أمير تاج السر يمنح الواقعية السحرية طابعا سودانيا

رواية "جزء مؤلم من حكاية" تبدأ من حيث تنتهي

الروائي السوداني امير تاج السر (عن صحيفة الشرق الأوسط)

ينحو الروائي السوداني أمير تاج السر منحى الواقعية السحرية في روايته "جزء مؤلم من حكاية" (دار نوفل)، فيعيد للواقع شيئًا من سحره المفقود وللحكاية شيئًا من ألقها الغريب. وحين تجتمع سحرية الواقع مع غرابة الحكاية في النص الروائي لا بدّ أن يتمخّض عن هذا الاجتماع نصٌّ مختلف عن النصوص التي تُمنطق الواقع وتُعقلن الحكاية. إن قليلاً من السحر وكثيراً من الخيال باتا حاجة ملحّة للإنسان المعاصر الذي فقد القدرة على الدهشة، وأصبح عليه أن يجترّ النمطية والتكرار في حياته اليومية وقراءاته الموسمية.

والواقعية السحرية تيارٌ أدبي له جذوره العربية وأغصانه الغربية، يقوم على المزج بين الغرائبي والأسطوري والسوريالي، بما يؤدي إلى كسر واقعية الواقع وتعزيز حكائية الحكاية. وهو تيار نرى تمظهراته المبكّرة في كتاب "ألف ليلة وليلة"، ونشهد على ازدهاره في النصف الثاني من القرن العشرين، في غير منطقة من العالم، لا سيّما في أميركا اللاتينية، على أيدي الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، والكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، والغواتيمالي ميغل أنغيل أستورياس، والتشيلية إيزابيل الليندي، وسواهم، رداً على النهضة الأوروبّية التي قلبت ظهر المِجَنّ لكلّ ما هو غيبي، وماورائي، ومحلّي، وغير واقعي في الحياة والفن.

تجري حوادث الرواية، بوقائعها وذكرياتها، في مملكتين متخيّلتين هما: مملكة طير، ومملكة قير. الوقائع تحدث في الأولى، خلال شهر سبتمبر (أيلول) من العام 1750، وتشغل بداية الرواية ونهايتها، على مدى ست وحدات سردية وثلاث وأربعين صفحة، وتشكّل ما نسبته 15% من النص. الذكريات تحدث في الثانية، وتعود سنوات إلى الوراء، وتشغل وسط الرواية، على مدى تسعٍ وعشرين وحدة سردية ومائتين وإحدى وخمسين صفحة، وتشكّل ما نسبته 85% من النص. وبذلك، نستنتج، على مستوى الخطاب، أن " جزء مؤلم من الحكاية" هي رواية ذكريات، وأنّها تبدأ نصّيًّا من حيث تنتهي تقريباً.

أمّا على مستوى الحكاية، فتشكّل العلاقة الملتبسة بين ديباج الكوثري الفارسي، المحرّض على القتل، ومرحلي سواركي، القاتل المأجور، السلك الذي ينتظم الحوادث بوقائعها وذكرياتها. وتتمحور حوله علاقات وأسلاك أخرى، تطول أو تقصر، حسب مقتضى الحال الروائي. وتتمخّض هذه العملية عن الإضاءة على عالمٍ تتفاعل مكوّناته، الغرائبية والأسطورية والسوريالية، لتؤلّف واقعيته السحرية.

في هذا العالم، يكلّف ديباج، صانع التمائم في سوق الدفار الشعبي، الذي شاهد أباه صغيراً يقتل أمّه بسكين حاد، مرحلي سواركي، الهارب من بيت أبيه، مهامّ القتل في مدينة كونادي، عاصمة مملكة قير، مستفيداً من حاجة الأخير إلى المال ونزوعه الفطري إلى الشر، فيقوم بتنفيذ المهام من دون تردّد بأساليب بدائية مختلفة، ويشكّل الأداة التنفيذية لصاحب القرار بالقتل. وتكون علاقة ملتبسة بينهما، المقرِّر يحبّ المنفِّذ، ويعهد إليه بالمهام الخطيرة، ويثق به، ويحسّ بنشوة غامرة حين يتمّ التنفيذ. والمنفّذ واقع تحت سحر المقرّر وسطوته، ولا يتورّع عن القيام بما يطلبه منه، لكنه يقع تحت وطأة الكوابيس التي تطارده، بعد كلّ جريمة يرتكبها. ويكون بين ضحاياهما المتقدّم في العمر، والمشوّه، والموسوس، والضئيل، والفقير. ولا يشفع للضحية أن تمتّ لأحدهما بصلة قرابة أو معرفة أو صداقة. كأنّهما مكلّفان بمهمّة غيبية تقضي بتطهير المجتمع من الضعفاء. ويستمرّان على هذه الحال من التقرير والتنفيذ إلى أن يستنفد المنفِّذ عمله، فيتدبّر المقرّر أمر التخلص منه، ويرسله في مهمّة سرّية إلى مملكة طير، المملكة الأخرى، وفيها يقع بين أيدي قراصنة وثنيين يزعمون أنّهم اشتروه من معلّمه، باعتباره ابن الشيطان، لافتداء طائفتهم. وهكذا، يأكل مرحلي من السمّ الذي شارك في طبخه طويلاً، ويتحوّل الجلاّد إلى ضحية. ولعلّ انحراف الشخصيتين كلتيهما ناجم عن مرحلة الطفولة والصبا؛ فديباج يقتل أبوه أمّه بسكّين حادّ على مرأى منه، ومرحلي يخرج من بيت أهله من دون أن يسأل عنه أحد، ما يجعل كلاً منهما خارج الانتماء إلى أسرة يرتبط بها ويعود إليها، ويسهّل عملية انزلاقهما إلى درك الجريمة.

إن انقطاع الشخصيات المختلفة عن جذورها، وعدم انتمائها، يجعلها تفتقر إلى التوازن، وتتردّى في نوع من الازدواجية بين ما تشعر به وتؤمن وما تمارسه من سلوك منحرف. فديباج، على سبيل المثل، يختار الضحية، ويحرض على قتلها، ويشارك في جنازتها. يقتل بالواسطة، ويبكي القتلى بصدق. يتزوج، ويطّلق بسرعة. يحبّ مرحلي، ويودي به إلى الهلاك. ومرحلي يقتل، ويرفض قتل الأطفال بعد اغتصابهم. يقتل، ويعي قذارة ما يقوم به. ينصاع لديباج ويُسحر به، ويعرف مدى إجرامه. يقتل، ويرفض تكريم مرجان المتّهم باغتصاب الأطفال. وكمانة، صاحبة المقهى، ترقص، وتمارس الإغواء، وترفض أن يسيء أحد فهمها. وخفير، الصبي الغجري، يتزوّج من مبروكة، ولا يتورّع عن قتلها تنفيذًا لأوامر ديباج.

هكذا، نكون أمام شخصيات روائية، منفصمة، غير منتمية، غير سويّة، تتناسب مع فضاء الواقعية السحرية الذي يفتقر إلى الطّبَعِيَّة والمنطق والعقل في تدبير الأمور، ويوغل في الغرابة والأسطورة والخيال.

تتمظهر الغرائبية في الرواية في الأسماء والمهن والحوادث؛ في الأسماء، نقع على: ديباج، مرحلي، جنوبة، كمانة، حرقل، حلباش، البرهان، الزرافة، سعيد الأزمان، أسماء للشخصيات الروائية. ونقع على: طير، قير، اسمين للمملكتين. وفي المهن، يطالعنا: الضرب بالرمل، قراءة الكف، صنع التمائم، العلاج بالأعشاب، بيع الألقاب، تعليم التجهّم، صناعة الأقفاص، غسل الموتى، والحواية، وغيرها. وفي الحوادث، يستعيد ديباج ومرحلي ذكريات لم تحدث قَط، ويخرج مرحلي من بيت أهله لأنّ دجاجتهم تبكي وتضحك وتغازل الديوك بلا حياء، ويستيقظ نزوعه إلى الشر باستماعه إلى العزف على آلة الجادور، وينفّذ أوامر القتل من دون سؤال، ويختلي والد سلاملي بالموج الذي يمنحه نطفته، ويقترن ديباج بمغنية عمياء تسعينية، وغيرها.

تتمظهر الأسطورة في مجموعة من الوقائع، نذكر منها: يعود سلاملي الكذاب من الموت، بعد سنوات، ويتراءى لمرحلي وكمانة، وينزل بهما الأذى، ويبني بيته قرب بيت القاتل. تسكن الشياطين في حي السعران، وتتعاطى صناعة العرق والبوظة. يسكن جزيرة هون العميان، ويعملون في المهن العادية، ويكتبون شعر الأسف. يشاهد ديباج ومرحلي جنازة الياطور حسن، المعارض السياسي، في المقبرة، بعد سبع سنوات من الموت. تعود عافيات من الموت وتظهر لكثيرين.

تتمظهر الغرائبية في : تحوّل جنوبة إلى شجرة. وفاة الشجرة نهوة عن مائة وعشرة أعوام. زواج الابن من أمّه وممارسته السباحة بلا يدين. إقامة عرس ضاج في وسط الطريق لأناس بلا عيون وآذان، لأحدهم رموش غزيرة يجرّها بالأرض. حديث امرأة بلا حلق. امتلاك عشيقة الياطور "ملامح شيطان، بعينين مضطربتين، ورموش كثيفة، وأنف مشقوق في الوسط، ولسان أسود يتدلّى ملامسًا الفك الأسفل".

هذه المكوّنات، الغرائبية والأسطورية والسوريالية، تنخرط في علاقة تفاعلية، داخل النص، وتمنح الرواية هويّتها الواقعية السحرية. صحيح أنّها تكسر واقعية الواقع، وتخرج بالأشياء عن طبيعتها، وتضرب المنطق والعلاقات السببية، لكنها في الوقت نفسه تعزّز حكائية الحكاية ومتعة القراءة. وإذا كان ثمة فائدة يمكن الخروج بها من عملية القراءة، مضافة إلى المتعة، فهي الرسالة المزدوجة التي تقول خطل الوثوق بالمتآمر حتى من أقرب المقرّبين منه، من جهة، وحتمية قتل القاتل، من جهة ثانية. وبذلك، يجمع أمير تاج السر في روايته بين متعة الشكل وفائدة المضمون، ويجعل من العالم السحري موازيًا مفارقًا للعالم الواقعي ورسوله إليه.

المزيد من ثقافة