Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"لا يمكن تخيل صدمتنا النفسية"... معاناة أطباء الهند الصامتة مع كورونا

في البلد الذي صنفته منظمة الصحة العالمية "الأكثر اكتئاباً" في العالم، يتحدث الأطباء إلى شويتا شارما عن قرارات الحياة والموت المرهقة التي اتخذوها خلال موجة كورونا الثانية في الهند

تضرع سيدة فقدت أحد الأقارب في معركته مع فيروس كورونا قبل حرق جثمانه (أ ب)

في مايو (أيار)، وفيما كانت الهند تواجه الوطأة الكاملة للموجة الثانية والمدمرة من جائحة فيروس كورونا، والأسرّة وأجهزة التنفس الاصطناعي تنفد من المستشفيات، أقدم طبيب يبلغ من العمر 35 عاماً في إحدى أهم مستشفيات دلهي الخاصة على الانتحار.

وخلّف الدكتور فيفيك راي الذي كان يعالج مرضى "كوفيد-19" داخل وحدة العناية الفائقة في مستشفى ماكس في ساكيت، وراءه زوجته الحامل، وملاحظة كتب فيها أنه "يتمنى السعادة للجميع". 

ما يستتر وراء الكُلفة المادية والاقتصادية لـ "كوفيد-19" هو جائحة صحة عقلية ونفسية، لا سيما بين العاملين في الصفوف الأمامية الذين يحاربون من أجل التكيف مع الوضع وسط أزمة غير مسبوقة. 

إن جزءاً كبيراً من الصدمة النفسية التي يعانيها الأطباء ناجم عما يسمونه "الأضرار المعنوية"، أي الأذى الذي يلحق بهم بسبب عجزهم عن إنقاذ الأرواح في حين كانت البنية التحتية تتهاوى من حولهم، وتجعلهم بلا حول ولا قوة.

وتقول الدكتورة كامنا كاكار (29 عاماً)، إنها كانت تعاني كابوساً متكرراً بسبب عملها في مستشفى روتاك بولاية هاريانا المجاورة لدلهي. وتتذكر الدكتورة كاكار أنها تسمع في حلمها صفير الأجهزة المنتظم الذي يتعالى شيئاً فشيئاً ليتحول إلى صخب، فيما يشهق مريض ممدد على سرير داخل العناية الفائقة في محاولة يائسة للتنفس. وتتلاشى الصورة بينما تراقب الطبيبة مريضها وهو يموت، وهي مسمرة في مكانها على الكرسي وعاجزة عن الحركة، وتتكرر هذه الدوامة كل ليلة.

وتخبر "اندبندنت" أنها كانت تصاب "أحياناً بتسارع في ضربات القلب، والقلق وأعجز عن النوم، وعندما أتمكن من النوم أستيقظ بعد أربع أو خمس ساعات فقط. استمرت الامور على هذه الحال لمدة 15 إلى 20 يوماً قبل أن أستشير طبيبي النفسي".

ويشبه موظفو الرعاية الصحية تجربتهم مع "كوفيد-19" بالمشاركة في الحرب من دون أسلحة، إذ تعرقلت جهودهم في إنقاذ الأرواح بسبب نقص الأوكسجين والأدوية والقوة العاملة وأسرّة المستشفيات.

وفيما استشرت الموجة الثانية خلال شهري أبريل (نيسان) ومايو (أيار)، تصدرت الهند عناوين الأنباء العالمية بسبب ما بلغته من حصيلة وفيات ومراحل كئيبة، مسجلة في ذروتها أكثر من 415 ألف إصابة في اليوم الواحد، لكن التبعات النفسية الأقل بروزاً كانت توازيها وتضاهيها حدة، كما يقول الخبراء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وغالباً ما اضطر طاقم الرعاية الصحية المرهق أساساً والمعرض بشكل يومي لخطر الإصابة، إلى التعامل أيضاً مع غضب وحزن الأشخاص الذين فقدوا عزيزاً.

في إحدى المراحل بات المرضى يموتون فور وصولهم المستشفى، وامتلأت المشرحة بالجثث لدرجة أن رائحة الموت انتشرت في الأقسام، كما تقول الدكتورة كاكار، التي تعمل في معهد الدراسات العليا للعلوم الطبية في روهتاك.

تقول، "في أحد الأيام عمت رائحة كريهة جداً الأروقة والأقسام، فطلبت من مساعد في القسم أن يتأكد إن نفق جرذ أو فأر داخل فتحات المكيف".

وتتابع، "عندها قال لي إن الجثث تتكدس في الممر منذ الليلة السابقة، وقد سجلت تلك الليلة وفاة مريض من كل اثنين حضرا إلى المستشفى".

وتشرح الطبيبة أنها لم "تر في حياتها أبداً أي شيء مماثل لما يجري"، وأن صدمتها النفسية تفاقمت للغاية قبل أن تطلب المساعدة من طبيب نفسي. وتضيف، "طوال 30 يوماً بالكاد غفوت أربع أو خمس ساعات كل ليلة خلال ذروة الجائحة، إذ كنت مُناوبة من أجل تقديم الاستشارات للمرضى أو أسعى ببساطة إلى توفير أسرّة في المستشفى وأوكسجيناً للأصدقاء والعائلة".

أما الدكتورة أورفي شوكلا، فتؤدي واجباً معنوياً هائلاً لمرضاها المُحتضرين.

فليُسلموا الروح بهدوء وسلام، تُعتم وحدة العناية الفائقة عبر إطفاء كافة الأضواء، وتطفئ كذلك كل أجراس الإنذار لكيلا يعلو صوتها حين تبدأ ضربات قلب أو ضغط دم مريض بالهبوط.

ومن موقعها كطبيبة مسؤولة عن وحدة العناية الفائقة المخصصة لمرضى "كوفيد-19" في مستشفى سيمبيوسيس الجامعي في بوني، ماهاراشترا، تقول الدكتورة شوكلا إنها دائمة الحرص على أن يرافقهم أحد ويمسك بيدهم في لحظاتهم الأخيرة.

وتضيف، "في وحدة العناية الفائقة رأيناً عدداً لا بأس به من المرضى الذين تتحسن حالهم ويعودون إلى منازلهم، لكن من لم يبقوا على قيد الحياة سيظلون في ذاكرتنا للأبد".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

شاركت السيدة البالغة من العمر 49 عاماً هي نفسها في جلستين لتبادل التجارب في المستشفى "من أجل تخفيف العبء والاسترخاء"، لأن التجربة التي تمر بها وزملاءها يومياً داخل وحدة العناية الفائقة ليست تجربة يمكن أن يشاركوها مع العائلة والأصدقاء.

وتقول الدكتورة شوكلا، "نرى الذعر على وجوه أفراد الأسرة، كما انعدام اليقين والأمل واليأس، لكننا نشعر بالخوف والقلق نفسهما أيضاً، ونعكس الثقة للآخرين، إذ يتطلعون إلينا بحثاً عن العزاء وبأننا سوف نتمكن من إنقاذهم. لا يمكننا الاستمرار بلعب ذلك الدور في أذهاننا، نعلم الكثير وهذا ما يُثقل كاهلنا".

ويخشى الأطباء كذلك، لا سيما الذين بدأوا بممارسة المهنة حديثاً منهم، من الارتباط عاطفياً بمرضاهم، وتضيف "لأن المجيء في اليوم التالي واكتشاف السرير فارغاً قد يصبح مؤلماً".

وتردف قائلة، "نصبح على علم بوضعهم الاجتماعين، وأحياناً يكون الشخص هو المعيل الوحيد للأسرة ولديه أطفال صغار، وهناك ذاك الضغط الذي نواجهه يومياً في محاولتنا مساعدة من نعلم أن وضعهم لن يتحسن".

ومع نقص الأجهزة اضطر الأطباء كذلك إلى اتخاذ قرارات حياة أو موت مرات عدة، بما فيها اختيار المريض الذي سيحصل على جهاز تنفس اصطناعي أو سرير مربوط بأجهزة الأوكسجين.

ويقول الدكتور سي إس إل غوبتا من مستشفى باترا في دلهي، حيث اختنق 12 مريضاً وفارقوا الحياة بعد نفاد الأوكسجين من أسطوانة المستشفى، إنه ليس على الأطباء أن يتحملوا مسؤولية اتخاذ "قرارات شبه إلهية تعود إلى الخالق"، ولكن هذا هو الوضع الذي وجدوا أنفسهم فيه.

ويضيف لـ "اندبندنت"، "سوف أشعر بالندم ما حييت على ذلك اليوم لأنه كان بالإمكان إنقاذ أولئك المرضى، ولكن الأخطاء الخارجية منعتنا من أداء مهماتنا، وهذا نوع من المعاناة".

ويقول، "هذا نوع الأذى المعنوي الذي يقع، إذ إنك لست مسؤولاً أمام عائلات المرضى الذين توفوا بسبب عدم توافر شيء ما وحسب، بل أنت مسؤول أمام نفسك أيضاً في النهاية".

ويقول الطبيب البالغ من العمر 68 عاماً إن عائلته قلقت من احتمال اتخاذه "الخطوة المتطرفة" وإلحاق الأذى بنفسه، فيما يواجه خطر العواقب القانونية، إضافة إلى تهديدات من عائلات متألمة.

وتم الاعتداء على أكثر من 12 طبيباً في حوادث منفصلة، غالباً خلال الموجة الثانية للجائحة، واضطر الدكتور غوبتا أن يحبس نفسه داخل غرفة واحدة ساعات طويلة بعد أن توفي 12 مريضاً من مرضاه وبدأت عائلاتهم بالتجمع داخل المستشفى، ويقول إنه "لا يمكن لأي شخص أن يتخيل حجم الصدمة النفسية التي عشناها".

ويوضح الطبيب النفسي في دلهي راج كومار سرينيفاس أنه لا شك في أن عدد الأطباء الذين طلبوا المساعدة خلال الموجة الثانية قد ازداد. 

ويقول، "تصبح ردود الأفعال بليدة عندما تتخطى طاقتك القصوى، وقد تستغرق وقتاً أطول من أجل التصرف في وقت الطوارئ، وهو ما يمكن أن يودي بحياة المريض، ومن المهم بالتالي بالنسبة للطاقم الطبي أن يدرك حدود قدراته كإنسان، وألا يشعر بالخجل من طلب المساعدة".

وتقول تانيا بيرسي فازونيا، وهي متمرسة في شؤون الصحة العقلية والنفسية عملت على خط المساعدة النفسي التابع لحكومة ماهاراشترا، إن معظم الأطباء الذين تحدثت إليهم كانوا يعانون اضطراب الكآبة والكرب التالي للصدمة النفسية، بعد أن شهدوا أعداداً هائلة من الوفيات ومستويات مرتفعة جداً من المعاناة. 

وتضيف السيدة فازونيا بأن الأطباء قد تواصلوا معها وهم مصابون بالقلق المرضي والحزن الشديد والأرق، وعانى بعضهم سوء المزاج إضافة إلى الاكتئاب.

كما تقول "إن مرونتهم تبين قدرتهم المستمرة على الإدهاش، وهذه هي المجموعة التي خضعت لتدريب قاس على مر السنوات، وهم يبدأون بممارسة المهنة بعد أن يتعرضوا لضغط هائل في المستشفيات الحكومية، ولذلك فوصولهم إلى درجة الإنهاك والإرهاق والقلق الشديد ضخم للغاية".

توفي أكثر من 1400 طبيب لإصابتهم بـ "كوفيد-19" في الهند منذ بداية الجائحة، فيما خسر الطاقم الطبي نحو 719 عضواً من أعضائه خلال الموجة الثانية منذ أبريل، على الرغم من توفر اللقاحات لهم، وهو عدد تعتبره اتحادات الأطباء مخففاً.

للقراء في الهند الذين تأثروا بموضوع هذا التقرير، يمكن الاتصال بالمعهد الوطني للصحة العقلية والنفسية والعلوم العصبية طلباً للدعم النفسي على الرقم التالي (0804611000)

© The Independent

المزيد من صحة