التوافق... أساس الاستقرار السياسي في كردستان

الأحزاب الرئيسية الثلاثة ستعمل على إعادة إحياء منصب رئاسة الإقليم

برلمان إقليم كردستان يصوت على تعديل قانون رئاسة الإقليم (رويترز)

بعد مداولات ماراتونية طالت أكثر من ستة أشهر تلت آخر انتخابات برلمانية محلية، بدأت الأحزاب السياسية الرئيسية في إقليم كردستان العراق تنفيذ الاتفاق الشامل الجديد بين القوى الرئيسية الثلاث الأكثر شعبية، أي الحزبان الديمقراطي والاتحاد الوطني الكردستانيان، وحركة التغيير الكردية "كوران".

فمصادقة برلمان الإقليم الأربعاء الفائت الثامن من مايو (أيار) على تعديل قانون رئاسة الإقليم بأغلبية مطلقة، دلّ إلى ان مرحلة إعادة تشكيل مؤسسات السلطة في الإقليم قد بدأت، من تشكيل الحكومة وبرنامجها الاستراتيجي ورئاستي الإقليم والبرلمان، وأن هذه الأحزاب إنما تتهيأ لأن تخوض تجربة سياسية جديدة.

اتفاق استراتيجي

ويُعتبر هذا التوافق السياسي الحديث إعادة بناء للاتفاق الاستراتيجي الذي عقده الحزبان الرئيسيان في الإقليم عام 2005، الاتفاق الذي تقاسم فيه الحزبان طيف المستحوذات الكردية في الدولة والسلطة العراقية الجديدة بعد العام 2003، وخلق القواعد الاساسية لهدوء الحياة العامة الداخلية في الإقليم، ورسم ملامح الاستراتيجية الكردية تجاه العراق الجديد ودول الجوار.

وكانت زعامتا الرئيس العراقي السابق جلال الطالباني ونظيره رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني، بالإضافة إلى النمو الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الاستثنائي الذي حققه الإقليم طوال السنوات التي تلت ذلك الاتفاق الاستراتيجي بين الحزبين الرئيسيين، كل ذلك، سمح بأن يحافظ الاتفاق على حيويته وقدرته لتأطير الحياة السياسية في الإقليم.

والحزبان الرئيسيان في الإقليم بقيا متوافقين منذ ذلك الحين إلى لحظة إجراء استفتاء استقلال الإقليم عن العراق في الـ 15 من سبتمبر (أيلول) من العام 2017، إذ افترقت الدروب في ما بعد بين هذه الحزبين.

قلق شديد

ومنذ إعادة الجيش العراقي انتشار قواته في المناطق المُتنازع عليها مع إقليم كردستان، ولا سيما في محافظة كركوك، في أواخر شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام 2017، فإن الحياة السياسية في الإقليم دخلت مرحلة قلق شديدة، ساءت فيها العلاقة بين الحزبين الرئيسيين، وشهدت مختلف مناخات الحياة العامة في الإقليم اضطرابات مختلفة، بسبب تحميل كل حزب الطرف الآخر مسؤولية وعواقب ما جرى وقتئذ.

على أن ذلك الحدث كان تتويجاً لنهاية الاتفاق الاستراتيجي بين الحزبيين الرئيسيين في الإقليم عام 2005 بشكل فعلي. فمنذ ذلك الحين، كان الكثير من التوازنات قد تغير وأثر على ذلك الاتفاق. فقد ظهرت حركة التغيير الكردية المعارضة (كوران)، وكان ما حققته من وزنٍ سياسي في الحياة العامة في الإقليم، الذي وصل حدّ استحواذها على حوالي ربع مقاعد برلمان الإقليم عام 2013، إلا أن صعود الحركة كان على حساب الاتحاد الوطني الكردستاني، الشريك الرئيسي في ذلك الاتفاق.

كذلك فإن موقع واستراتيجية الحزبين تجاه العلاقة مع الحكومة المركزية العراقية واستراتيجية إقليم كردستان العراق تجاه الملفات الإقليمية والداخلية قد اختلف منذ ذلك الحين، بالإضافة لتأثير غياب شخصية مثل الزعيم جلال الطالباني.

إعادة إحياء منصب رئاسة الإقليم

بالإضافة إلى التوافق على تشكيلة الحكومة الإقليمية الجديدة وتوزيع المناصب السيادية في الإقليم والاستراتيجية العامة للإقليم، فإن هذا التوافق الجديد ينص على أن الأحزاب الرئيسية الثلاثة ستعمل على إعادة إحياء منصب رئاسة الإقليم، الذي بقي شاغراً منذ قرابة العام، حينما رفض رئيس الإقليم الأسبق مسعود البارزاني أن يجدد له البرلمان تفويض رئاسته للإقليم.

قانونياً، فإن الأحزاب الثلاثة هذه قد أقرت تعديل قانون رئاسة الإقليم، وعلى الرغم من انسحاب حزبي المعارضة من جلسة الأربعاء الفائت، أي حركة الجيل الجديد والاتحاد الإسلامي الكردستاني.

إلا أن تعديل هذا القانون قد حاز على موافقة 89 نائباً برلمانياً من أصل 111 نائباً، ما يدخله حيّز التنفيذ وذلك بعد انقضاء ثلاثة أيام على موعد التصويت البرلماني عليه، إذ يمنح القانون العام في الإقليم القوى السياسية والمنظمات المدنية ذلك الوقت للاعتراض القضائي على أي قانون يقره برلمان الإقليم، وهو ما فعله حزبا المعارضة الرئيسيان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تفصيل...وجدل

التعديل الجديد تغير لصالح أن يكون انتخاب رئيس الإقليم بشكلٍ معلن من داخل برلمان الإقليم، وليس عبر صناديق الاقتراع، مثلما كان من قبل، كما أنه خول رئيس الإقليم اختيار نائبين له، ومنحه حق اعطائهما بعضاً من صلاحياته وسلطاته، وهذا التفصيل الذي بقي محل جدل بين أحزاب الإقليم لأشهر، فحركة التغيير كانت تسعى لأن يكون لرئيس الإقليم نائب واحد وأن يكون من حصتها، بينما كان الاتحاد الوطني مصراً على مبدأ النائبين، على أن يكون واحد منهما من أعضائه، كذلك فإن القانون الجديد أقر بأن سلطة رئيس الإقليم تبقى حتى بعد انقضاء ولاية البرلمان الذي انتخبه، حتى ينهي رئيس الإقليم فترته كاملة، أربع سنوات.

سياسياً، التوافق قائم فعلياً على أن تسعى الأحزاب الثلاثة هذه لانتخاب رئيس الوزراء الحالي نيجرفان البارزاني لرئاسة الإقليم، على أن يقدم الحزبان الرئيسيان الآخران نائبين له، ويقوم هو بالموافقة عليهما. وفي هذا المعنى، فإن الاتفاق الراهن يشكل إطاراً لأن تُحل معضلة رئاسة الإقليم من جهة، ومن جهة أخرى أن تشهد الأحزاب الرئيسية في الإقليم إعادة ترتيب داخلية.

وبصعود نيجرفان البارزاني إلى رئاسة الإقليم، فإن ابن عمه ومستشار أمن الإقليم مسرور البرزاني سيتولى رئاسة الحكومة الكردستانية الجديدة، وهو المرشح الوحيد للحزب الديمقراطي الكردستاني لتولي هذا المنصب.

كذلك داخل الاتحاد الوطني الكردستاني، فإن تشكيلة مؤسسات السلطة الجديدة ستخلق مناخاً يتحدد على ضوئه دور أبناء الجيل الثاني من زعامات الاتحاد الوطني الكردستاني، ولا سيما نجلي زعيم الحزب السابق جلال الطالبي والنائب الأول له كوسرت رسول علي، الأمر الذي ينطبق على الصراع الداخلي بين أبناء الجيل التقليدي والحديث داخل حركة التغيير الكردية (كوران).

سعي للاستقرار

وتفيد المعطيات بأن هذا الاتفاق قد يخلق استقراراً معقولاً داخل الإقليم، فهو سيسمح لأن يخلق الاقليم استراتيجية جديدة، وغير صدامية مع السلطة المركزية في بغداد، خصوصاً في ظل رئاسة عادل عبد المهدي لمجلس الوزراء العراقي، وهو الشخصية السياسية العراقية التي يعتبرها الأكراد الأكثر تفهماً للمسائل العالقة بينهم وبين الحكومة المركزية

كما أن هذا التوافق قد أعاد تشكيل بناء السلطة في الإقليم استناداً إلى تأييد قوى سياسية تشكل حوالي 90 بالمائة من مقاعد برلمان الإقليم، إذ إن انضمام حركة التغيير الكردية (كوران) إلى الحزبين الرئيسيين، أبقى فقط بعض الأحزاب الهامشية في دفة المعارضة، وهي أقرب ما تكون للتشكيلات المعارضة الشعبوية. على أن الملف الاقتصادي هو أكثر ما يوعد به الاتفاق الجديد، فطبيعة الاقتصاد الريعي والاستثماري في الإقليم يعتمد في جوهره على مستوى الاستقرار السياسي، الأمر الذي وعدت بتحقيقه الاتفاقية الجديدة، لأربع سنوات على الاقل، ولثماني سنوات على الأكثر، بحسب مت صرح أحد المسؤولين الكردستانيين لـ "اندبندنت عربية".