Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا عادت الجزائر إلى أحضان منظمة التجارة العالمية؟

البلد الوحيد في العالم الذي وقع اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي قبل انضمامه لها في مقاربة فريدة من نوعها 

عاد موضوع الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية ليتصدر المشهد الاقتصادي الجزائري (أ ف ب)

يبدو أن الجزائر وجدت السكة الصحيحة اقتصادياً بعد أن كشف وزيرها للتجارة عن التوجه قدماً نحو الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وهي الدولة التي عرفت مفاوضات "عسيرة" مع هذه الهيئة بسبب بعض النقاط "المعرقلة" من الجهتين.

مسار عمره 34 عاماً

وعاد موضوع الانضمام ليتصدر المشهد الاقتصادي الجزائري الذي بدأ منذ 34 عاماً، مع اقتراب موعد الاجتماع الوزاري الافتراضي 12 للمنظمة، المقرر عقده بين 30 نوفمبر (تشرين الثاني) إلى الثالث من ديسمبر (كانون الأول) في مدينة جنيف السويسرية، وقال وزير التجارة، كمال رزيق، إن العملية تسير وفق إجراءات مدروسة لما تتيحه هذه الهيئة من فرص أفضل لإنعاش الاقتصاد، مشيراً إلى تبني مجموعة من الإصلاحات التي تهدف إلى ترقية التجارة الخارجية، والاندماج في سلسلة القيم الجهوية والعالمية.

وأوضح رزيق، أن من بين الإصلاحات التي تضمنها الملف تعديل القاعدة الاستثمارية "51/49" التي تحدد نسبة المشاركة الأجنبية بـ49 في المئة مقابل 51 في المئة من المساهمة الجزائرية مع أي مشروع استثماري في البلاد، مشدداً على أن الخطوة لها الأثر الإيجابي على جذب الاستثمار الأجنبي ورفع حجم المبادلات التجارية.

لا انضمام قبل 2022؟

في هذا السياق، أكد أستاذ التجارة الدولية في جامعة هارفارد الأميركية، كريغ فان غراستك، أن انضمام الجزائر إلى منظمة التجارة العالمية لن يكون ممكناً قبل 2022، معتبراً أن هذا التاريخ يعد أكثر "عقلانية" لإتمام مسار الانضمام، وأشار إلى أهمية التشاور مع كافة الفاعلين المعنيين على المستوى الوطني، وكذلك الاستفادة من تجارب الدول الأخرى، لا سيما تلك التي انضمت، أخيراً، من أجل تحديد المصالح الواجب الدفاع عنها والخطوط الحمراء التي لا ينبغي تجاوزها. 

وشدد غراستك، خلال يوم إعلامي حول موضوع "الحروب التجارية والاتفاقيات المتعددة الأطراف وتنويع المبادلات" الذي انعقد بالجزائر العاصمة، بحضور سفير الولايات المتحدة الأميركية وسفير الاتحاد الأوروبي، أن الجزائر هي البلد الوحيد في العالم الذي وقع اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي، قبل انضمامه للمنظمة العالمية للتجارة، وهو ما وصفه بـ"المقاربة الفريدة من نوعها في العالم"، مبرزاً أنه في العادة، العكس هو الذي يحدث، حيث "يتم التفاوض أولاً على الاتفاقيات المتعددة الأطراف، ثم الاتفاقيات الثنائية والجهوية، لكن في الجزائر، تم التفاوض حول الاتفاقيات الثنائية والجهوية قبل استكمال المفاوضات مع منظمة التجارة العالمية".

ودافع الأستاذ الجامعي لصالح خيار الجزائر استكمال الانضمام للمنظمة، على الرغم من الأزمة التي تمر بها حالياً وتغيير الرؤية الأميركية الرسمية لقواعد التجارة العالمية، بخاصة في عهد الرئيس السابق دونالد ترمب، معتبراً أن "التحرير المستقل" للاقتصاد الذي تنتهجه بعض البلدان، ومنها الجزائر، له سلبيات، أهمها "التخوف من التغير المستمر للسياسات بتغير الحكومات"، وأضاف أن مسار الانضمام "معقد ويتطلب وقتاً طويلاً"، و"الجزائر لن تستطيع إتمامه بسرعة حتى لو قررت الإسراع في وتيرة المفاوضات"، داعياً السلطات المعنية إلى وضع اجتماع 2022 لمنظمة التجارة كهدف للانضمام، لأنه "التاريخ الأنسب لذلك، والأكثر عقلانية".

اقتصاد المعرفة والطاقات المتجددة

من جانبه، يرى أستاذ الاقتصاد، عبد النور باشوشي، في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أن المؤسسة الجزائرية تحتاج للاستقرار في النظام التجاري والاقتصادي، والاندماج في سلسة القيم العالمية، معتبراً أن فتح السوق من دون الاندماج في سلسلة القيم العالمية، جعل الجزائر "مجرد بلد مستورد"، وشدد على ضرورة حماية الجزائر لمؤسساتها من دون اللجوء إلى غلق السوق، وذلك بإزالة العراقيل وتشجيع ازدهار القطاع الخاص في ظل مناخ استثمار مناسب، داعياً إلى حسن اختيار القطاعات التي سيتم تطويرها، والاتجاه نحو الفروع المستقبلية لا سيما ما تعلق باقتصاد المعرفة والطاقات المتجددة، التي تعتبر "قطاعات صاعدة يمكن للجزائر أن تندمج فيها سريعاً عبر استثمارات محلية وأجنبية".

خيارات اقتصادية استراتيجية

وبررت الجزائر في وقت سابق، التأخر المسجل في الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية لخيارات اقتصادية استراتيجية للدولة وليس لأسباب بيروقراطية، وأوضحت وزارة التجارة، أن "منظمة التجارة العالمية تدرس المنظومة الاقتصادية لأي دولة قبل قبول الانضمام إليها ويجب على كل دولة الخضوع لقواعد المنظمة خلال المفاوضات، وهذا ما يتطلب وقتاً كبيراً بما أن الجانب الجزائري بصدد الدفاع عن مصالحه كذلك خلال هذه المفاوضات".

وتابعت الوزارة، أن المنظمة تفرض على سبيل المثال التقليل من الحقوق الجمركية إلى نسب منخفضة والحد من دعم الصادرات، في حين أن الجزائر تفرض الحقوق الجمركية لحماية منتوجها من المنافسة الأجنبية وتدعم الصادرات للسماح للمنتوج الجزائري بالتغلغل في الأسواق الأجنبية.

اعتراف... والحل في رؤية مشتركة للخبراء

إلى ذلك، اعترف الوزير الأول عبد العزيز جراد أن اقتصاد الجزائر "يشهد بشكل عام، إنتاجية منخفضة لوسائل الإنتاج ويعاني بشكل خاص من البطء الإداري، وكذلك نقائص في مجال التسيير، وصعوبات في الحصول على التمويل، بل وحتى غياب رؤية قطاعية مشتركة متناسقة طويلة المدى، والتي يمكن أن توجه وتشرف على تنفيذ السياسات العمومية".

وتعليقاً على "التصريح غير المسبوق" للوزير الأول، يقول المحلل الاقتصادي، مراد ملاح، إن "الرؤية الغائبة سمة غالبة في عديد القطاعات، لذلك تصبح كل الجهود  من دون معنى لأنها لا تكمل بعضها ولا تؤدي الى هدف مرصود سلفاً، وهنا يطرح إشكال أعمق هو النموذج الاقتصادي"، مضيفاً أن "الجهود التي لا تخلق تراكماً ليس بإمكان المسؤولين المتلاحقين أن يبنوا عليها، وبالتالي لا يمكن تحقيق أي إنجازات تذكر، ولا منافع للناس يستطيعون تلمس أثرها في حياتهم".