ماذا بعد إعلان إيران تخفيض التزاماتها في الاتفاق النووي؟

زيارة وزير الخارجية الإيراني الأخيرة لموسكو أظهرت تعاطفاً روسياً مع طهران ووصفتها بأنها مفتاح الأمن الإقليمي

الأوروبيون ما زالوا متمسكين بالاتفاق النووي مع إيران (أ.ف.ب)

أعلنت إيران أخيراً تخفيض بعض التزاماتها في الاتفاق النووي المبرم بينها وبين مجموعة دول (5+1). جاء الإعلان الإيراني متزامناً مع مرور عام على إعادة فرض الولايات المتحدة العقوبات على طهران، وتالياً على نشر الولايات المتحدة حاملة طائرات أميركية وقاذفات استراتيجية.  

التصعيد الأخير من جانب إيران جاء هذه المرة في مواجهة الدول الأوروبية المشتركة معها في الاتفاق، فقد طالبت الدول الأوروبية بتعويض إيران عن خسائرها بعد الانسحاب الأميركي، خصوصاً في مجالي النفط والقطاع المالي والمصرفي، وتمثلت الخطوات الإيرانية في منح مهلة لا تتجاوز شهرين يتم خلالهما التوقف عن بيع المواد المخصبة الفائضة عن 300 كغم، إذ كان يتم بيع الفائض لدولة أخرى، والتوقف عن بيع الماء الثقيل، إذ كان يتم بيع الفائض كلما زاد على 130 كغم.

هذه المهلة لفترة 60 يوماً، لو لم تصل إيران إلى نتيجة معهم في غضونها، فإنها ستصعد أكثر نحو عدم الالتزم بنسبة التخصيب المتفق عليها، وهي 3.67 بالمئة، أي أنه سوف لن تكون هناك نسبة محددة للتخصيب، وتحديث مفاعل أراك للماء الثقيل، الذي كانت فككت مكوناته في أعقاب إتمام الاتفاق.

التصعيد الإيراني هدفه الضغط على الأوروبيين لخلق شريان للحياة لوضع الاقتصاد الإيراني، والحيلولة من دون وصول صادرات النفط الإيراني إلى الصفر، كما أعلنت الولايات المتحدة عزمها، لذا بجانب التصعيد التدريجي في التخفيف من التزاماتها في الاتفاق فإن إيران لوَّحت إلى الدول الأوروبية بقدرتها على استيعاب آلاف اللاجئين من الدول المجاورة، ومكافحة تجارة المخدرات، ومنع وصول أي منهما إلى حدود أوروبا، وهو ما لن تقدر على الإيفاء به في ظل ضعف قدراتها الاقتصادية، ومن ثم وجب تعويضها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الموقف الإيراني الأخير هو أحد حلقات التصعيد المشتعل بين إيران والولايات المتحدة، لكن هذه المرة لجأت إلى الضغط على الأطراف الأوروبية، وأظهر هذا التصعيد، من جانب الضعف الأوروبي في مواجهة الولايات المتحدة، ومن جانب آخر أظهر تباين الموقف الدولي من إيران. فقد أدانت كل من روسيا والصين حليفتي إيران الضغط الأميركي عليها، بل إن زيارة وزير الخارجية الإيراني الأخيرة لروسيا أظهرت تعاطفاً روسياً مع طهران، ووصفت إيران بأنها مفتاح الأمن الإقليمي، كما سعت روسيا إلى تعزيز شعور إيران بضعف الموقف الأوروبي، فعلى الرغم من أن الثقة الإيرانية في روسيا ليست عالية، خصوصاً في الملف السوري، فإن موسكو تظل أكثر ثقة من أي لاعب آخر تتعامل معه طهران، فقد أكدت استعدادها للشراكة مع إيران لمحاولة إقناع الأوروبيين بالالتزام بالصفقة النووية، ودعم آليتهم المالية المقترحة لـINSTEX لتصدير النفط الإيراني.

وعلى الرغم من الموقف الأوروبي الرافض الضغط الإيراني، كما أعلنت فرنسا أنه ستكون هناك عواقب، وربما عقوبات إذا فشلت إيران في الالتزام بالاتفاقية، فإن الأوروبيين أكدوا تمسكهم بالاتفاق، كما أعلنت إيران مراراً أنها لم تنسحب من الاتفاق، وتحافظ عليه، بل تخفف التزاماتها.

وهنا تتجلى مدى أهمية الاتفاق النووي لإيران، فالاتفاق يتيح لإيران الاندماج في المجتمع الدولي، سياسياً واقتصادياً، كما أنه يخرجها من إطار العزلة الدولية، التي فرضت عليها منذ سنوات طويلة. والتعامل معها باعتبارها دولة داخل إطار الشرعية الدولية، كما أن الاتفاق يمثل انفتاح إيران على الغرب، واعتراف الغرب بإيران ودورها في الإقليم، وهو ما تحاول الحصول عليه كإحدى ثمار الاتفاق النووي، لكنها إلى الآن فشلت في الحصول على الاعتراف بها من القوى الغربية كدولة مؤثرة، كما أرادت، وفشلت حتى في جني ثمار الاتفاق.

وظهر ذلك في تصريح الرئيس الإيراني روحاني بأنهم لا يريدون الخروج من الاتفاق النووي، معتبراً أنه يخدم الأمن والسلام والتنمية في المنطقة، وعلى الجميع أن يدفع الثمن، وليس إيران فقط.

وهنا إيحاء من الرئيس الإيراني بأن الاتفاق يحقق الأمن والسلام في المنطقة، ومن ثم فغياب الاتفاق يقابله مزيد من الاضطرابات وزعزعة استقرار الإقليم. تصريحات روحاني شهدت تأييداً من الجناحين المعتدل والمتشدد، وإن كان التيار المتشدد اعتبر أنها خطوة متأخرة، لكن الجلي أن أي أزمات خارجية أضحت تجمع تأييد الطرفين، خصوصاً لو اتسمت تصريحات الرئيس بالتشدد والمواجهة.

الواضح من الإعلان الإيراني والأوروبي المتمسك بالاتفاق، ثم الموقف الروسي والصيني الداعم إيران أنه ربما تتوصل الأطراف معاً إلى اتفاق يتيح لإيران بيع النفط، والشعور ببعض التحسن بعيداً عن العقوبات الأميركية.

ولتحقيق التزام إيران بالاتفاق، والعودة عن الإجراءين المعلنين بشأن المواد المخصبة أو الماء الثقيل، نجد أن إيران تواجه معضلة مرتبطة بإعادة الولايات المتحدة فرض العقوبات على الدول التي تتعامل مع إيران فيما يخص المواد النووية، فقد كانت هناك عقوبة تتعلق بالمعاملات التجارية بشأن المواد والمعدات النووية، لذا سيصعب على إيران إيجاد دول تبيع لها الفائض من المواد المخصبة والماء الثقيل، حتى روسيا إذا حاولت شراءه من أجل مساعدة إيران في الالتزام بالاتفاق.

لذا إما إيران تتوقف عن إنتاج اليورانيوم المخصب والماء الثقيل، وإما رفض السقف الذي حدده الاتفاق النووي، وهو الفائض عن 300 كغم للمواد المخصبة، والفائض عن 130 كغم للماء الثقيل. ومن ثم عدم التزام إيران بالاتفاق وهو ما قد يقرره تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ويترتب عليه فرض عقوبات حتى من الدول الأوروبية وإحالة الملف إلى مجلس الأمن الدولي واحتمالات عودة العقوبات الدولية وليس الأميركية فقط.

المزيد من آراء