Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

البابا فرنسيس ينتقد "من في يده السلطة" في أزمة لبنان

الراعي: المجتمع الدولي يعتبر أن الجميع يُخالف الدستور ومنهم رئيس الجمهورية

أطلق البابا فرنسيس مواقف انتقدت الطبقة السياسية اللبنانية (أ ف ب)

سلّط الفاتيكان الضوء على الأزمة اللبنانية في شكل غير مسبوق، من خلال رعايته اجتماع تسعة من القادة الروحيين المسيحيين في مقر البابوية الكاثوليكية، في 1 يوليو (تموز) الحالي، وجذب اهتمام وسائل الإعلام العالمية والدوائر السياسية في عواصم القرار، إلى هذه الأزمة المتمادية التي أغرقت لبنان في فراغ حكومي منذ أكثر من 10 أشهر، في وقت بدأ المأزق الاقتصادي والمعيشي الذي يفتك بحياة اللبنانيين ينزلق إلى الفوضى وتهديد الاستقرار الأمني. 

فما حصل في مدينة طرابلس (شمال) من مواجهة بين متظاهرين محتجين على تراجع أبسط الخدمات الحياتية بفعل انقطاع التيار الكهربائي لثلاثة أيام متواصلة، جراء فقدان المحروقات لتشغيل المولدات الخاصة تعويضاً عن انقطاعه من الشبكة الرسمية، وبين الجيش، وظهور السلاح لإطلاق النار في الهواء، فضلاً عن الحوادث والاحتكاكات بين المنتظرين في الطوابير على محطات البنزين، وقطع الطرقات العشوائي في المناطق اللبنانية كافة احتجاجاً على الارتفاع الجنوني لأسعار المواد الغذائية، شكل جرس إنذار شغل الجيش والقوى الأمنية، في اليوم الذي سبق الاجتماع في الفاتيكان. 

البابا و"مصالح من في يده السلطة"

البابا فرنسيس أطلق مواقف انتقدت الطبقة السياسية اللبنانية في ختام اجتماع مغلق مع خمسة رؤساء للطوائف الكاثوليكية وأربعة رؤساء للطوائف المسيحية الأرثوذكسية في لبنان والمنطقة، تدارسوا فيه أوضاع المسيحيين في لبنان والمحيط العربي، وسبل إيجاد الحلول للأزمة في البلد الصغير الذي أنهكته الصراعات السياسية، مع التشديد على أولوية الحفاظ على رسالة لبنان بالعيش المشترك الإسلامي - المسيحي.  

وفي وقت لم يستثن البابا فرنسيس في كلمته في "يوم الصلاة والرجاء من أجل سلام لبنان"، أياً من كبار المسؤولين حين قال إنه "لا يمكن أن يُترك لبنان رهينة الأقدار أو رهينة الذين يسعون وراء مصالحهم الخاصة دون رادع. وليضع كل مَن في يده السلطة نفسه نهائياً وبشكل قاطع في خدمة السلام لا مصالحه"، فإن البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي قال في اليوم التالي للنهار الطويل للمناقشات التي جرت بين البابا ومساعديه وبين رؤساء الطوائف التسعة، في حديث تلفزيوني، إن "المجتمع الدولي يقول إنه غير راض عن المسؤولين وأدائهم والجميع يُخالف الدستور، ومن ضمنهم رئيس الجمهورية بدءاً بطريقة تأليف الحكومة إلى طريقة العمل ككل". وأوضح أن "الكل مسؤول عن الأزمة".

"استخدام لبنان لمصالح خارجية"

وكان البابا دعا "القادة السياسيين في لبنان إلى أن يجدوا، كل بحسب مسؤولياته، حلولاً عاجلة للأزمة"، متمنياً أن "ينجم عن هذا اليوم مبادرات عملية في إطار الحوار والالتزام والتضامن". واعتبر أن "لبنان رسالة عالمية". لكنه كان مباشراً بإثارته العوامل الخارجية في أزمة لبنان بقوله "كفى أن تسيطر أنصاف الحقائق على آمال الناس. كفى استخداماً للبنان والشرق لمصالح خارجية، ويجب إعطاء اللبنانيين الفرصة ليكونوا بناة فرصة أفضل على أرضهم دون تدخلات لا تجوز". وطالب المجتمع الدولي بتوفير الظروف المناسبة للبلد حتى لا يغرق، وناشد أعضاء الأسرة الدولية "رعاية جهد مشترك حتى لا ينهار لبنان، ولكي يسلك طريق النهوض".
كما خاطب "إخوتنا وأخواتنا المسلمين ومن الديانات الأخرى"، داعياً إلى "الانفتاح وتعزيز السلام، وهذا ليس فيه غالبون ومغلوبون بل إخوة يسيرون من الصراع إلى الوحدة".

استماع للتفاصيل والبحث تناول "حزب الله"

وكشف البطريرك الراعي أنه ستكون هناك متابعة لاجتماع الخميس الماضي في روما، وأن "لا شيء يمنع أن يدعو البابا السياسيين والرؤساء الروحيين المسلمين، ومن الممكن أن يكمل هذا الموضوع، وأنا رأيته مصمماً في الموضوع اللبناني ويريد حمل القضية اللبنانية حتى النهاية لإيجاد حل للأزمة". وأوضح أن اللقاء في الفاتيكان كان مناسبة لكي يستمع البابا إلى التفاصيل وهو لم يتدخل فيها، وفي النهاية قال كلمته" وأضاف، "الفاتيكان ما بيمشي على العمياني (لا يتصرف عشوائياً) إنما يفكر ويعمل بطريقته الدبلوماسية". وأعلن البطريرك أنه سيعمل جدياً بعد لقاء الفاتيكان على جمع المسؤولين من أجل تشكيل الحكومة. ورداً على سؤال عن "حزب الله" قال، إن البحث خلال الاجتماع مع البابا تناول موضوع الحزب. واعتبر أنه "لا يحق له أن يقرر الحرب والسلم، ووضع رئيس الجمهورية والحكومة والشعب جانباً"، مضيفاً "لا أعرف إن كان وجود حزب الله يوقف الدعم الدولي للبنان فالمجتمع الدولي يقول إنه غير راض عن المسؤولين".
وقال الراعي، إن البحث تناول الحياد والمؤتمر الدولي لإنقاذ لبنان الذي يقترحه هو منذ زهاء سنة. وذكر أن البابا لم يتدخل، بل جلس مستمعاً إلى الحاضرين، مشيراً الى أن الفاتيكان يريد الاستماع إلى كل الأصوات للجوجلة، وهو يعمل بطريقته الدبلوماسية ولا بيان أو تقرير سيصدر.

وبدا واضحاً أن هناك حرصاً من قبل الفاتيكان ودوائره على تسريع تأليف الحكومة في لبنان، وأن المواقف التي صدرت عن البابا هي للضغط لهذا الهدف، من بين أهداف أخرى. وهو ما دفع وزير خارجية الكرسي الرسولي الأسقف بول ريتشارد كالاغر إلى التأكيد على أن زيارة البابا إلى لبنان مرتبطة بتشكيل الحكومة اللبنانية ومن "الممكن" أن تتم في نهاية 2021 أو مطلع 2022.
وعلى الرغم من التلميحات التي تضمنتها كلمة البابا إلى الرئيس عون في حديثه عن "مَن في يده السلطة"، فإن الأخير كان استبق اجتماع روما بدعوة اللبنانيين إلى اعتبار اجتماع الفاتيكان "محطة انطلاق لاستنهاض كافة مقومات رسالة لبنان في محيطه والعالم، وهي رسالة العيش معاً على قاعدة الاعتراف بالحقوق والاحترام المتبادل والتوازن". وفي وقت استخدم في تصريحه العبارات نفسها التي يستخدمها في خلافه مع رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري على تأليف الحكومة، عاد فقال بعد كلمة البابا، إن "اللبنانيين بكافة طوائفهم والذين يكنون للكرسي الرسولي بالغ الاحترام، سيلاقون الحبر الأعظم في دعوته إلى إنقاذ وطنهم الذي يشكل على حد قول البابا، كنزاً يتوجب الحفاظ عليه".
وكان النائب جبران باسيل استخدم بدوره في تصريحه عن اجتماع البابا مع القادة الروحيين المسيحيين، الشعارات نفسها التي يرفعها ضد الحريري، فقال إن "وجود المسيحيين في لبنان مرتبط بدورهم فإذا انتفى الدور انتفى الوجود. تعاطي الفاتيكان معهم بأقل من ذلك يصيبهم بأضرار بالغة أقلها هجرتهم الكاملة. هم ليسوا بحاجة لمَن يفرض وجودهم بل للاعتراف بدورهم، الكرسي الرسولي قادر على استنهاض قوتهم فيطمئنون إلى غدهم".
أما الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري فقال، إن "أملنا أن يتكلل اللقاء الفاتيكاني بالنجاح بدعاء جميع اللبنانيين لحماية عيشهم المشترك، وأن ينعم بلدنا بزيارة قداسة البابا كما وعد بها، ويبقى لبنان أكثر من بلد، إنه رسالة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


الخلافات داخل الطائفة ودور الأقليات المسيحية

 أوضحت مصادر مطلعة على مسار المناقشات التي جرت بين القادة الروحيين المسيحيين والبابا ومعاونيه، أن البحث تناول انعكاس الخلافات بين المسؤولين من الطائفة نفسها سلباً على الأوضاع العامة في البلد، في إشارة إلى التنافس ضمن الطائفة المارونية على النفوذ، بين فريق رئيس الجمهورية والفرقاء المسيحيين الآخرين، في ظل ما يُحكى عن حسابات الفرقاء في شأن معركة رئاسة الجمهورية في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2022.

وعلمت "اندبندت عربية" أن بعض القادة الروحيين الذي يمثلون أقليات مسيحية، أثاروا أيضاً مسألة تجاهل رأي ممثليها في المواقف السياسية وفي أدوارهم في السلطة وتكوينها من قبل بعض القادة السياسيين للطائفة الأكبر أي الطائفة المارونية، فيعاملونهم كملحق بهم. ويذكر في هذا السياق أنه على الرغم من محاولة تقديم ورقة عمل واحدة عن تفاصيل الأزمة السياسية في لبنان، فإن الاجتماع في الفاتيكان ناقش أكثر من ورقة، إذ حرص بطريرك الأرمن الأرثوذكس أرام الأول كيشيشيان على التقدم بورقة منفصلة عن تلك التي تقدم بها البطريرك الراعي.

نتائج حراك البابا في سبتمبر؟

ماذا سينتج عن حراك البابا حيال الأزمة اللبنانية؟ في كل الأحوال، تنتظر أوساط سياسية مطلعة جهوداً جديدة من أجل محاولة إنهاء الفراغ الحكومي، يأمل من خلالها بعض الأوساط بعد الاجتماع الثلاثي في إيطاليا بين وزراء خارجية الولايات المتحدة أنتوني بلينكن، وفرنسا جان إيف لودريان، والسعودية الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله آل سعود، الذي تناول وجوب ظهور المسؤولين اللبنانيين كقيادة تحقق الإصلاحات، كما قال بلينكن. ويترقب بعض هذه الأوساط من خلال اتصالات جرت مع ممثلي الدول الثلاث مدى انعكاس "الضغوط المعنوية" لتأليف الحكومة.
أما في شأن اجتماع الفاتيكان فيقول مستشار البطريرك الراعي، الوزير السابق سجعان قزي، الذي يتولى دور المنسق لمجموعة عمل سياسية تشكل فريقاً استشارياً للبطريرك، إنه يتوقع أن تظهر جهود الفاتيكان حول لبنان في الاتصالات الدولية البعيدة من الأضواء التي يجريها الكرسي الرسولي، خلال شهر سبتمبر (أيلول) المقبل. وعزا قزي هذا التوقيت إلى عوامل عدة منها أن واشنطن تكون قد انتهت من التركيز على مفاوضات فيينا حول العودة إلى التزام إيران الاتفاق الشامل حول برنامجها النووي الذي خرجت عنه بعد انسحاب إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب منه. أما العامل الثاني فهو بحسب قزي، أن إدارة الرئيس جو بايدن تكون قد انتهت من رسم سياستها بشأن الشرق الأوسط ومنه لبنان، لتحدد كيفية التعاطي مع الأزمة اللبنانية.
وفي سياق متصل بهذه التوقعات، يشير أكثر من مصدر إلى اتصالات تجري بعيداً من الأضواء من أجل ترتيب زيارة للبطريرك الراعي إلى واشنطن من أجل أن يطرح على المسؤولين الأميركيين مشروعه لحياد لبنان، ولعقد مؤتمر دولي من أجل تكريس هذا الحياد، من دون استبعاد أن تؤدي إلى تحديد موعد الزيارة في نهاية سبتمبر أو في الخريف المقبل.

المزيد من تحلیل