Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

محمد صالح هارون ينقل معاناة نساء التشاد إلى "كان"

"روابط مقدسة" فيلم يقدم معاناة أم عزباء وصراعها في مجتمع تقليدي

المرأة التشادية حاضرة في مهرجان كان (الخدمة الإعلامية للمهرجان)

داخل عروض مسابقة مهرجان كان السينمائي، 6-17 يوليو (تموز) الجاري، التي بدأنا نكتشف فيها أعمالاً يتراوح مستواها بين الجيد والممتاز، قدم المخرج التشادي المعروف محمد صالح هارون جديده "روابط مقدسة". في مهرجان بات منذ فترة يخصص كوتا للمخرجات، إحقاقاً للمساواة بين الجنسين على مستوى الحضور، بدا هارون حاملاً لقضية المرأة في الدول النامية أكثر من أي مخرجة مشاركة في المهرجان، إلى درجة يمكن القول إنه أنجز فيلماً نسوياً بكل تفاصيله، على الرغم من أنه في حديث خاص معه، قال لي، إن هذا ليس هدفه، بل إنه لا يملك أي "شرعية" للتكلم نيابةً عن المرأة.   

هذه ليست أول مشاركة لهارون في مسابقة كان. فهو عرض فيه معظم أفلامه، حد أنه بات "الناطق الرسمي" لتشاد سينمائياً، هذه الدولة الأفريقية الغارقة في التقاليد البالية التي قلما يجري الحديث عنها في وسائل الإعلام. تشاد التي يحملها هارون في قلبه ووجدانه، لطالما كانت الشغل الشاغل لهذا المخرج الستيني الذي يعالج القضايا الإشكالية في سينماه، بأسلوب يغلب عليه الهدوء. من 2017 إلى 2018، عُين وزيراً للثقافة والسياحة، استمر في منصبه لمدة سنة قبل أن يستقيل بعدما أدرك أنه يفضل الفن على السياسة "التي هي لعبة سلطة" كما قال في لقائي معه، مانعاً نفسه عن كشف مزيد من التفاصيل عن هذه التجربة. 

يأتي هارون من بلاد دُمرت فيها كل صالات السينما والبنى التحتية. فبات مصيره أن يخرج أفلاماً "متنقلة" تسافر وتُعرض في البلدان التي تدعى إليها. في بلاد شهدت حرباً أهلية وكانت تفتقر إلى الصالات لسنوات طويلة، استطاع صالح أن يصير مخرجها الرائد، مذ نال جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان عن "رجل يصرخ" (2010)، مسهماً في تبديل نظرة السلطات حيال هذا الفن.

عالم العائلة الصغيرة

في "روابط مقدسة" يدخل هارون في حميميات عائلة صغيرة مكونة من أم وابنتها. الأم يُنظر إليها في محيطها على أنها سيدة غير صالحة، لكونها أماً عزباء. يتجاهل الناس من حولها حقيقة أن حبيبها تخلى عنها لتربي ابنتها وحدها. نراها تعمل في استخراج الحديد من العجلات، ثم تصنع منها أشياء تبيعها في الشارع. باختصار، تعيش هي وابنتها في ظروف بدائية. هكذا تعيل نفسها وابنتها بعدما تخلى عنها الجميع حتى عائلتها. حكاية أم عزباء تعيش حصاراً اجتماعياً في بلد تحكمه العقليات القديمة؟ وما الجديد في ذلك قد يسأل القارئ. لا جديد سوى أن الحكاية لا تقتصر على الأم، بل هي أيضاً حكاية الابنة التي تجد نفسها حاملاً وهي في الخامسة عشرة، بعدما اغتصبها أحد الرجال المسنين. هذا الحمل سيغير حياة الأم وابنتها 180 درجة، لكن هذه المرة لا سكوت عن الظلم، ذلك أن الأم تقرر أخذ حق ابنتها بيدها، ربما كي لا يتكرر ما عاشته من ظلم وإقصاء في حياتها. 

هناك مواضيع عدة يلامسها الفيلم من دون أن يخوض نقاشاً حقيقياً في شأنها، الأمر الذي جعله سطحياً بعض الشيء: الإجهاض، والختان، والخضوع المطلق للنساء في مجتمع ذكوري أبوي. الإجهاض في حالة الابنة التي تعرضت للاغتصاب يُعد جريمة، خمس سنوات سجن وتحريم ديني له. 

خطاب الفيلم لا لبس فيه: الانتصار للمساواة ولحق المرأة في التحكم بجسدها. هارون حاسم في هذا الأمر ومتطرف في طرحه، لا تطور مجتمعياً من دون نسف تقاليد وعادات وقيم تُعد راسخة ما عاد ممكناً التعايش معها والسماح لها بإفساد حياة نصف المجتمع. قد يكون طريق التغيير طويلاً ومحفوفاً بالمخاطر، لكن صالح رجل مثالي يؤمن بالخطوة الأولى في اتجاه التغيير، ويفعل ما يملي عليه ضميره. بهذا المعنى "روابط مقدسة" فيلم سياسي، علماً أن هارون يقول إن كل شيء سياسي!

إعادة تدوير الكليشيهات

قد يعتبر البعض أن هارون يغازل الغرب بإعطائه ما يريد أن يرى، وإسماعه ما يريد أن يسمع، لا سيما في أوضاع الأفارقة وأحوال النساء في الدول، حيث المرأة لا تزال تعيش في ظل الرجل. هذا الكلام قد يكون صحيحاً بعض الشيء، ولكن لا مهرب من إعادة تدوير الكليشيهات نفسها عن أفريقيا. فأي صورة تُلتقط فيها تحمل كماً من الإكزوتيكية بالنسبة إلى الجمهور الغربي الذي يعشق رؤية البؤس في أماكن بعيدة من مكان إقامته. إلا أن هارون ليس مسؤولاً عن هذه التأويلات، فهو صادق في طرحه، ويعرف ماذا يريد إيصاله من خطاب محسوب الأهداف. وفوق ذلك، يعرف جيداً عما يتحدث.

بعض الجمال في الفيلم يتفجر من أماكن ليست بالضرورة جميلة. فوضى الشارع وازدحام السيارات والتلوث، هذا كله يتحول أمام كاميرا هارون إلى متتاليات بصرية نكاد نلمس من خلالها المكان ونشعر به. كاميراه دائماً "وثائقية" عندما تخرج إلى الشارع. هذه ليست ملاحظة بسيطة. عندما سألتُ هارون عنها، قال إنه لطالما رغب في إنجاز أفلام روائية فيها شيء من الوثائقي، وأفلاماً وثائقية فيها بعض من الروائي. الحياة اليومية بتفاصيلها الكثيرة يوثقها الفيلم بإحساس عال بالزمان. الإيقاع الأفريقي نعشر به ونعيشه. بالألوان وحركات الجسد يبني هارون فيلمه والأهم أنه يبقى مخلصاً للهدوء الذي يرسم فيه مصير الشخصيات. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الفيلم يدين بوضوح النفاق الاجتماعي في التشاد. يدعي المؤمنون أن الجميع إخوة، لكن أفعالهم تشي بالعكس. فكل شيء في هذه البقعة الجغرافية يحاول إبقاء النساء أسيرات الجهل والتخلف. 

هارون من الذين يؤمنون أن إخبار أي حكاية من خلال الصور أهم من إخبارها بالحوار. ولكونه فرانكوفونياً مقيماً في باريس منذ سنوات، وبما أن بلاده خضعت للاستعمار الفرنسي، وأتم دراسته في بلد المستعمر، تأثر كثيراً بالأفلام الفرنسية. مع ذلك فهو مقتنع أن الفرنسيين كثيراً ما يستوحون أفلامهم من المسرح، حيث يكثر الكلام، بعكس الأفلام الروسية التي تركز على الصورة. ورغبته عالية في الاقتصاد من الحوارات، لكي يعطي المُشاهد فرصة اختراع بعض مما ليس موجوداً في الفيلم بشكل مباشر. وأسوأ ما عنده هو المخرج الذي يلقم القصة إلى المُشاهد، كما لو كان طفلاً جاهلاً. 

المزيد من سينما