو أفضل طريق للتخلص من الديون، بخاصة أننا من خلال هذه التجربة أثبتنا فشلنا في كيفية سداد ديوننا.

وأضاف المهل، "في الحقيقة أن نظام البوت BOT له ميزات عديدة، من أهمها أنه يضمن للدائن استرداد أمواله وفوائده في الوقت المحدد، وفي الوقت نفسه يضمن للبلد المدين تملك المشروع الاستثماري في نهاية المطاف، فضلاً عن ضمان تشغيل أكبر عدد من الموظفين، وزيادة الإنتاج والصادرات".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأكد أن إعفاء هذا الدين يمكّن حكومة السودان من الاقتراض، إذ أصبح الباب مفتوحاً أمامها للتعامل مع مؤسسات التمويل الدولية، والصناديق، والدول لطلب قرض لأي مشروع تنموي، لكن من الضروري أن تدعو وزارة المالية في البلاد باعتبارها الجهة المختصة لعقد ورشة متخصصة لتقييم تجربة السودان في عملية الاقتراض، وأيهما أفضل أن توجه أموال الاقتراض للقطاع العام أم للقطاع الخاص، لأنه اتضح أن 10 في المئة فقط من إجمالي الديون البالغة نحو 60 مليار دولار ذهبت لمشاريع حقيقية، والباقي أهدر في مشاريع لا جدوى اقتصادية لها، غير تعرض غالبية تلك الأموال للفساد.

كما نوه أستاذ الاقتصاد بأن من ميزات إعفاء هذا الدين أنه يشجع الاستثمار في السودان، إذ يتوقع أن تشهد البلاد حركة دؤوبة للمستثمرين الأجانب في المستقبل القريب، إضافة إلى أن هذه الخطوة تشجع بقية الدائنين على إعفاء ديونهم، بالنظر إلى ما يشهده الاقتصاد السوداني من تدنٍّ وتراجع كبيرين.

اتفاق تاريخي

وبحسب بيان صادر عن وزارة المالية السودانية، فإن الوفد الحكومي السوداني الذي يزور باريس حالياً، توصل إلى اتفاق تاريخي مع دائني نادي باريس بشأن تخفيف عبء الديون في إطار مبادرة (هيبك).

وأضاف، "تقدر الديون المستحقة لدائني نادي باريس على السودان حتى 31 ديسمبر (كانون الأول) 2020 بمبلغ 23.5 مليار دولار، ونتيجة لوصول البلاد إلى نقطة اتخاذ القرار بشأن مبادرة البلدان المثقلة بالديون يونيو الماضي، ألغت الاتفاقية 14.1 مليار دولار ما يعادل 61 في المئة من إجمالي دين هذه المجموعة، مع إعادة جدولة 9.4 مليار دولار المتبقية إلى نقطة الإكمال الخاصة بمبادرة الـ(هيبك)، وأنه بموجب الاتفاقية التي وقعت أمس بين مجموعة نادي باريس وحكومة السودان لن يُسدد أي مدفوعات للدائنين بين نقطة القرار في مبادرة الهيبك ونقاط الإكمال".

ونوه البيان بأن دول نادي باريس أشادت بالإصلاحات الاقتصادية الضرورية التي نفذتها الحكومة السودانية لوقف التدهور الاقتصادي المستمر، والتكاليف الاقتصادية والاجتماعية لهذه الإصلاحات على الشعب السوداني، فضلاً عن إقرارهم بأهمية الإصلاحات الاقتصادية الأساسية لتوفير الأسس اللازمة لخطط التنمية الوطنية والحد من الفقر، مشيداً في الوقت نفسه بما حققته الحكومة الانتقالية من إنجاز بعودة السودان عضواً فاعلاً في المجتمع الدولي.

وأشار البيان إلى أن جميع دائني نادي باريس أبدوا عزمهم على إلغاء 100 في المئة من متطلباتهم المتبقية بمجرد الوصول إلى نقطة الإكمال الخاصة بمبادرة الـ(هيبك). لافتاً إلى أن وزير المالية السوداني نقل شكر وتقدير الشعب السوداني وحكومته لأعضاء نادي باريس وشركاء السودان في دعمهم الجهود الرامية إلى تحقيق أهداف الانتقال والتنمية المستدامة والتحول الديمقراطي في البلاد.

ويضم نادي باريس 16 عضواً هي: النمسا، وبلجيكا، وكندا، والدنمارك، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وإيرلندا، واليابان، وهولندا، والنرويج، والاتحاد الروسي، وإسبانيا، وسويسرا، والمملكة المتحدة، وأميركا.

أما أكبر الدول الدائنة من خارج نادي باريس فهي: الكويت، والسعودية، والصين، والهند، والإمارات، إذ يقدر إجمالي الديون المستحقة لها بنحو 29.9 مليار دولار في نهاية 2020.

المزيد من العالم العربي