دراسة علمية حديثة لتأثير "عقوبات إيران" على أسواق النفط

أربع سيناريوهات محتملة لمركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية "كابسارك" تتناول سلوكيات الدول المستوردة والمصدرة والتغيرات المحتملة للأسعار

أكبر محطة لتصدير النفط في رأس تنورة في السعودية (الموقع الإلكتروني لأرامكو)

على ضوء القرارات الأميركية الهادفة إلى زيادة الضغط على إيران، وبالتحديد إلغاء واشنطن الإعفاءات الممنوحة لثماني دول لاستيراد النفط الإيراني، أجرت مجموعة من الدكاترة المتخصّصين في مجال الطاقة والاقتصاد وصنع القرار، وهم كارلو أندريا بولينو وبراين إفرد وفخري حاسانوف وإيمري هاتيبولو، دراسة علمية حول تأثير العقوبات المفروضة على إيران على أسواق النفط، في ما يأتي ملخص تنفيذي عنها.

أعلن وزير خارجية الولايات المتحدة مايك بومبيو، في 22 أبريل (نيسان) 2019، أن الولايات المتحدة لن تقوم بتجديد الإعفاءات التي سمحت في السابق لثماني دول (الصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والهند وتركيا واليونان وإيطاليا) بشراء النفط الإيراني. وقد امتثلت بعض البلدان التي مُنحت إعفاءات، مثل إيطاليا وتايوان، بشكل كامل للقرار الجديد. وتجدر الإشارة إلى أن الدول التي لن تمتثل للعقوبات ومستمرة في شراء النفط من إيران بعد الثاني من مايو ستخضع لعقوبات اقتصادية أميركية كاملة، وذلك إذا طبّقت الولايات المتحدة عقوبات عدم الامتثال. ونتيجة لإعلان بومبيو، ارتفعت أسعار خام برنت القياسي، في اليوم نفسه، أكثر من ثلاثة في المئة، لتصل إلى 70.71 دولاراً للبرميل، ثم بلغت في نهاية المطاف ذروتها عند 74.51 دولاراً للبرميل، وهو أعلى سعر سُجل خلال الستة أشهر الأخيرة. وتشكل صادرات النفط الخام ثلث إيرادات الحكومة الإيرانية وحوالي نصف إجمالي صادراتها.

قدرة سعودية على سدّ حاجات السوق النفطية

أظهر مسح أجرته "بلاتس" (S&P Global Platts) هذا العام (2019)، أن إنتاج المملكة العربية السعودية من النفط الخام لشهر مارس (آذار) 2019، بلغ 9.87 مليون برميل يومياً، وهو أدنى إنتاج للمملكة منذ فبراير (شباط) 2017. وإذا دعت الحاجة إلى زيادة الإنتاج نتيجة لانتهاء الإعفاءات الأميركية، فإن السعودية -ربما بالتنسيق مع الإمارات العربية المتحدة- لديها القدرة الإنتاجية الاحتياطية للتدخل في سوق النفط العالمي وتحقيق الاستقرار فيه من خلال زيادة الإنتاج. ومع ذلك، لم يتّضح بعد ما إذا كان هذا ضروريًا.

أمّا أسباب عدم الوضوح الذي تشهده أسواق النفط العالمية منذ إعلان بومبيو، فهي ثلاثة: إلى أي مدى سوف تتقيد الدول الثمان بالعقوبات الأميركية، وكذلك غيرها من الدول والجهات الفاعلة التي تتاجر بالنفط والمنتجات النفطية مع إيران؟ وإلى أي مدى ستعمل الولايات المتحدة بقوة وبسرعة على تطبيق هذه العقوبات (وإلى متى ستستمر هذه الجهود)؟ وفي المقابل، كيف سيكون رد فعل أسواق النفط العالمية؟

بناءً على نمذجة "كابسارك" لعملية صنع القرار السياسي، وجدنا أن المجتمع الدولي، وبعض الدول التي استفادت من الإعفاءات السابقة، ستلتزم جزئيًا -في أحسن الأحوال- بالعقوبات الأميركية الجديدة على النفط الخام الإيراني والمكثفات النفطية. وتشير النمذجة التي أجريناها أيضاً إلى أنه من غير المرجّح أن تمتثل الصين والهند وتركيا تحديدًا باستراتيجية العقوبات الأميركية، وستحافظ على جزء كبير من تجارة النفط الحالية مع إيران. فيما قد تبقي اليونان وإيطاليا وبعض الدول الأخرى بحذر على مستوى منخفض من تجارة النفط مع إيران، مع الاستمرار في معارضة العقوبات الأميركية والضغط ضدّها. ويمكن لتجارة النفط مع إيران أن تستمرّ وفق العديد من الآليات، وسيتم استعراض بعضها في هذه الورقة. وتشير نمذجتنا أيضًا إلى أنه لا يزال هناك خطر كبير لأن ترضخ الولايات المتحدة للضغوط الدولية لتمديد الإعفاءات أو منح إعفاءات جديدة، أو استبدالها بآلية مشابهة.

أربعة سيناريوهات

واستناداً إلى عمليات المحاكاة لنموذج كابسارك القياسي للاقتصاد الكلي للطاقة (KGEMM)، والنموذج الاقتصادي العالمي لأكسفورد، قمنا بتقييم الآثار المترتبة على أسعار النفط نتيجة لإلغاء الإعفاءات في أربعة سيناريوهات. يفترض السيناريو الأول أن العقوبات الأميركية المشدّدة غير فعالة على الإطلاق، ويفترض الثاني حدوث انخفاض بنسبة 40 إلى 45 في المئة في صادرات الخام الإيراني، وذلك تماشياً مع التوقعات المستمدة من محاكاة مجموعة أدوات كابسارك للتحليل السلوكي في ما يتعلق بدرجة الامتثال المتوقع، ويفترض السيناريو الثالث أن العقوبات فعالة تماماً وستوقف صادرات الخام الإيرانية، ويفترض السيناريو الرابع أن السعودية ستعوّض التوقّف التام لصادرات الخام الإيراني عن طريق استخدام طاقتها الإنتاجية الاحتياطية للحدّ من تقلّب أسعار النفط وتحقيق الاستقرار في سوق النفط العالمي. ووجدنا أنه كلما انخفضت كمية النفط الخام الإيراني المتاح للتصدير ارتفع سعر النفط، ما لم تعوّض السعودية ذلك النقص من طاقتها الإنتاجية الاحتياطية. ومع ذلك، ففي أقصى الحالات -حيث تكون العقوبات الأميركية المشددة فعالة تماماً في إيقاف صادرات الخام الإيراني وقيام السعودية بتعويض ذلك- فإن سعر النفط المتداول لن يتغير. بل إنه وبسبب العلاقة غير الخطية بين إنتاج النفط وأسعاره العالمية، فإن أي استقرار للسوق بفعل الطاقة الإنتاجية للمملكة يمثل منفعة صافية لسوق النفط العالمية.

حتى في حالة عدم وجود امتثال ملحوظ لعقوبات النفط الأميركية، فإننا لا نزال نتوقع أن تعاني إيران مالياً. إذ أن تطبيق وزارة الخزانة الأميركية لعقوبات مالية منفصلة ضدّ إيران، وأي كيان يجري تبادلات تجارية معها، سيسبّب ارتفاع تكاليف المعاملات وأقساط المخاطرة عند التعامل مع النظام المالي الأميركي، ويضع ذلك ضغطاً إضافياً على ميزان المدفوعات والنظام المصرفي الإيراني غير المستقرين، كما كانت الحال خلال العقوبات الاقتصادية الأميركية والأوروبية عام 2011.  

مسلسل العقوبات الأميركية على إيران منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي

وكانت مجموعة الخمسة زائد واحد، التي تضمّ الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا والمملكة المتحدة والصين وألمانيا، والاتحاد الأوروبي وافقا على خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) مع إيران في يوليو 2015، بعد مفاوضات طويلة. وتعهّدت إيران بموجب هذا الاتفاق بالحدّ من تخصيب اليورانيوم مقابل رفع العقوبات الاقتصادية التي تفرضها عليها الدول الغربية. وفي 8 مايو (أيار) 2018، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الولايات المتحدة ستنسحب من جانب واحد من المعاهدة. وفي 5 نوفمبر 2018، أعادت واشنطن فرض عقوبات واسعة النطاق على طهران، ممّا رفع أسعار خام برنت إلى 73.17 دولاراً للبرميل. ووصفت وزارة الخزانة الأميركية هذه الخطوة بأنها "أكثر العقوبات الأميركية المفروضة على إيران شدةً"، وأنها مصممة "على استهداف القطاعات الحيوية للاقتصاد الإيراني، مثل الطاقة والشحن وبناء السفن"(White House Fact Sheet 2019). وبعد هذا الإعلان بفترة وجيزة، منحت الولايات المتحدة ثماني دول إعفاءات لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد، تسمح لهم بشراء النفط الخام الإيراني والمكثفات النفطية، وشملت الإعفاءات الصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والهند وتركيا واليونان وإيطاليا. كذلك مُنح العراق إعفاءً لمدة 90 يوماً في مارس 2019، ممّا سمح له بمواصلة شراء الطاقة من إيران، والسبب كما ذُكر هو تخفيف النقص في الكهرباء العراقية قبل الحمل الذروي في الصيف.

وبينما استلمت البلدان الثمان أكثر من 75 في المئة من صادرات النفط الخام والمكثفات الإيرانية المسجلة في عام 2017 (وفق حسابات معدي الدراسة بناءً على بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية)، قامت خمس من الدول الثمان -التي تعتبر حليفة للولايات المتحدة- بعيد الخطوة الأميركية الأخيرة، بتخفيض وارداتها النفطية من إيران بشكل كبير أو حتى إيقافها. فيما لم تقم الصين والهند وتركيا بذلك. وتبعًا لتجديد العقوبات الأميركية، انخفض إنتاج النفط الإيراني بشكل مطرد من 3.8 مليون برميل يومياً في مايو 2018، إلى 2.7 مليون برميل في اليوم في ديسمبر (كانون الأول) 2018 (انظر إلى المستند أدناه)، ما يمثل انخفاضاً بنسبة 30 في المئة تقريباً، وظلّ مستقراً نسبياً منذ ذلك الوقت. وذكرت هيئة الإذاعة البريطانيةBBC) ) مؤخراً أن صادرات النفط الإيراني انخفضت إلى أقل من مليون برميل يومياً في الوقت الحالي، بعد أن كانت 2.5 مليون برميل في اليوم قبل إعلان العقوبات الأميركية في مايو 2018.

 

 وعاد وزير الخارجية الأميركي وأعلن، في 2 مايو 2019، أن الولايات المتحدة لن تجدّد الإعفاءات للدول الثماني، وأن العقوبات ستدخل حيّز التنفيذ بالكامل، وذلك من دون أن يتّضح الأمر بالنسبة إلى الإعفاء الممنوح للعراق، نظراً إلى أنه حالة خاصة. وأكد بيان أصدره البيت الأبيض، في اليوم نفسه، التزام واشنطن الحد من صادرات النفط الإيراني، مشيراً إلى أن الهدف هو "الوصول بصادرات النفط الإيرانية إلى الصفر وحرمان النظام من مصدر دخله الرئيس". وفاجأ هذا الإعلان الأسواق وسبّب ارتفاع خام برنت لأكثر من اثنين في المئة، ليصل إلى 74.51 دولاراً للبرميل في اليوم عينه، مسجلاً أعلى سعر له منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 ((Kelly 2019. وعلى الرغم من الخطاب الحادّ الذي تتبناه الإدارة الأميركية ضدّ إيران، إلا أن الأسواق غير متأكدة من كيفية المضي في طريق إلغاء الإعفاءات وإعادة فرض العقوبات. 

نبني تحليلنا في هذه الورقة على نموذجين: مجموعة أدوات كابسارك للتحليل السلوكي (KTAB) ونموذج كابسارك القياسي للاقتصاد الكلي للطاقة (KGEMM). وفيما الأول هو منصة نمذجة مفتوحة المصدر تعمل على تسهيل التحليل المنهجي لعمليات اتخاذ القرارات الجماعية، فالثاني هو أداة لتحليل السياسات لدراسة آثار القرارات على المستوى الوطني وتفاعلها مع الاقتصاد العالمي، بما في ذلك أسواق الطاقة وبيئة الاقتصادي الكلي للطاقة في السعودية.

مستوى الامتثال: تحليل لمحاكاة مجموعة أدوات كابسارك للتحليل السلوكي

تحاكي مجموعة أدوات كابسارك للتحليل السلوكي عملية صنع القرار الجماعي، التي تشمل السياسات المحلية والدولية للولايات المتحدة وإيران ومستوردي النفط الإيراني وغيرهم من المؤثرين (الجهات الفاعلة)، والتي ستشكل القرارات الوطنية للامتثال للعقوبات والالتزام بإبقائها مع مرور الوقت. ويحاكي النموذج وجهات النظر المتغيرة للجهات الفاعلة بشأن المستوى المناسب من الامتثال للعقوبات، التي تقودها الولايات المتحدة على إيران والتي تركز على النفط الخام والمكثفات النفطية، بناءً على الضغوط السياسية الناشئة عن مختلف المصالح ومراكز القوى السياسية.

منذ إعلان تجديد العقوبات الأميركية ضد الطاقة الإيرانية في مايو 2018، حتى إعلان الإعفاءات في نوفمبر 2018 وما بعده، دبّ خلاف واسع في المجتمع الدولي حول الامتثال -وإلى أي مدى- للعقوبات الأميركية على شراء النفط الخام والمكثفات الإيرانية. إذ كان حلفاء الولايات المتحدة الشرق آسيويين -مثل كوريا الجنوبية وتايوان واليابان- أكثر تأييدًا للعقوبات بشكل عام من العديد من الدول الأخرى، وذلك على الرغم من أنهم كانوا يفضلون تجنّب العقوبات تماماً، ومارسوا الضغط بهدوء على الحكومة الأميركية لإعادة النظر في نهجها. وفي المقابل، أوضحت الصين والهند وتركيا أنهم غير مستعدين للامتثال الكامل للعقوبات التي جدّدت، وأنهم كانوا مبدئياً على استعداد لامتثال رمزي فقط بها.

أجرينا محاكاة باستخدام هذا النموذج، في نوفمبر 2018، لعملية اتخاذ القرارات الجيوسياسية في ما يتعلق بالعقوبات (Efird 2018). وبدأنا هذه العملية قبل الإعلان عن الإعفاءات، واستكملنا العمل التحليلي بعد إعلان الإعفاءات رسمياً. وتتضمّن عمليات المحاكاة تقبلاً أميركياً جزئياً، على الأقلّ لعدم إمكانية الوصول لامتثال موحد بتطبيق العقوبات. وبناءً على هذا الاستنتاج، فهناك تفسير للإعفاءات بدلاً عن الذي يقدّمه المسؤولون الأميركيون والكثير من وسائل الإعلام الغربية عادةً، وهو أن صناع القرار في الولايات المتحدة أدركوا أنهم لا يستطيعون حشد إجماع دولي لصالح العقوبات، مما قد يقوّض فعاليتها إلى حدٍ كبيرٍ. وبدلاً من المضي قدماً في ما يتوقع له الفشل، كانت الإعفاءات محاولة لحفظ ماء الوجه من جانب الولايات المتحدة، على أمل أن يؤدي مرور الوقت إلى تغير الظروف الجيوسياسية.

وبعد إعلان بومبيو انتهاء الإعفاءات، قمنا بتحديث تحليلنا في أواخر أبريل 2019. ولم تختلف نتائج عمليات المحاكاة الجديدة اختلافاً كبيراً عن تلك التي أخرجها النموذج في نوفمبر 2018. ووجدنا مرة جديدة أن غالبية الجهات الفاعلة -مستوردو الخام الإيراني والجهات الخارجية المهتمة، مثل روسيا والاتحاد الأوروبي- تدعم جميعها امتثالاً جزئياً للعقوبات، وليس أكثر من ذلك. ويعزّز هذا الاستنتاج الرغبة الصينية والهندية والتركية في الحفاظ على مستوى جيد من واردات الخام الإيراني. وبالتالي، نتوقع من هذه البلدان الثلاث على وجه الخصوص مواصلة استيراد النفط الإيراني، سواء كان ذلك عبر قنوات خفية أو غير مشروعة، أو علانية أو من خلال أطراف أخرى. وتعترف هذه الجهات الفاعلة بضرورة استرضاء الولايات المتحدة إلى حدٍ ما، الأمر الذي نفسّره على أنه استعداد لخفض وارداتهم من النفط الإيراني، ولكن من دون إيقاف الدول الثلاث وارداتهم من الخام الإيراني بشكل كامل.

وعبّر عدد من مستوردي الطاقة الإيرانية التقليديين عن معارضتهم لسياسة الولايات المتحدة وتفضيلهم استمرار التجارة مع إيران، على الرغم من أنه إذا طبّقت الولايات المتحدة العقوبات بالكامل فستكون كلفة هذه التجارة مرتفعة على تلك الجهات الفاعلة. وتشير التقارير الأخيرة إلى أن الصين لا تؤيّد فكرة الامتثال للعقوبات الأميركية. وبالنسبة إلى تركيا، يعدّ شراء النفط الإيراني بسعر مخفض -كما حصل في العام الماضي- خياراً جذاباً، إذ تعاني حالياً من الركود الاقتصادي. ولقد أعرب الاتحاد الأوروبي بصراحة عن تفضيله مواصلة التجارة مع إيران بهدف الحفاظ على التزام طهران بالاتفاق النووي. وبينما أصبحت مؤخراً السياسة الهندية تجاه العقوبات المفروضة على إيران أكثر توافقًا مع سياسة الولايات المتحدة، فقد خفضت الإعفاءات الأميركية، في نوفمبر 2018، واردات الهند النفطية من إيران إلى النصف، مع السماح فقط للمصافي المملوكة من الدولة بشراء النفط الإيراني (Verma 2019). ومع ذلك، فإن الامتثال الكامل للعقوبات الأميركية سيكون مكلفًا للغاية بالنسبة للهند، وبالتالي هو ليس خيارها المفضّل.

وتشير عمليات المحاكاة التي أجريناها مرة أخرى في أبريل 2019، إلى تردّد الولايات المتحدة بالموافقة على ذلك، على الرغم من أن النموذج ليس دقيقاً بما يكفي لتوقع التفاصيل، فالتطبيق الكامل واتخاذ الإجراءات العقابية ضدّ الدول التي لا تمتثل للعقوبات الأميركية، قد لا ينفّذ بشكل موحد. كما أن هناك العديد من الآليات المحتملة الأخرى التي قد تعكس تراجع الولايات المتحدة عن موقفها الصارم من الامتثال الكامل لعقوباتها. فقد تُعاد الإعفاءات بشكل أو بآخر، أو تُعاد صياغتها وتغيير مسماها لإحداث التأثير السياسي المرغوب. ويتضمّن القانون الأميركي إرشادات للتطبيق التدريجي للعقوبات. وفي ظل قصر الإشعار الذي أعطته الولايات المتحدة للدول للامتثال (أسبوعين فقط)، سيكون من الصعب على معظم البلدان التنفيذ الكامل لمتطلبات العقوبات الأميركية. ويسمح "الإعفاء بالتخفيض الكبير للواردات" (SRE) بمهلة مدتها 180 يوماً، وذلك شرط إظهار الدولة المعنية جهدًا وبوادر لنيتها بدء الامتثال للعقوبات (Nephew 2019). وقد تُجدّد هذه المهلة، أو ربما يتم بكل بساطة تجاهل عدم الامتثال للعقوبات، ويُروّج للرأي العام الأميركي بنجاح صناع السياسة في الولايات المتحدة بغية صرف الانتباه عن واقع الأمر.

بصرف النظر عن مدى تأثير عدم الامتثال للعقوبات وكيفية حصوله، فإن نتائج عمليات المحاكاة عبر أدوات كابسارك للتحليل السلوكي (KTAB) تشير إلى انخفاض بنسبة 40-45 في المئة في الصادرات الإيرانية للنفط الخام والمكثفات، بعد إلغاء الإعفاءات ودخول العقوبات حيز التنفيذ بالكامل. وبناءً على ذلك، نرى أن هذه هي النتيجة الأكثر ترجيحاً، لكننا في بقية هذه الورقة سننظر في ثلاثة سيناريوهات بديلة للمقارنة.

تحليل السيناريوهات باستخدام نموذج كابسارك القياسي للاقتصاد الكلي للطاقة

استخدمنا نموذج كابسارك القياسي للاقتصاد الكلي للطاقة ونموذج أكسفورد الاقتصادي العالمي لمحاكاة أربعة سيناريوهات للمقارنة بين ردود الفعل المختلفة الممكنة بعد إلغاء الإعفاءات والتطبيق الكامل للعقوبات الأميركية:

1- لا تغير في صادرات النفط الخام الإيراني.

2- انخفاض صادرات النفط الخام الإيراني بنسبة 42٪ (0.5 مليون برميل/اليوم).

3- التوقف التام لصادرات النفط الخام الإيراني (1.2 مليون برميل/اليوم) من دون أي تغيير في الإنتاج السعودي.

4- توقف صادرات النفط الخام الإيراني (1.2 مليون برميل/اليوم) وتعويضها بالكامل بزيادة الإنتاج السعودي لتحقيق الاستقرار في سوق النفط العالمية.

يمكن اعتبار السيناريو الأول حالة مرجعية تقوم على فرضية أن الصادرات الإيرانية مستمرة من دون التأثر بأي عقوبات، استنادًا إلى توقعات مستمدة من بيانات شهر أبريل 2019. وفي السيناريوهين الثاني والثالث، تنخفض صادرات النفط الخام الإيراني من دون أي تغير في إنتاج مصدري النفط العالميين الآخرين. وفي السيناريو الثاني، فالنتيجة هي انخفاض في صادرات النفط الإيراني بمقدار 0.5 مليون برميل في اليوم، ويتضمن هذا السيناريو حالة من عدم الوضوح بشأن فعالية العقوبات المفروضة على الصادرات الإيرانية، ويتماشى ذلك مع المستوى المتوقع للامتثال وفق تحليل مجموعة أدوات كابسارك للتحليل السلوكي. ونفترض في السيناريو الثالث الامتثال الكامل للعقوبات، مما ينتج نقصاً قدره 1.2 مليون برميل يومياً. ويحدد هذا السيناريو الحد الأعلى لأي زيادة في الأسعار. ونتوقع ارتفاع سعر النفط الخام العالمي في السيناريوهين الثاني والثالث مقارنة بالسعر الوارد في السيناريو الأول.

تنخفض صادرات النفط الخام الإيراني في السيناريو الرابع بمقدار 1.2 مليون برميل في اليوم بين الربع الثالث من عام 2019 والربع الأخير من عام 2020، ولكن يتم تعويض ذلك الانخفاض بالكامل من خلال زيادة الإنتاج النفطي للسعودية. وذلك ممكن عملياً، إذ بلغت الطاقة الإنتاجية الاحتياطية للمملكة 2.2 مليون برميل في اليوم في مارس 2019، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية، ويؤدي هذا الأمر إلى عدم حصول أي تغير في سعر النفط حسب النموذج وإلى ارتفاع عائدات التصدير للسعودية، التي تبلغ صادراتها من النفط الخام معدل 1.2 مليون برميل يومياً، ممّا يدل على قدرة المملكة على تأمين استقرار السوق في حال حصول انقطاعات كبيرة في الإمدادات النفطية.

مع الإشارة إلى إبقاء جميع السيناريوهات الاستخدام المحلي للنفط في السعودية وإيران من دون تغيير، حتى تنعكس أي تعديلات في إنتاج أي من البلدين على صادراتها النفطية. وقد قارنا نتائج هذه السيناريوهات المختلفة في الجدول 1، الذي يفصّل التأثير على سعر النفط بناءً على السيناريوهات الأول والثاني والثالث، فيما سنتعامل مع السيناريو الرابع بشكل منفصل.

 

يرتفع سعر النفط في السيناريو الثالث من 63 دولاراً للبرميل في الربع الثالث من عام 2019 إلى 82.44 دولاراً للبرميل في الربع الأخير من عام 2020. وفي السيناريو الثاني، يرتفع سعر النفط بحوالي 6 دولارات للبرميل (أي حوالي 9.6 في المئة) أكثر من سيناريو الحالة المرجعية (السيناريو الأول)، حيث لا تطبق عقوبات على إنتاج النفط الإيراني بعد أبريل 2019. ويرتفع سعر النفط في السيناريو الثالث بحوالي 17 دولاراً للبرميل (أي حوالي 26 في المئة) مقارنة بالسيناريو الأول.

وتتضاعف زيادة السعر في السيناريو الثالث ثلاث مرات تقريباً مقارنة بالسيناريو الثاني، بينما انخفاض كمية الإنتاج في السيناريو الثاني هو أقل بنحو 42 في المئة فقط مقارنة مع السيناريو الأول (الانخفاض بنسبة 42 في المئة هو وقف لنتائج المحاكاة باستخدام مجموعة أدوات كابسارك للتحليل السلوكي). وبالتالي، يتوقع تحليل السيناريو أن أي انخفاض في صادرات النفط الإيراني سيرفع سعر النفط في الربع الرابع من عام 2019 كأقصى تقدير. ويزداد فارق السعر بين السيناريوهين الثاني والأول (الحالة المرجعية) مع مرور الوقت، حتى يبلغ أقصاه في الربع الثالث من عام 2020، ثم يبدأ بالانخفاض. وقد يرجع ذلك إلى مقاومة أسعار النفط التغيير وعوامل العرض والطلب وتأثيرات الصدمات السياسية والاقتصادية.

كما ذكرنا سابقاً، يقدّم السيناريو الرابع نظرة إلى عائدات تصدير النفط السعودي إذا عوّضت المملكة عن صادرات النفط الخام الإيرانية بالكامل. ونظرًا إلى أن هذا التعويض سيؤدي لعدم حصول تغير في كميات النفط في الأسواق، تشير عمليات المحاكاة إلى أن الأسعار ستبقى على حالها في السيناريو الأول. ويقدّم الجدول 2 نتائج عمليات المحاكاة للسيناريو الرابع.

 

لطالما كانت السعودية مصدراً يُعتمد عليه للنفط، وتحتفظ بقدرة احتياطية كبيرة. وفي حالة توقف صادرات النفط الخام الإيراني بعد إلغاء الإعفاءات، يمكن للمملكة العربية السعودية تعويض النقص البالغ 1.2 مليون برميل يومياً. وكما هو متوقع، تشير عمليات المحاكاة إلى أن سعر النفط في السيناريو الرابع لن يتغير. وبالإشارة إلى أن الزيادة في الأسعار في السيناريو الثالث بلغت ثلاثة أضعاف تلك الموضحة في السيناريو الثاني، في حين أن انخفاض كمية الإنتاج في السيناريو الثاني أقل بنسبة 42 في المئة فقط مما كانت عليه في السيناريو الأول. وبالتالي، فإن تأثر السعر بانخفاض إنتاج النفط غير خطي. وكنتيجة لذلك، يستفيد السوق الدولي من تعويض المملكة للنقص في المعروض (من حيث استقرار السوق) في هذا السيناريو.

يزداد إنتاج النفط السعودي في السيناريو الرابع بمعدل 10 في المئة تقريباً خلال فترة السيناريو. ونتيجة لذلك، تزداد إيرادات الصادرات النفطية السعودية كما هو مبين في الجدول 2. وعلاوة على ذلك، فإن إيرادات صادرات النفط السعودية تنمو بنحو 7 في المئة عام 2019، وبحوالي 14 في المئة عام 2020. وتجدر الإشارة إلى أن الزيادة في الإيرادات تشمل أيضًا المنتجات المكررة، وبالتالي فإن الزيادة في الإيرادات النقدية أعلى من كونها مجرد زيادة كمية. والفائدة للمملكة وللاقتصاد العالمي هي الانخفاض المتوقع في تقلّب الأسعار واستقرار السوق.

وبعد ذلك... ما الذي سيحدث؟

يشير تحليلنا إلى تغير طفيف على المدى القريب في موقف النظام الإيراني الذي لا يرغب بالاستجابة لمطالب الولايات المتحدة في ما يتعلق ببرنامجه النووي. ويعتبر معظم الإيرانيين حالياً أن الاقتصاد والبطالة هما المشكلتان الرئيستان لبلادهم. وستزيد أي عقوبات اقتصادية، من أي نوع، المشاكل الاقتصادية في البلاد، لكن إيران شهدت حالة مماثلة من قبل (على الرغم من أن ذلك لم يكن بالقدر الذي قد تسبّبه العقوبات الأميركية الحالية المشدّدة، على افتراض امتثال المجتمع الدولي لتطبيقها بشكل تام). فعلى سبيل المثال، أدى سن قانون العقوبات الإيرانية الليبية عام 2008 إلى وضع غريب، فقد انخفضت المعدلات الرسمية للفائدة على الإقراض المصرفي في إيران إلى أقل من معدلات الفائدة على الودائع قبل التطبيق الرسمي للعقوبات. واستمرّ هذا "الانتشار" السلبي رسمياً لسنوات عديدة (انظر الشكل 2).

 

وتبنت الحكومة الإيرانية مختلف السياسات المالية والنقدية للحفاظ على أداء أسواقها المالية. وشمل ذلك مزيداً من الضوابط على حركة رأس المال وإغلاق البنوك لفترة وجيزة لتجنب ذعر المستهلكين. ومن المحتمل أن تؤدي العقوبات الأميركية الجديدة إلى تحديات مماثلة لاقتصاد إيران. وفي هذا الصدد، فإن استعداد بعض كبار مشتري النفط الخام الإيراني لمواصلة تداول النفط مع إيران -ولو جزئيًا- قد يوفر للسلطات في طهران مجالًا للمناورة. وإذا كانت عمليات المحاكاة لمجموعة أدوات كابسارك للتحليل السلوكي صحيحة، ويمكننا أن نتوقع انخفاضاً بنسبة 40-45 في المئة في صادرات النفط الإيراني قريباً، فإن الوضع السياسي المحلي في إيران قد يصبح مهدداً للنظام الحالي، إن لم يكن مدمراً.

من الجدير بالذكر أن الشعب الإيراني لا يعتبر العقوبات السبب الرئيس وراء الوضع الاقتصادي المتدهور في بلادهم. فبينما اعتقد 71 في المئة من المشاركين في استطلاع، أجرته "IranPoll" في ديسمبر 2018، أن أداء الاقتصاد كان سيئاً مسبقاً، فإن 36 في المئة فقط أرجعوا سوء الأداء الاقتصادي إلى العقوبات (Farmanesh 2019). وقال غالبية المشاركين (59 في المئة) إن المشاكل الاقتصادية الإيرانية حصلت بسبب سوء الإدارة المحلية للاقتصاد. وتُظهر البيانات الحديثة للرأي العام في إيران أيضاً أن الشعب الإيراني قد لا يحمّل النظام مسؤولية جميع المشاكل الاقتصادية. وأشار استطلاع للرأي، أجرته جامعة ماريلاند الأميركية في يناير 2018 في إيران، إلى أن دعم الشعب الإيراني لخطة العمل المشتركة الشاملة (JCPOA) انخفض بشكل كبير. إذ أشار العديد من المشاركين في الاستطلاع إلى أن "هذا الاتفاق لم يحمل فائدة للاقتصاد الإيراني"، وأن هذا هو السبب الرئيس وراء انسحابهم من دعم المعاهدة النووية (Mohseni، Gallagher وRamsay 2018). كما أن الشعب الإيراني ينظر للولايات المتحدة على أنها عقبة كبيرة أمام السلام. وتتيح هذه التصورات والآراء قيام السلطات الإيرانية بحشد تأييد الشعب وصرف الانتباه عن سوء إدارتها الاقتصادية. ومن دون وجود استياء عام يحمّل الحكومة الإيرانية مسؤولية المصاعب الاقتصادية نتيجة لسياستها الخارجية، سيصعب على المعارضة استغلال العقوبات الأميركية للضغط على النظام الحالي في إيران.

بالنظر إلى المفاجأة التي أحدثها منح الإعفاءات لبعض الدول في نوفمبر 2018، نتوقع أن يكون أي قرار سعودي بزيادة الإنتاج مشروطاً بفهم الحكومة السعودية لمدى صرامة موقف الولايات المتحدة في ما يتعلق بإنهاء جميع الإعفاءات، وكذلك تقييم المملكة للانخفاض الفعلي في صادرات النفط الإيراني وإنتاجه نتيجة للعقوبات. وقد صرح سعادة وزير النفط السعودي خالد الفالح بالفعل بأن المملكة لن تزيد إنتاج النفط "استباقياً" لأن الكميات المعروضة في السوق جيدة، رغم العقوبات الأميركية (فاينانشال تايمز 2019).

 

  • كارلو أندريا بولينو: الدكتور بولينو باحث زائر يعمل حالياً أستاذاً للاقتصاد بجامعة بيروجيا وأستاذاً في اقتصاديات الطاقة بجامعة LUISS  في روما. ويشغل منصب الرئيس في الجمعية الإيطالية لاقتصاديات الطاقة بإيطاليا منذ عام 2014، وكان رئيسًا للرابطة الدولية لاقتصاديات الطاقة في عام 2008. وسابقاً، كان مستشار الطاقة لوزير الصناعة في إيطاليا، ورئيساً لشبكة النقل الكهربائي الإيطالية، وكبير الاقتصاديين في شركة "إي إن آي" (ENI)، وخبير اقتصادي في بنك إيطاليا، وباحث مشارك في مشروع LINK والأمم المتحدة، ومحاضر وأستاذ علوم الاقتصاد بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأميركية وكامبوباسو وساساري وأوربينو في إيطاليا.
  • براين إفرد: الدكتور إفيرد هو مدير برنامج علوم السياسات والقرار في مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية. ويدير هناك مجموعة أبحاث تركز على برنامج عمل عالمي يركز على سياسة الطاقة والعلاقة بين الجغرافيا السياسية واقتصاديات الطاقة. يشمل هذا البرنامج فريقاً من الباحثين من متعدد التخصصات ومتعدد الجنسيات يركزون على النمذجة الكمية لعمليات صنع القرار الجماعي (CDMPs)، وتطبيقات نظم المعلومات الجغرافية لاقتصاد وسياسة الطاقة، وتأثير الظواهر السياسية على أسواق الطاقة العالمية. والدكتور إفيرد رئيس تحرير مشارك لمجلة انتقالات الطاقة، وهي مجلة مفتوحة الوصول من سبرينجر ساينتفيك.
  • فخري حاسانوف: الدكتور حاسانوف هو زميل أبحاث يقود مشروع نموذج "كابسارك" الاقتصادي القياسي المخصص للطاقة العالمية في مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية. وهو عضو في برنامج الأبحاث للتوقعات المستقبلية في جامعة جورج واشنطن. وعضو في هيئة تحرير بعض المجلات الدولية التي تخضع لمراجعة الزملاء. وتمتد اهتماماته في البحث وخبراته في نمذجة الاقتصاد القياسي والتنبؤ به وبناء وتطبيق نماذج الاقتصاد القياسي للأغراض السياسية واقتصاديات الطاقة مع التركيز بشكل خاص على البلدان الغنية بالموارد الطبيعية.
  • إمري هاتيبولو: الدكتور هاتيبوغلو باحث زائر في مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية، وأستاذ مشارك للعلوم السياسية بجامعة سابانشي. نُشرت أعماله في مجال العقوبات والسياسة الخارجية في مجلة السياسة وتحليل السياسة الخارجية والدفاع واقتصاديات السلام وغيرها. الدكتور هاتيبوغلو حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة ولاية بنسلفانيا.

المزيد من اقتصاد