توقعات متباينة حول نمو منطقة اليورو وسط مخاوف ارتفاع الديون

الوضع الاقتصادي انعكس على وجوه القادة الأوروبيين مع غياب الابتسامات في اجتماع رومانيا

أعلام الاتحاد الأوروبي أمام مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)

على عكس الصورة التقليدية أمام الإعلام، غابت الابتسامات عن وجوه القادة الأوروبيين داخل مقر لقائهم خلف الأبواب المغلقة في سيبيو (رومانيا) اليوم الخميس. ففي نقاشاتهم عن أداء دولهم ومستقبل الاتحاد الأوروبي، ربما كانوا يفضّلون أن يتوصلوا إلى توقعات اقتصادية أفضل من تلك التي قدمتها المفوضية الأوروبية قبل يومين، والتي لم تبدُ مطمئنة. فقد كشفت أرقامها عن حدوث تباطؤ ملحوظ، ولا سيما في ألمانيا، الدولة الأقوى أوروبيا، وتحدثت عن تزايد المخاطر في دول أخرى.

وهذه هي المرة الثانية على التوالي التي تخفّض فيها مؤسسة الاتحاد الأوروبي توقعاتها لنمو الناتج المحلي الإجمالي للسنة 2019 إلى 1.4٪ الآن بالنسبة إلى الاتحاد ككل، و1.2٪ لمنطقة اليورو. وكانت في فبراير (شباط) من هذه السنة، توقعت نمواً بنسبة 1.5٪ للاتحاد، و1.3٪ لمنطقة اليورو.

أسباب دولية وأوروبية

ويعزو مسؤولون أوروبيون الأسباب الرئيسية إلى عوامل خارجية وأخرى أوروبية، أبرزها: تباطؤ النمو الصيني والشكوك المتعلقة بالتجارة العالمية، بدءاً من مخاطر التصعيد الحمائي بين بكين وواشنطن، وكذلك خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، الذي لم يحصل بعد بسبب عدم توفّر أغلبية سياسية في المملكة المتحدة تقرّ اتفاقية "الطلاق". يُضاف أيضاً أداء الدول الأعضاء ولا سيما الفقيرة منها.

 وقد حذرت أوساط في "لجنة اليورو والحوار الاجتماعي" من أن "المخاطر المحيطة بآفاق الاتحاد لا تزال كبيرة". وقال هؤلاء إنه "على المستوى الخارجي، تتفاقم النزاعات التجارية فيما تسجل الأسواق الناشئة تراجعاً ولا سيما منها الصين. أما في أوروبا، فيجب التنبه إلى احتمال (خروج بريطانيا من دون اتفاق)، وإلى الشكوك السياسية، والعودة المحتملة إلى الحلقة المفرغة ما بين بعض المقترضين السياديين والبنوك".

 الخبيران وائل حماد، مدير تطوير الأعمال في مؤسسة ICM Capital المالية، ومحمد زيدان، كبير استراتيجيي الأسواق في الشركة المالية Think Markets، تحدثا إلى "إندبندنت عربية"، حول هذا التشابك الاقتصادي.

يقول وائل حماد إن "هذا الارتباك العالمي يجعل أي خلاف دولي، كالمواجهة التجارية بين الولايات المتحدة والصين، ينعكس على اقتصادات الدول، ومنها ألمانيا قاطرة النمو في الاتحاد الأوروبي. تُضاف إلى ذلك سلسلة أزمات داخل الاتحاد الأوروبي، أهمها مشكلة خروج بريطانيا التي عززت (الشعبوية السياسية) لدى دول متراجعة اقتصاديا، وكل ذلك انعكس على أداء الاتحاد"، أما زيدان فاعتبر أن "المؤشرات الاستباقية توقعت تباطؤا أوروبياً وعالميا"، لكنه استدرك بأن "الأسباب الدولية ولا سيما ما يحصل بين الولايات المتحدة والصين، وحال عدم اليقين فيما يتعلق ببريطانيا، قد أثّرا على أدء النصف الأول من السنة، في حين أن أي حلحلة في المفاوضات الأميركية الصينية، أو فيما يتعلق بالتوصل إلى اتفاق على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، من شأنهما أن يبدّلا المؤشرات الأوروبية بالنسبة إلى النصف الثاني من السنة".  

الأقوى متعثر

الوضع الألماني كان مصدر قلق خاص، سواء في بروكسل قبل أيام أو في اجتماعات اليوم في رومانيا. فنموذج أقوى اقتصاد أوروبي يتعرض للضغط، إن لجهة تصدير المنتجات، أو لجهة الاعتماد بشكل كبير على قطاع صناعة السيارات الذي شهد تغيراً ملحوظا وتباطؤاً في الأشهر الأخيرة. وكانت المفوضية الأوروبية أوضحت أنه "لا يمكن للناتج المحلي الإجمالي في ألمانيا أن ينمو إلا بنسبة 0.5٪ فقط في 2019"، في حين أن توقعات برلين كانت تشير إلى ضعف هذا الرقم في يناير(كانون الثاني) مطلع 2019، وأربعة أضعاف في أكتوبر (تشرين الأول) من العام 2018، أي في حدود 1.8%.  

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويوضح حماد أن "ألمانيا تستورد من الصين قرابة 5.4% من مجمل صادراتها الدولية، وتصدّر إليها ما نسبته 6.4% من مجمل استيرادات الصين، وتصنّع في المقابل سياراتها على الأراضي الصينية. وفي ظل الحرب التجارية بين بكين وواشنطن، فإن أي إجراءات عقابية أميركية لا بد من أن تطول المصالح الصناعية الألمانية، وهذا ما انعكس بوضوح على الاقتصاد". وتخوف الخبير المالي والاقتصادي من المرحلة المقبلة ولا سيما نتائج المفاوضات الأميركية الصينية، "فنجاحها يفيد الولايات المتحدة على حساب الصين، أما فشلها فقد يجعل الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتفت إلى أوروبا واليابان لاتخاذ إجراءات في غير مصلحتهما، وفي الحالتين ستكون الانعكاسات الاقتصادية غير مواتية للاتحاد الأوروبي وعلى رأسه ألمانيا".

أداء مقبول  

الوضع الاقتصادي الفرنسي قد يبدو أقل قلقاً مع زيادة متوسط النمو هذه السنة بنحو 1.3٪ من الناتج المحلي الإجمالي، في تطابق تقريبي مع توقعات "بنك فرنسا"، التي تحدثت عن زيادة مقدارها 1.4٪ في 2019. لكن هذا البلد ما زال في أسفل التسلسل الأوروبي بسبب عجز عام في حدود 3.1٪ من الناتج المحلي الإجمالي للسنة الحالية، تاركاً للحكومة مساحة صغيرة من العمل للوفاء بتعهد الرئيس إيمانويل ماكرون تخفيض ضريبة الدخل. أما بالنسبة إلى الدين العام، فيجب على الحكومة أن تواصل التحرك لمواجهة أرقام قاربت قيمة الناتج المحلي الإجمالي، وهي الآن في حدود 99٪ منه. ويعتبر وائل حماد أنه "إضافة إلى أرقام الدين العام في فرنسا، يأتي الضغط الذي تمارسه حركة (السترات الصفراء) واضطرار الحكومة إلى الرضوخ لمطالب الطبقات غير الميسورة"، وتوقع أن تكلف زيادة رواتب العمال الفقراء وتخفيض الضرائب عن المتقاعدين منهم "مزيداً من العجز في موازنتها يقارب 8 مليارات يورو، ما سيؤثر بالتأكيد على الأداء الأوروبي ككل". في المقابل، ذكر محمد زيدان أن "فرنسا على الرغم من مشكلة الدين وأرقام العجز ما زالت في نطاق المقبول، وأداء مؤشرها (كاك) متوافق مع المعايير الأوروبية، لأنها ما زالت تسجل نموا، ما يعني أنها ما زالت في منطقة الأمان".  

الحلقة الأضعف

إيطاليا لا تزال "الحلقة الضعيفة" في منطقة اليورو هذه السنة، مع تباطؤ للنمو فيها سجل ما يزيد بقليل على 0.1%، وعجز عام في الناتج القومي تعدى التوقعات لسنة 2019 (2.5%) ولسنة 2020 (3.5%). وقبل كل شيء، لا يزال الدين العام كارثياً ويُقدر بنحو 133.7٪ من الناتج المحلي الإجمالي. هذا الرقم هو الأعلى في منطقة اليورو بعد اليونان (%174.9). وقد تمكنت المفوضية الأوروبية من تهدئة الوضع مع الحكومة اليمينية في خريف العام 2018، لكن التوترات قد تتجدد بعد الانتخابات الأوروبية مطلع يونيو (حزيران)، عندما تضع المفوضية توصياتها لكل عضو في الاتحاد الأوروبي. ويتخوف مسؤولون أوروبيون من انعكاس الوضع الإيطالي على مجمل منطقة اليورو، إذا لم يبادر الاتحاد الأوروبي إلى تشديد إجراءاته المتعلقة بالدين العام الإيطالي المفرط. ويرى بعض القادة، ومنهم المستشار النمساوي سيباستيان كورز أن "فرض عقوبات على دول الاتحاد المثقلة بالديون سيمنع إيطاليا مثلاً من أن تتحول إلى يونان ثانية نتيجة سياسة الديون التي تعتمدها، وهذه هي الطريقة الوحيدة لمنع الخطر عن منطقة اليورو بأكملها"، في رأيه.

هل تقبل روما تغيير سياستها؟... "من الصعب"، يقول وائل حماد، فالحكومة الإيطالية "ذات طابع شعبوي، وأي إجراءات تقشف يجب أن تكون موضع بحث أوروبي دقيق، كيلا يُدفع بها إلى تكرار خطوة بريطانيا"، ويلتقي محمد زيدان مع هذه النقطة بقوله إن "القلق يحيط بإيطاليا بسبب خروج معدل الدين لديها عن النطاق المريح، وكذلك عوائد الفوائد على السندات على مدى 10 أعوام. وعلى عكس فرنسا التي توازن ارتفاع ديونها وعجزها بمعدل نمو مقبول، فإن إيطاليا لديها دين مرتفع ونمو منخفض، وهذان العاملان سيزيدان من نسبة العجز بلا شك".  

 إصلاحات أوروبية

هل تعطي الصورة العامة الأوروبية المثيرة للقلق حججاً للإصلاحيين في منطقة اليورو للمضي في مطالبهم؟ مسؤولو "مفوضية الاقتصاد" يعتبرون أن "الوضع الأوروبي متماسك في مواجهة ظروف عالمية أقل مواتاة، وتعاني من حال عدم يقين مستمرة". ويدعو هؤلاء إلى "الاستعداد أوروبياً لتقديم مزيد من الدعم لاقتصاد الاتحاد، واستحداث إصلاحات جديدة من شأنها أن تعزز النمو". ويرى إصلاحيون أنه يمكن أن يكون للمجلس الأوروبي اجتماع مهم في نهاية يونيو (حزيران) في هذا الصدد، إذ "يتعين على زعماء الاتحاد اتخاذ قرار بشأن الترتيبات العملية لإطلاق مشروع موازنة منطقة اليورو الذي تمت المصادقة عليه في نهاية العام 2018، والذي تواصل هولندا والدول العشرة الصغيرة في الاتحاد رفضها المضي فيه". ويتوقع الخبير زيدان أن تكون "أوروبا قادرة على مواجهة المرحلة المقبلة، وهذا ما يراهن عليه (البنك المركزي الأوروبي ECB)، الذي أبقى على سياسته النقدية التوسعية لجهة المحافظة على أسعار فوائد منخفضة وعدم اعتماد سياسة انكماش تقضي بزيادة الفوائد. قراره هذا استند إلى 3 عوامل مشجعة: سوق توظيف جيدة، ومعدلات بطالة متراجعة، وعدم وجود ركود اقتصادي".