Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مهرجان كان يحط في "جزيرة برغمان" العابقة بآثاره

 تخرج الشخصية من السيناريو المكتوب لتصبح امرأة تعيش قصة غرامها الغامض

جزيرة برغمان كما بدت في الفيلم (الخدمة الإعلامية للمهرجان)

سينما رقيقة وناعمة وشاعرية تشبه جريان النهر، جاءتنا بها المخرجة الفرنسية ميا هانسن لاف في جديدها الرائع "جزيرة برغمان"، الذي عُرض في مهرجان كان السينمائي (6 - 17 الجاري). عندما نقرأ كلمتي جزيرة وبرغمان جنباً إلى جنب، تحضر إلى البال تلك البقعة الجغرافية التي عاش فيها المخرج السويدي الكبير انغمار برغمان، وصور فيها أعظم أفلامه. فهذا هو المكان الذي يحملنا إليه هذا الفيلم الممتاز تصويراً وتمثيلاً ونصاً وأجواء. إنه أشبه برحلة إلى عالم متعدد الأقطاب. اللبس الذي تولده المخرجة هانسن لاف من خلال نصها السينمائي شيء لا مثيل له في الأفلام الأخرى، التي تتسابق على "السعفة الذهبية". عملها يحمل ذكاء وحناناً نادرين في السينما المعاصرة. 

ميا هانسن لاف مخرجة في الأربعين، تخوض هنا تجربتها الإخراجية السابعة. لها أفلام لافتة عُرضت في أهم التظاهرات السينمائية، وهذه أول مشاركة لها في مسابقة مهرجان كان، علماً أنها سبق أن شاركت في أقسامه الموازية. أدارت أشهر الممثلين منها إيزابيل أوبير في فيلمها "المستقبل". أفلامها انطوت على عناصر من حياتها الشخصية، فمثلاً في "جزيرة برغمان"، استوحت العلاقة التي تصورها بين مخرج مكرس وحبيبته التي تنوي الانطلاق في السينما من العلاقة التي ربطتها طويلاً بالمخرج أوليفييه أساياس. 

إذاً هي حكاية زوجين سينمائيين نراهما يصلان إلى جزيرة فارو، ليمضيا فيها الصيف. هذا الديكور الخلاب من المفترض أنه فسحة لهما لكتابة سيناريو فيلم جديد. إلا أن الجزيرة تعبق بالسينما وكل زاوية منها تذكّر بفيلم. فكلما احتك الزوجان أكثر بالجزيرة وراحا يكتشفان أسرارها، تلاشى الفاصل بين الواقع والخيال، بين ما ينتمي إلى الحقيقة المعيشة وعالم الفانتازيا والأفلام. 

فيلم داخل فيلم

ذات لحظة، تروي المخرجة التي تعمل على سيناريو فيلمها، الفكرة التي تراودها. وهي تروي ذلك لزوجها، يرى المُشاهد تجسيد فكرتها. مذ ذاك سنتابع حكاية داخل حكاية، فيلم داخل فيلم. بمعنى أن الشخصية الرئيسة التي كتبتها المخرجة ستترك الورق لتصبح لحماً ودماً أمامنا، وسنتابع قصة غرامها بجوزف. لكن الأمور أعقد من ذلك، ولا يمكن شرحها في مقال، بل ينبغي مشاهدة الفيلم لأن التفاصيل تنتمي إلى عالم بصري لا شفهي. أياً يكن، تتسلى ميا هانسن لاف في هذا الفيلم في إلغاء الحدود الفاصلة بين الأشياء من خلال عمل ضبابي يحمل كثيراً من المسكوت عنه. ومخطئ من يعتقد أنها تحاول تقليد سينما برغمان، بل على عكس ذلك، فهي مدركة تماماً لموقعها من برغمان وسينماه. بل كل الطرائف والحكايات الصغيرة التي تُطلق في شأن سينما المعلم لا تجعل الفيلم طريفاً فحسب، بل يحطم الهالة التي تحيط برجل يُعد من المقدسات. ثم إن الفيلم يمضي في طريقه نحو نوع آخر من الشؤون التي تتناقض في طبيعتها مع اهتمامات برغمان: الكوميديا الرومنطيقية التي تنظر إلى مصائر البشر كشيء لا يمكن أن يكون ذروة التراجيديا الإنسانية. 

هناك في الفيلم أفكار وأحاسيس وتفاصيل لن نفهمها حتماً، لكن هذا غير مهم مقابل المتعة التي يوفرها، والدفء الإنساني الذي نشعر به فور خروجنا من الصالة. يمدنا الفيلم بعديد من الأسباب السينمائية التي تجعلنا نغض النظر عن بعض هناته، وأحد هذه الأسباب هو أنه يخاطب شيئاً ما في داخلنا. 

آثار برغمان في الجزيرة

بعد 14 سنة على رحيل برغمان، تتوجه ميا هانسن لاف إلى الجزيرة التي تنام على مئة حكاية وحكاية. كل بقعة منها تقول شيئاً عن السينما والحياة: في هذا البيت صور برغمان "مشاهد من الحياة الزوجية" وداخل هذا الطاحون التقط لقطات أحد أعماله التي دخلت التاريخ من بابه العريض. جزيرة فارو البرغمانية تشكل حكاية وحدها، ولا تنسى ميا هانسن لاف إدخالنا في أحد "معابدها"، أي صالة السينما التي كان برغمان يشاهد فيها الأفلام بشكل منتظم، خصوصاً في الصيف، وتحولت الآن إلى قبلة للزائرين من كل أنحاء العالم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"جزيرة برغمان" فيلم عن السينما سيتلذذ به كل من يعشق الفن السابع، لكن لا يكتفي بجعل السينما لعبة ترفيهية، بل هي فعلاً هنا أداة للتأمل في الماضي والحاضر، وفي العلاقات الإنسانية المعقدة، وفي الحياة نفسها التي تتبلور في عمق الطبيعة وجمال الخلق. تذهب ميا هانسن لاف إلى جزيرة فارو التي تحمل دلالات مهمة في سينما برغمان، وتضيف إليها بعض الألوان الفرحة التي تخرجها من صمتها وعزلتها وطابعها الكئيب. طبعاً، هذا كله يحدث في الصيف، لعل الشتاء له جمالية أخرى تماماً. بهذا المعنى، حاول الفيلم شيئاً يُسمى "إعادة امتلاك حيز مكاني" لطالما سيطر عليه رجل. وأي رجل؟ أكثر الرجال الذين برعوا في الحديث عن النساء. تفعل ميا هانسن لاف من جزيرة فارو ما فعلته بالهند في فيلمها السابق "مايا". تستملك الريح وأوراق الشجر وتقبض على الذاكرة والصورة المتلاشية عن المكان في المخيلة. 

 كثير من الأفلام الجميلة لا توصل إلى أي مكان وأحياناً تجد نفسها أمام طريق مسدود، و"جزيرة برغمان" من هذه النوعية. وسط هذا العالم المتناغم سيتفجر شيء "يهدد الاستقرار" إذا صح التعبير، لكن في النهاية لن يهدد إلا نفسه. فكل شيء يعود إلى مكانه لأن هكذا هي طبيعة الأشياء. الحياة تغذي الخيال والخيال يغذي الحياة، هذه واحدة من الأفكار التي تستند إليها ميا هانسن لاف في بحثها عن المسكوت عنه في فنها، والفيلم انعكاس لها بقدر ما هو عن شخصيات تتحرك على الشاشة.  

المزيد من سينما