المجلس العسكري... نهاية ألعاب الوقت!

كل المؤشرات تدل على أن الوضع اليوم في ظل الفراغ الدستوري سيكون مفتوحاً على العديد من السيناريوهات في المدى القريب

رئيس المجلس العسكري الانتقالي الفريق عبد الفتاح البرهان. (أ.ف.ب)

لا أحد في الخرطوم يمكنه التنبؤ بردود فعل المجلس العسكري الانتقالي في السودان حيال التعقيدات التي بدأت ترسم اضطراب المشهد السياسي في الخرطوم.

فالمجلس، الذي تسلم السلطة بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان في يوم 13 أبريل (نيسان) الماضي (بعد يوم واحد من انقلاب الجنرال عوض بن عوف على البشير)؛ إذ اعترف بأن قوى إعلان الحرية والتغيير (وهي جبهة تضم تحالفات حزبية سودانية كبيرة ومنظمات مجتمع مدني) هي الجهة التي سيقيم معها الشراكة في ترتيبات المرحلة الانتقالية، نجده في الوقت ذاته، يرسل إشارات غير مفهومة؛ حين يصرح بعض أعضائه بأن المجلس سيتشاور مع جميع القوى السياسية باستثناء حزب المؤتمر الوطني!

وإذا كان الدور الكبير الذي قام به المجلس العسكري في تعطيل السيناريو الدموي للبشير، دوراً مهماً ومسؤولاً للقوات المسلحة. إلا أن التردد الذي طبع أداء المجلس في تعاطيه السياسي مع قوى إعلان الحرية والتغيير، يحيل إلى جملة من التصرفات التي لا يمكن فهمها.

فمن الواضح أن ثمة تجاذبات خفية وضغوطاً تعكس ذلك الخطاب المزدوج في لغة لمجلس، فيما كل المؤشرات تدل على أن الوضع اليوم في ظل الفراغ الدستوري سيكون مفتوحاً على العديد من السيناريوهات في المدى القريب.

حديث بعض أعضاء المجلس العسكري الانتقالي عن "قوى" سياسية يمكن التشاور معها في شأن ترتيبات المرحلة الانتقالية؛ يصب بالضرورة في الإحالة إلى القوى الحزبية للحوار الوطني التي شاركت في الحكومات المختلفة لنظام الإنقاذ؛ مثل حزب المؤتمر الشعبي، وحزب الإصلاح الآن، وما يسمى بالأحزاب "الكرتونية" التي لا قواعد شعبية لها. وهي أحزاب ترفض قوى إعلان الحرية والتغيير أن تشاركها في ترتيبات المرحلة الانتقالية لسبب وجيه؛ هو أن تلك الأحزاب حتى الأمس القريب كانت جزءاً مصطفاً مع نظام الإنقاذ قبل سقوطه، فكيف يمكنها اليوم أن تلعب الدور ذاته في وضع نقيض للوضع الذي كانت تتماهى معه في ظل نظام الإنقاذ؟

وللتغطية على هذا الاعتراض الوجيه لقوى إعلان الحرية والتغيير، تتحجج أحزاب الحوار الوطني، بأن في موقف إعلان الحرية والتغيير المبدئي منها إقصاء للمكونات السياسية الأخرى في لحظة تقتضي الإجماع الوطني!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المجلس العسكري، بطبيعة الحال، يرسل تلك الإشارات المتناقضة في الساحة السياسية كبالون اختبار لرصد ردود فعله. وعلى ضوء ذلك فسّر كثير من المراقبين رد المجلس على الوثيقة الدستورية، التي قدمتها قوى إعلان الحرية والتغيير لتكون بمثابة إعلان دستوري، حال التوافق عليها، على أنه كان رداً فيه اشتغال بهوامش لا علاقة لها بمضمون الوثيقة؛ كالحديث عن إغفال الشريعة في الوثيقة، والحديث عن إهمال اللغة العربية، والتلويح باللجوء إلى انتخابات مبكرة خلال 6 أشهر، الأمر الذي اقتضى من ممثلي قوى إعلان الحرية والتغيير رداً سريعاً أبانوا فيه الحيثيات الانصرافية الكامنة في رد المجلس؛ فلا الشريعة، ولا موضوع اللغة العربية، من مهام الدساتير المؤقتة كالوثيقة. وبالتالي فإن الخوض في تفاصيلها مضيعة للوقت، كما لوحت قوى إعلان الحرية والتغيير، في الوقت ذاته، بالتصعيد ضد المجلس العسكري إذا لم يستجب لضغوطها، عبر آليات أخرى غير التفاوض، وهي آليات لهم القدرة على تفعليها؛ كالإضراب العام، وتجديد المظاهرات، والعصيان المدني.

لا يمكن القول إن تعاطي المجلس بهذا الأسلوب الغريب مع قوى الحرية والتغيير فيه ضرب من الخوف على سلطاته في الترتيبات المستقبلية للمرحلة المقبلة، لأن قدرة المجلس العسكري على إعادة مركزة السلطة (حالما ومتى ما أراد ذلك) أمر أكثر من واضح؛ وهذا يعني تحديداً: أن مماطلة المجلس  لقوى إعلان الحرية والتغيير أصبحت مكشوفة؛ لأنها لا علاقة لها بشل قدرته على ممارسة قوة يملك أدواتها المادية (بما لا يقاس مع أي قوة أخرى) ما يعني أيضاً، في خلاصة أخرى، أن هذا المجلس ربما له أجندة لا يريد أن يكشف عنها جملة واحدة، لكنه يقدم رجلاً ويؤخر أخرى في المضي بها قُدماً! 

 فالتناقض القائم في دعوى: اعتراف المجلس العسكري بامتياز قوى إعلان الحرية والتغيير في تشكيل هياكل السلطة الانتقالية من ناحية، وبين استعداده، من ناحية أخرى، لقبول "قوى أخرى" (في إشارة إلى الإسلاميين بأطيافهم العديدة) في ذلك التشكيل؛ هذا التناقض يكشف إما عن نوايا مضمرة لإبقاء الوضع على ما هو عليه في حالة من اللاحسم، وهو أمر مستحيل لأن السيولة التي تشهدها تحولات الثورة تفوق قدرة المجلس على إبقاء الأوضاع على ما هي عليه الآن (وفي هذا الخيار للمجلس مخاطرة قد ترتد خسارتها عليه) وإما عن حسابات وضغوط يحاول المجلس العسكري معها كسب الوقت لتبريد تلك الضغوط بالرهان على تليين مواقف قوى إعلان الحرية والتغيير، عبر التأثير عليها من الداخل، من خلال بعض اللاعبين والفاعلين فيه كالصادق المهدي وابنته مريم لجهة التقارب معه في حدود يتم فيها امتصاص تلك الضغوط عبر تسوية قد تغير قواعد اللعبة داخل قوى إعلان الحرية والتغيير. وفي الحالين لا يخلو الأمر من مجازفة!

الثوار في ساحة الاعتصام، أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة بالخرطوم، وفي شوارع المدينة نشطوا منذ يوم الجمعة الماضي في تحشيد مظاهرات ومواكب كبيرة استجابةً لقوى إعلان الحرية والتغيير والدفع بتلك المسيرات إلى مقر القيادة العامة للضغط على المجلس.

تمتلك قوى إعلان الحرية والتغيير العديد من الأوراق للمزيد من الضغط؛ فهي إلى جانب اصطفاف الثوار معها، تلقى تأييداً كبيراً من المجتمع الدولي، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؛ مصدره الإعجاب الكبير بالثورة السلمية للسودانيين؛ حيث شهدت ساحة الاعتصام أمام مقر القوات المسلحة في الخرطوم زيارات عديدة لدبلوماسيين وشخصيات سياسية غربية منها؛ إفطار القائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة مع المعتصمين، وتنظيم الاتحاد الأوروبي مائدة لإفطار رمضاني في ساحة الاعتصام، إضافة إلى الزخم الرمزي الذي تعكسه أصداء الثورة السودانية وسلميتها الباهرة في العديد من منابر الإعلام العالمي والإقليمي.

يضاف إلى ذلك؛ الاجتماع الهزيل الذي نظمه المجلس العسكري الانتقالي في لقائه التشاوري مع أحزاب الحوار الوطني (التي شاركت في النظام السابق) والإدارة الأهلية يوم الأربعاء الماضي، وما كشفت عنه نهاية ذلك الاجتماع من عراك بالكراسي وسباب بين تلك المجموعات الحزبية الهزيلة؛ أطلق عليه بعض ظرفاء المعلقين: "موقعة ذات الكراسي".

مع ضيق هامش الوقت، ليس للمجلس العسكري، في تقديرنا، إلا المسار الإجباري للتفاوض الجاد مع قوى إعلان الحرية والتغيير والتوافق ضمن تسوية تحدد ملامح الفترة الانتقالية، لأن أي تأخير في تلك الترتيبات ستكون له تداعيات خطيرة على المدى القريب جداً، لا تخلو؛ إما من سيناريو جديدة لثورة مضادة، أو حركة عسكرية تكون بمثابة انقلاب ثالث من صغار ضباط الجيش الذين لهم مصلحة وازنة في انتصار هذه الثورة.

في كل الأحوال، لن يكون المشهد السياسي السوداني على ما هو عليه في الأيام والأسابيع المقبلة، لأن الضغوط المتبادلة في الجانبين، سواء الضغوط الواقعة على المجلس العسكري الانتقالي، أو الضغوط الواقعة على قوى إعلان الحرية والتغيير ستكون هي الحاسمة، أياً كانت النتائج!     

المزيد من آراء