تحكم بريطانيا بالتعرفات الجمركية سيكون ضئيلا في حال خروجها من اوروبا من دون اتفاق

على الرغم من الدعوات إلى "استعادة السيطرة" إلا أن الواقع الاقتصادي يظهر أن التعرفات الجمركية ستحدد وفقا لـ"معدلات الارتباط" المعمول بها فعليا في بريطانيا بموجب قوانين "منظمة التجارة العالمية"

تثير إمكانية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق معه نقاشات مريرة في المؤسسة السياسيّة البريطانية (رويترز)

ما زال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق احتمالاً وارداً.  

أحد التغييرات الرئيسيّة التي ستتأتى مباشرة من ذلك، هو حاجة المملكة المتحدة إلى تطبيق التعرفة الجمركيّة الخاصة بها على وارداتها. ولن تكون ملزمة بالتعرفات الجمركيّة الخارجيّة السائدة في الاتحاد الأوروبي. ولن تكون صادراتها إلى الاتحاد الأوروبي معفاة من الرسوم. وستفقد تقريباً كل فوائد اتفاقات الاتحاد الأوروبي التجاريّة، والتي تشمل 82 دولة.

حتى الآن، تحوّلت سبع من تلك الاتفاقات التجاريّة إلى اتفاقات مستمرة، ولم يكن من بينها اتفاق مع شريك تجاري رئيس للمملكة المتحدة.

أعلنت الحكومة أنها ستُسقط التعرفة الجمركيّة عن 87 في المئة من الواردات، لكنها ستدخل رسوماً على القطاعات الرئيسة بما في ذلك السيّارات والسيراميك ومنتجات اللحوم الأساسية، في حال خروجها من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق. وكان هناك انقسام في المجلس الوزاري بخصوص سياسة التعرفة. إذ نُقل عن وزير البيئة مايكل غوف أنه يسعى وراء تعرفات مرتفعة، في الأقل ضمن مجال الزراعة، بينما يفضّل وزير الخزانة فيليب هاموند اختيار رسوم أقل. لكن وزير التجارة ليام فوكس، طرح فكرة تخفيض كل التعرفات من طرف واحد إلى صفر.

في الواقع، هامش المرونة ضئيل جداً بالنسبة لعدد من المنتجات. إذا وضعنا السياسة جانباً، يتمثّل الواقع الاقتصادي في أن تعيين الحد الأقصى للتعرفة الجمركيّة لأي منتج سيجري وفقاً لـ"معدلات الارتباط" الجاري بها العمل فعليّاً في المملكة المتحدة بموجب قوانين "منظمة التجارة العالميّة".

يتفاوض أعضاء "منظمة التجارة العالميّة" حول الحد الأقصى للتعرفة الجمركيّة الذي يمكن للحكومات أن تطبقه، ووجوب تطبيق النسب نفسها على الواردات من الدول كلها، باستثناء البلدان النامية وبعض الشركاء التجاريّين المشمولين باتفاقات تجاريّة شاملة معها. وأدّت جولات التفاوض المتعاقبة في "منظمة التجارة العالميّة" إلى وضع نِسب منخفضة للحد الأقصى للتعرفة على سلع كثيرة.

وتقل القيمة المتوسطة للتعرفة التي تفرضها المملكة المتحدة على أعضاء "منظمة التجارة العالميّة"، عن 3 في المئة. ويخفي ذلك المعدّل المتوسط ​​عدداً من التعرفات المرتفعة جداً، خصوصاً بالنسبة للمنتجات الزراعية والمنسوجات والملابس والمنتجات الجلدية والسيّارات، وهي مجالات تملك الحكومة فيها هامشاً كبيراً جداً بكثير، إذا رَغبتْ هي في ذلك، للابتعاد عن سياسة التعرفة الجمركيّة الحالية السارية في الاتحاد الأوروبي.

عند اختيار التعرفات على الحكومة أن تفاضل بين أمرين هما:

1- التعرفات المرتفعة التي تعني أيضاً رفع الأسعار بالنسبة للمستهلكين، بغض النظر عما إذا كانوا يشترون من الاتحاد الأوروبي أو بقية دول العالم. إذ سيتعين على المملكة المتحدة فرض التعرفات نفسها على جميع أعضاء "منظمة التجارة العالميّة"، في حال الخروج من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق.

2- التعرفات المنخفضة التي ستعرّض منتجي المملكة المتحدة لمنافسة أشد مع الاستيراد وستؤدي إلى انخفاض القدرة على المساومة في المفاوضات التجاريّة المستقبلية. يوضح مثلُ الواردات الغذائية تلك المفاضلة. يمكن أن تصل التعرفة الجمركيّة على اللحوم إلى 84%، و74% على مشتقات الحليب، و63% على الحبوب.

في الوقت الحالي، يأتي 71% من واردات المملكة المتحدة الزراعيّة من الاتحاد الأوروبي من دون رسوم جمركيّة، بينما تخضع بقية المنتجات إلى رسوم مرتفعة. زيعتبر رئيس مجموعة البحث الأوروبية المحافظة جاكوب ريس موغ، خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي فرصة للتخلص من "الحماية الجمركيّة" للاتحاد الأوروبي، والتوسّع في الإعفاء من الرسوم الجمركيّة ليشمل كل الواردات، على أمل أن يستمتع البريطانيون بتناول مزيد من اللحم البقري الأسترالي الغض، ولعله مغذَّى أيضاً بالهرمونات. في المقابل، يريد وزير البيئة مايكل غوف إبقاء الرسوم مرتفعة على لحوم الأبقار لحماية مزارعي المملكة المتحدة من منافسة اللحوم المستوردة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تتمثل خطة الحكومة في وضع المواد الغذائية التي لا تُنتَجْ في المملكة المتحدة (مثل البرتقال والسكر) على قائمة السلع المعفاة من الرسوم، ووضع مواد غذائيّة اخرى مثل اللحم البقري والضأن، التي تُنتَجْ في المملكة المتحدة على قائمة السلع الحساسة مع فرض رسوم عليها. يعد هذا النهج عقلانياً من منطلق مصلحة المستهلك والمنتج، بمعنى التخلّص من التكاليف غير الضروريّة للمستهلك عند الإمكان ومحاولة حماية المنتجين المحليّين من المنافسة مع الاستيراد عند الطلب.

ويبدو ذلك المنطق حكيماً بالنسبة لإجراءات السياسة التجاريّة الأحادية الجانب، إلاّ أنه يغفل حقيقة أن ذروة الرسوم الجمركيّة غالباً ما تبقى في القطاعات التي يحجم الشركاء التجاريون عن فتح اقتصاداتهم فيها أمام الواردات. إذا أخذنا السيّارات مثلاً، نرى أن معظم الدول المتقدمة تحمي صناعة السيّارات لديها، ويمكن تعليل تلك الحماية بالقيمة المضافة والبحث والتطوير والوظائف الرفيعة المرتبطة بها.

وسيدفع الخروج من دون اتفاق المملكة المتحدة إلى فرض تعرفة بحوالي 10% على السيّارات لحماية صناعة السيّارات المحلية، وهي النسبة نفسها التي يطبقها حالياً الاتحاد الأوروبي على البلدان الخارجية. لكن، لن يكون ذلك كافياً لمساعدة صناعة السيّارات في المملكة المتحدة، فيما ستخضع صادراتها إلى رسوم جمركيّة في أكبر وجهة تصدير لها: الاتحاد الأوروبي.

في الواقع، تشير الدراسات الأكثر شمولاً عن التأثيرات المتوقعة للخروج من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق على صناعة السيّارات في المملكة المتحدة، إلى أن إنتاج السيّارات في المملكة سينخفض بنسبة 12%، لأن الزيادة في المبيعات المحلية لن تعوض الخسارة في المبيعات الخارجية لأنها ستنتج عن المعوقات التجاريّة أمام المملكة المتحدة في أسواق التصدير.

ما يمكن أن تحققه إجراءات السياسة التجاريّة الأحادية الجانب، هو محدود تماماً. ويشكّل ذلك سبباً أساسيّاً لوجود اتفاقات تجاريّة تقلّل العوائق أمام التجارة بين الدول، وتشجع النشاط الاقتصادي المشترك، عبر تأمين وصول متبادل إلى أسواقها.

وتقدّم الصفقة التجاريّة بين الاتحاد الأوروبي وكندا في قطاع السيّارات، ذلك الأمر بالضبط. إذ قدّم الجانبان تنازلات لبعضهما بعضاً عِبرَ تخفيض التعرفات الجمركيّة والتقليل من التكاليف الناجمة عن تباين النُظم بينهما. ونادراً ما تعمد الحكومات إلى إلغاء جميع التعرفات من جانب واحد، ذلك أنها أوراق مساومة مهمّة في المفاوضات التجاريّة، بهدف الحصول على تنازلات في الوصول إلى الأسواق من الشركاء التجاريين في المنطقة نفسها أو في غيرها.

في النهاية، بينما يبدو المبدأ الذي اقترحته الحكومة لإدارة مصالح المستهلك والمنتج سليماً، إلا أنه يطرح السؤال نفسه الذي سأله كثيرون إبّان فترة الاستعداد للاستفتاء الذي جاءت نتيجته لصالح بريكست. هل ذلك التصحيح في هامش التعديل الضئيل في السياسة التجاريّة الأحادية الجانب، يستحق خسارة الوصول إلى عمق السوق في أكبر كتلة تجاريّة في العالم مع ما يصاحب ذلك من نفوذ في المفاوضات التجاريّة مع بلد ثالث؟

يشير الأداء الفعلي للاقتصاد البريطاني منذ الاستفتاء على بريكست، إلى أن الإجابة عن السؤال أعلاه هي "لا". وحاضراً، تعد المملكة المتحدة من الدول الأبطأ نمواً في "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية". وتعرّض الجنيه الاسترليني إلى انخفاض كبير ما جعل الواردات مكلفة أكثر بصورة فوريّة، خصوصاً في السلع الوسيطة (= المنتجات التي تستعمل في إنتاج سلع أخرى)، بينما لم تحدث طفرة في الصادرات. ويُظهر بحثٌ جديد أن العاملين قد تحملوا بالفعل وطأة ذلك الأمر.

ولأن مكانة المملكة المتحدة في سلم القيمة العالمية أصبحت أقل ثباتاً، فقد تباطأت الزيادات في أجور العاملين، وخُفض التعليم والتدريب المتّصل بالعمل، ما لا يبشر بالخير بالنسبة للإنتاجيّة في المستقبل.

أُنفِقَ وقت كبير على موضوع التعرفات، ما أبعدنا عن السؤال الأكبر المتمثّل في ضعف الإنتاجية وانخفاض النمو الحقيقي في الأجور في المملكة المتحدة. وتعتبر الخدمات التي لا تخضع للرسوم أمراً جوهريّاً في ذلك المضمار لأنها توظّف 80% من القوى العاملة في المملكة المتحدة. وقد تكون تكلفة الخروج من دون اتفاق باهظة في مجال الخدمات والأنشطة المرتبطة بها.

يشكل الاتحاد الأوروبي سوقاً هامةً بالنسبة لخدمات المملكة المتحدة، ويعد الوصول إلى أسواق ثالثة (غير المحلية والأوروبية) أمراً مثيراً للقلق الشديد بسبب المخاوف حول السيادة ومعايير الجودة. وباستثناء بعض القطاعات مثل قطاع التمويل الذي لديه فرصة للحصول على صفقات مميزة، فإن جزءاً كبيراً من الاقتصاد البريطاني سيتكبد ثمناً باهظاً للخروج من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، لأنه سيؤدي إلى انخفاض طويل الأمد في الناتج الإجمالي المحلي.

الدكتور سواتي دينغرا مدير البحث في دراسة "المملكة المتحدة في أوروبا المتغيرة" وأستاذ مشارك في قسم الاقتصاد والبحوث، و"مركز الأداء الاقتصادي- كلية لندن للاقتصاد".

جوش دي ليون باحث مساعد في "مركز الأداء الاقتصادي- كلية لندن للاقتصاد"، ويحضّر لنيل درجة الدكتوراه من "جامعة أكسفورد".

© The Independent

المزيد من دوليات