Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تنجح مبادرة حمدوك في إيجاد تسوية تريح المشهد السياسي في السودان؟

تباين الرؤى حول محاورها لمعالجة أزمات البلاد وتحصين التحول الديمقراطي

"الفترة الماضية شهدت تصاعد الخلاف بين شركاء الفترة الانتقالية ما يشكل خطرا جديا ليس على الفترة الانتقالية فحسب بل على وجود السودان نفسه" (أ ف ب)

أطلق رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك مبادرة لمعالجة أزمات السودان وتحصين التحول الديمقراطي، من خلال التوصل لتسوية سياسية شاملة تشمل توحيد الجبهتين المدنية والعسكرية، وإيجاد رؤية مشتركة بينهما تقود إلى إنجاح المرحلة الانتقالية، وبناء الدولة المدنية الديمقراطية على أساس المواطنة المتساوية.

وتضمنت المبادرة سبعة محاور تتمثل في إصلاح القطاع الأمني والعسكري، وقضايا العدالة، والوضع الاقتصادي، والسلام، وتفكيك نظام الرئيس السابق عمر البشير، وملف العلاقات الخارجية، والمجلس التشريعي الانتقالي.

وتباينت مواقف القوى السياسية السودانية بشأن هذه المبادرة، بين داعم لها باعتبارها تشكل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح لحل مشكلات وأزمات السودان المتعددة والمتراكمة، وآخرين يرون أنها لم تخاطب القضايا الحقيقية التي تعاني منها البلاد، وبالتالي لن تكون مخرجاً لبر الأمان.

خطوة إيجابية

في هذا السياق، اعتبر رئيس لجنة السياسات في المكتب السياسي في حزب الأمة القومي السوداني إمام الحلو، المبادرة خطوة إيجابية، لاحتوائها على كثير من مضمون مشروع العقد الاجتماعي الجديد، الذي تقدم به حزب الأمة للمرحلة الانتقالية، مبيناً أنها تناولت الأوضاع الحالية المتأزمة بتفهم جيد وواقعي، لكن آليات التنفيذ تحتاج إلى نقاش مستفيض، ولفت الحلو إلى أن حزبه شكل لجنة لدراسة هذه المبادرة، ومن المتوقع تسليم رؤيته حولها، السبت 26 يونيو (حزيران) الحالي.

كما وصف الناطق الرسمي لحزب المؤتمر السوداني نور الدين بابكر، المبادرة بالإيجابية على الرغم من أنها تأخرت كثيراً، لكن من مشاكل الحكومة الانتقالية عدم لعبها أدواراً سياسية مع القوى المدنية، والبعد عن حلحلة المشاكل التي لها علاقة بالسياسات المختلفة بخاصة الاقتصادية، لذلك، فإن تراكم الأوضاع العامة في البلاد وتدهورها قادا إلى هذه المبادرة، لافتاً إلى أن "النقاط التي تناولتها المبادرة حددت الحلول بشكل عمومي، ما يوجب أن تكون هناك خطة تفصيلية وآليات للتنفيذ بجدول زمني محدد، فضلاً عن إخضاعها القوى السياسية والمدنية داخل الحاضنة السياسية وخارجها للحصول على أكبر إجماع حولها".

ونوه بابكر إلى أنه في حال تحلت الحكومة والقوى السياسية في البلاد بإرادة قوية، من الممكن أن تكون هذه المبادرة مخرجاً حقيقياً للأزمات كافة، لكن لا بد من أن تتخذ الحكومة الانتقالية قرارات حاسمة وعاجلة بشأن الملفات العالقة بخاصة المتعلقة بقضايا العدالة.

تعطيل القرارات

في المقابل، أشار عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني كمال كرار، إلى أن المبادرة لم تلامس جوهر الأسباب التي أدت إلى الأزمة التي تعاني منها البلاد، وخاطبت جهات مجهولة على الرغم من أنها تضمنت مجموعة من العناوين الجانبية، منوهاً إلى أنه لا يمكن أن تتحدث المبادرة عن تعطيل للقرارات مثل المجلس التشريعي، ولجنة التحقيق في فض اعتصام القيادة العامة، فضلاً عن وجود أزمات حقيقة، وكأن الحكومة ممثلة في رئيس مجلس الوزراء خارج إطار الأزمة، وأوضح كرار أن الحكومة الحالية انحرفت عن أهداف الثورة السودانية التي أطاحت بالنظام السابق، واعتمدت الأجندة الأجنبية، وأنه إذا لم تعالج هذا الخلل فلن تحل أزمات البلاد إطلاقاً.

أسس التسوية

واعتمدت المبادرة على ثمانية بنود تشكل أسس التسوية السياسية الشاملة، تتمثل في توحيد الكتلة الانتقالية وتحقيق أكبر إجماع ممكن داخلها حول مهام الانتقال، والشروع مباشرة، وعبر جدول زمني متفق عليه في عملية الوصول إلى جيش واحد مهني وقومي بعقيدة عسكرية جديدة عبر عملية للإصلاح الشامل، وبما يعبر عن تنوع السودان الفريد، وتوحيد مراكز القرار داخل الدولة، وعملها وفق رؤية مشتركة، والاتفاق على آلية موحدة للسياسة الخارجية، وإنهاء التضارب الذي شهدته الفترة الماضية، والالتزام بتنفيذ اتفاق السلام واستكماله كقضية رئيسة من قضايا الانتقال، فضلاً عن تقوية توجه الحكومة والدولة الذي يقوم على الإنتاج المحلي وحماية الفقراء والمستضعفين والتعاون مع المؤسسات الدولية، إضافة إلى الالتزام بتفكيك دولة الحزب لصالح دولة الوطن وبناء دولة مؤسسات وطنية مستقلة، إلى جانب التزام كل الأطراف فعلاً لا قولاً بالعمل من أجل الوصول إلى نظام حكم ديمقراطي مدني يقوم على أساس المواطنة المتساوية وإجراء انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة.

الإصلاح العسكري

وتضمنت المبادرة سبعة محاور كأساس لأي تسوية سياسية تبعد شبح الأزمة الحالية، وتفتح الطريق نحو الانتقال الديمقراطي، وتشمل إصلاح القطاع الأمني والعسكري، باعتباره قضية وطنية شاملة لا تقتصر على العسكريين، ويجب مشاركة المجتمع السياسي والمدني في رؤية إصلاحه، ويكون ذلك بتكوين جيش قومي واحد من خلال إجراء إصلاحات هيكلية وعقيدة عسكرية جديدة، وتمثيل التنوع السوداني في مستوياتها كافة، وتنفيذ اتفاق الترتيبات الأمنية الوارد في اتفاق السلام الموقع بين الحكومة الانتقالية والحركات المسلحة مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2020 في عاصمة جنوب السودان جوبا، فضلاً عن ابتعاد القوى السياسية عن العمل داخل القوات المسلحة وعدم استقطاب منسوبيها، على أن تكون قضية مستقبل القوات المسلحة وتنظيم علاقتها بالحياة السياسية الديمقراطية من قضايا المؤتمر الدستوري التي ستحسم قبل نهاية المرحلة الانتقالية، إضافة إلى مراجعة النشاط الاقتصادي للمؤسسة العسكرية ودمجه في الاقتصاد الوطني تحت ولاية وزارة المالية على المال العام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكذلك القيام بدمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة بإيجاد توافق بين قيادة المؤسستين العسكريتين والحكومة للوصول لخارطة طريق متفق عليها تخاطب القضية بكل أبعادها، وإخضاع جهاز المخابرات العامة والشرطة السودانية لعملية إصلاحات عميقة وجذرية وعاجلة، إلى جانب تطوير صيغة مجلس الأمن والدفاع ليكون مجلساً للأمن القومي يتمثل فيه المدنيون والعسكريون بصورة متوازنة، ويختص بوضع استراتيجية الأمن القومي ومتابعة تنفيذها.

قضايا العدالة

وشمل المحور الثاني مسألة العدالة، باعتبارها قضية ممتدة طوال امتداد سنوات النظام السابق الـ30، وصولاً إلى جريمة فض الاعتصام التي ارتكبت في الثالث من يونيو (حزيران) 2019، وراح ضحيتها حوالى 200 متظاهر، ما يوجب حلها وفق أسس عدم الإفلات من العقاب، وإنصاف الضحايا وأسرهم، وضمان إصلاح المؤسسات العدلية والأمنية، وتحقيق الأهداف التي من أجلها استشهد الآلاف، وضمان عدم تكرار هذه الجرائم في المستقبل، على أن يتم تحقيق ذلك من خلال تكوين لجنة وطنية للعدالة الانتقالية تتولى مهمة الاتفاق على القانون والمفوضية وتصميم عملية شاملة بمشاركة ذوي الضحايا تضمن كشف الحقائق وإنصاف الضحايا والمصالحة الشاملة والإصلاح المؤسسي الذي يضمن عدم تكرار جرائم الماضي مجدداً، والانتهاء من تحقيقات فض الاعتصام وتحديد المسؤولين جنائياً عنها، والإعلان عن إجراءات عملية بشأنها تنصف الضحايا وتحقق أهداف الثورة وتضمن نجاح المرحلة الانتقالية، ومثول المطلوبين أمام المحكمة الجنائية الدولية، وإصلاح الأجهزة العدلية وإكمال بنيانها المؤسسي وتفكيك التمكين داخلها.

وأشار المحور الثالث المتعلق بقضايا الاقتصاد إلى أن الموارد المنتجة داخلياً تكفي لحل الضائقة الاقتصادية لا سيما الذهب والثروة الحيوانية والمحاصيل الزراعية، ويكمن الخلل الحقيقي في إدارتها، وتحكم أجهزة الدولة في عوائد صادراتها، وأن تتمكن وزارة المالية من فرض الولاية على المال العام، ما يتطلب تكوين آلية من الجهاز التنفيذي والعسكريين ومراقبة الجهاز التشريعي لضمان تحقيق هذه المطالب.

استكمال السلام

وشمل المحور الرابع الخاص بعملية السلام، تعزيز الإرادة السياسية لدى الأطراف كافة، وتوفير الموارد اللازمة لتنفيذ اتفاقية السلام، وحل المعضلات التي تعترض تنفيذها، واستكمال هذه العملية هو أولوية قصوى للجميع.

ولفت المحور الخامس إلى أنه من دون تفكيك نظام الـ30 من يونيو وتصفية ركائزه، لا يمكن بناء نظام مدني ديمقراطي، وبالتالي لا بد من التزام جميع الأطراف بتحقيق هذه المهمة داخل المؤسسات المدنية والعسكرية، كما أنه من المهم مراجعة تجربة لجنة إزالة التمكين وتطويرها نحو تحقيق أهدافها، فضلاً عن العمل بصورة صارمة على محاربة الفساد بأشكاله كافة.

ودعا المحور السادس إلى تشكيل آلية واحدة بين الأطراف المكونة للمرحلة الانتقالية للإشراف على ملف العلاقات الخارجية وتوحيد الرؤى وتمتين علاقات السودان الإقليمية والدولية لا سيما مع دول الجوار وعلى وجه أخص مع جنوب السودان.

وشدد المحور السابع على التزام جميع الأطراف بتكوين المجلس التشريعي في مدة أقصاها شهر من الآن، على أن يضم كل القوى السياسية باستثناء المؤتمر الوطني ومن أجرم وأفسد في حق البلاد.

انقسامات متعددة

وفي مؤتمر صحافي بمناسبة إطلاق هذه المبادرة، لفت رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، إلى أن ما تشهده البلاد من أزمة وطنية شاملة منذ استقلالها تمثلت في غياب المشروع الوطني الذي يحظى بإجماع كاف يحقق رغبة السودانيين والسودانيات في قيام حكم مدني ديمقراطي يحقق المواطنة المتساوية، مبيناً أن الشعب السوداني نهض من بين الركام وفجر ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018 المجيدة بأوسع مشاركة جماهيرية وباستجابة القوات النظامية لنداءات الشعب التواق للتغيير، ومنحت الثورة فرصة تاريخية للبلاد بما طرحته من ملامح المشروع الوطني المنشود عبر شعار "حرية سلام وعدالة".

وأكد أنه على الرغم مما حققته الثورة في عامين من سلام وفك للعزلة الدولية، وسير في طريق التحول الديمقراطي، فإن وطأة الماضي الثقيلة تركت انقسامات متعددة الأوجه (مدني مدني، مدني عسكري، وعسكري عسكري)، وتفاقمت هذه الاختلافات في الآونة الأخيرة وأصبحت تعبر عن الأزمة السياسية العميقة التي تعاني منها البلاد حالياً.

وأشار حمدوك إلى أنه على الرغم مما تحقق في الفترة الماضية من إنجاز السلام في مرحلته الأولى، وفك العزلة الدولية وإزالة السودان من قائمة الإرهاب، والإصلاحات القانونية والسياسية، والانفتاح الاقتصادي، فإن هناك تحديات عديدة تعترض مسار الانتقال أهمها الوضع الاقتصادي، والترتيبات الأمنية، والعدالة، والسيادة الوطنية، والعلاقات الخارجية، واستكمال السلام، وتعدد مراكز القرار وتضاربها، فضلاً عن الوضع الأمني والتوترات الاجتماعية، والفساد، وتعثر إزالة التمكين، وبناء المؤسسات، مشدداً على أن كل ذلك يأتي على خلفية الانقسامات داخل الكتلة الانتقالية، وعدم وجود مركز موحد للقرار، وغياب الأولويات، والتصور المشترك للانتقال.

وبين أن "الفترة الماضية، شهدت تصاعد الخلاف بين شركاء الفترة الانتقالية ما يشكل خطراً جدياً، ليس على الفترة الانتقالية فحسب بل على وجود السودان نفسه، وقد بُذلت جهود في التواصل مع الأطراف المختلفة ونزع فتيل الأزمة، والتي أرى أنها لن تحل إلا في إطار تسوية سياسية شاملة تشمل توحيد الجبهة المدنية والعسكريين، وإيجاد رؤية مشتركة بينهما للتوجه صوب إنجاح المرحلة الانتقالية، وبناء الدولة المدنية الديمقراطية التي تنهض على قاعدة المواطنة المتساوية".

المزيد من تقارير