فضيحة تطارد رئيس حراك الجيل الجديد في كُردستان

أمر بجمع فيديوات ومعلومات ووثائق عن برلمانيي حزبه

ينفي شاصورا عبد الواحد رئيس حراك الجيل الجديد ما اعترف به سكرتيره (وكالة نون الإخبارية)

بعد انتظار طال لقُرابة أسبوعين، نشر جهاز الأمن الرئيسي في إقليم كُردستان العراق، "الأسايش"، اعترافات المعتقلين المُقربين من رئيس حراك الجيل الجديد المُعارض للحزبين الكرديين الرئيسيين شاصوار عبد الواحد. فقد كشفت مقاطع فيديو اعترافات السكرتير الشخصي لرئيس الحراك وأحد المُقربين منه بأنه تلقى تعليمات من رئيس الحراك تأمره بجمع معلومات ووثائق عن جميع برلمانيي الحراك، في برلماني العراق وإقليم كردستان العراق، ليتمكن رئيس الحزب من استخدامها ضدهم إذا ما تمردوا على هيمنته على الحِراك. وأعلن أن الفيديوات التي جُمعت هي ذات طبيعة مرتبطة بالآداب والقيم الاجتماعية. 

قال المُعتقلون إن تلك الفيديوات جُمعت من خِلال كاميرات سرية وضعت في أماكن إقامة قيادات الحراك. وتفيد المعلومات بأن ثمة جهازاً سرياً ضمن حراك الجيل الجديد، مرتبط برئيس الحِراك، مهمته الوحيدة هي التشهير بالشخصيات السياسية في الإقليم. 

رئيس الحراك ينفي صحة تلك الاعترافات، مُقدراً أنها تستهدف تشويه صورته وصورة تنظيمه السياسي. ويضيف أن الأطراف السياسية الرئيسية في الإقليم تتقصد منذ البداية تحجيم حراك الجيل الجديد وتعطيل قُدراته على التحرك في المعارضة، مُضيفاً أن هذه الاعترافات قد اُنتزعت عبر الضغط والتهديد والتعذيب.

إنكار 

لكن أنكار عبد الواحد التُهم الموجهة إليه لم تلق أذناً صاغية في الأوساط الشعبية في إقليم كُردستان العراق، التي كانت قد تلقت صدمة قبل ثلاثة أسابيع، حينما عقدت القيادية وعضو البرلمان عن الحراك شادي نوزاد مؤتمراً صحافياً اتهمت فيه رئيس الحراك بابتزازها وتهديدها بنشر فيديوات مُفبركة عن حياتها الاجتماعية والشخصية. 

فقد بيت نوزاد أن أعضاء البرلمان من كُتلة الجيل الجديد لم يخضعوا لإملاءات رئيس الحراك واستراتيجيته السياسية تجاه القضايا الداخلية وشكل العلاقة مع القوى العراقية. ما دفع رئيس الحراك لأن يدعوهم إلى الاجتماعات السياسية للحراك، وقد حجز لهم شققاً خاصة في مُجمع (جافيلاند) المملوك له، لكنه صور حياتهم الخاصة وقتئذ، وصارت أداة بيده، يستخدمها ضدهم ويبتزهم بها. 

كان ذلك المؤتمر مثيراً بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المُجتمع الكردي، فالقضايا الاجتماعية والحياة الخاصة بقيت عادة خارج الحياة السياسية تماماً، وشكلت على الدوام إحدى الخطوط الحُمر التي تلتزم بها القوى السياسية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أزمة داخلية 

شكلت الأحداث الأخيرة تتويجاً لما كان يمر به حراك الجيل الجديد من أزمة داخلية شديدة الحراجة مُنذ أكثر من شهر. 

إذ أصدر ما سمى نفسه (المجلس الأعلى لحراك الجيل الجديد) بياناً سياسياً في الـ21 من أبريل (نيسان) الفائت، أتهم فيه رئيس الحِراك بـ"إقحام الحراك مع العائلة وعالم الأعمال على نحو يصعب فصلهم عن بعض". ما لبث أن تبناه رئيس كتلة الحراك في البرلمان العراقي رابون معروف، وأيده نائب آخر من الكُتلة نفسها. ما عرضهم للفصل من قِبل رئيس الحِراك. 

وكان واضحاً أن المُتمردين ضمن الحراك الجيل الجديد أنما يعترضون على ميل رئيس الحراك لاستحصال عوائد مالية وتجارية من خلال استخدام الوزن السياسي لحراكه، سواء في البرلمان المركزي، حيث يملك أربعة مقاعد برلمانية، وثمانية مقاعد في برلمان إقليم كُردستان العراق، من أصل 111 مقعداً. وقد وعد هؤلاء بمتابعة الأسس السياسية والأيديولوجية، لكن من دون هيمنة من رئيسه. 

وسبق تفتت الكُتل البرلمانية للحراك مغادرة عدد من مؤسسي الحراك وقادة التنظيم، ومنهم إبراهيم عباس وشيروان شيرواني.

خلفية الصعود السريع 

يُعتبر تشكيل حراك الجيل الجديد الواجهة السياسية لتطلعات رجل الأعمال الكردي المُثير للجدل عبد الواحد، الذي ظهر كشخصية عامة في الإقليم مُنذ قُرابة العقد، حينما حققت مشاريعه العقارية في مدينة السُليمانية نجاحاً استثنائياً، تقول المرويات المُتداولة إنه كان الواجهة الظاهرة لأحد القيادات السياسية المُتنفذة هناك.  

لكن حجم الأعمال التي ينشط فيها عبد الواحد توسعت، وصارت تدخل مُختلف القطاعات، بالذات في القطاع الإعلامي، حيث أسس شركة ناليا للإنتاج الإعلامي، التي أطلقت مجموعة من القنوات التلفزيونية، صارت بالتقادم تتخذ خطاباً مُعارضاً للحزبين الكُرديين الحاكمين، خصوصاً الديمقراطي الكُردستاني. 

على أن التحول الرئيسي في مسيرته الشخصية كانت أواسط عام 2017، حينما توافقت الأحزاب الكُردية على إجراء استفتاء استقلال الإقليم عن العراق، وقررت أن تُجري ذلك الاستفتاء في 25 سبتمبر (أيلول) من العام نفسه. لكن عبد الواحد ظهر وقتذاك كشخصية عامة استثنائية في رفضها ذلك المشروع، وأسس حركة شعبية باسم "لا للاستقلال الآن"، وكان يقصد بها رفض استفتاء استقلال الإقليم في الوقت الراهن.

البداية والنهاية 

استغل عبد الواحد الإجماع العراقي والإقليمي الواقف في وجه المشروع الكردي، واعتبرها دلالة على صوابية خياراته وخطابه السياسي في مناهضة الحزبين الرئيسيين الحاكمين، الديمقراطي والاتحاد الوطني الكردستانيين.  

مع عودة الهدوء النسبي إلى الحياة العامة في الإقليم بعد أحداث محافظة كركوك في 16 أكتوبر (تشرين الأول)، إذ أعاد الجيش العراقي هيمنته على المُحافظة، بعدما كانت تحت سيطرة قوات البشمركة الكردية لسنوات. ووقتذاك قرر عبد الواحد رفد عالم أعماله التجارية والعقارية والإعلامية بجناح سياسي، فأسس حراك الجيل الجديد، الذي دخل الانتخابات البرلمانية العراقية والكردستانية خلال عام 2018، وحقق نجاحاً استثنائياً، بالنسبة إلى تنظيم لم يكن قد مضى على تأسيسه سنة واحدة. 

كان خيار الحراك هو القطيعة التامة مع الحزبين الرئيسيين الحاكمين، واتهم أحزاب المُعارضة بمهادنة هذين الحزبين، لأجل ذلك دخل الحراك في خِطاب شعبوي وتصعيدي جذري، وصل إلى حد تهديد رئيس الحراك بإعدام أبناء العوائل الحاكمة في الإقليم. 

على أن المُجريات أثبتت تدهور أحوال مشروع حراك الجيل الجديد، فالفساد الذي كان يتهم به الأحزاب الأخرى إنما صار يُصيب الحراك نفسه، بعدما اتهم قياديون من الحراك رئيسهم بخلط ما هو سياسي بعالم الأعمال بنفوذه الشخصي ومشاريعه الخاصة. وروح العائلة الحاكمة صار ينطبق على التنظيم نفسه، بعدما طاولت الاتهامات رئيس الحراك وشقيقته البرلمانية سروة عبد الواحد بالتفرد في إدارة الحراك وتحديد استراتيجياته. أما سوء الإدارة، فيبدو واضحاً أن رجل أعمال لا يملك تجربة سياسية وعمقاً مجتمعياً، لن يتمكن من مُعايشة تعقيدات الحياة في المجتمع الكردستاني، وإلا ما طاولته شبهة التشهير الاجتماعي بأعضاء حزبه، التي فيما لو أقر القضاء بصحتها، فإنها ستعني نهاية الحراك، شعبياً قبل أن يكون قضائياً وسياسياً.

المزيد من الشرق الأوسط