متحف موما بروكلين يستضيف معرضا استعاديا للفنانة سيمون فتال

247 عملا بين النحت والرسم واللوحات المائية عبده وازن

الفنانة سيمون فتال (اندبندنت عربية)

لعل الفنانة اللبنانية سيمون فتال هي أول فنان تشكيلي عربي يُخصّص له متحف موما - بروكلين الشهير أميركياً وعالمياً، معرضاً استعادياً ضخماً يضم247 عملاً بين النحت والرسم بالأبيض والأسود والألوان المائية (إكواريل) والأكريليك والكولاج. وهذه الأعمال المعروضة تمثل إحدى مراحلها الإبداعية التي برزت في السبعينيات. نادراً ما يحظى فنان لا يزال في عزّ عطائه، بهذا التكريم أو التكريس العالمي، سواء عربياً كان أم عالمياً، فمتحف موما – بروكلين التابع للمتحف الأصل موما – مانهاتن الذي يعد من أهم متاحف الفن الحديث عالمياً، ليس مجرد صالة أو غاليري للعرض الفني فقط، مقدار ما يمثل واجهة للتحولات التي تشهدها الحركة الفنية العالمية، وللأعمال الإبداعية التي تحمل مشروعاً تحديثياً في التشكيل والنحت وسائر الأنواع الفنية التي تحتلّ المشهد الراهن. وعندما يوافق المتحف هذا، على تقديم فنانة قادمة من خارج الدائرة الغربية، الأميركية أو الأوروبية، فهذا يعني أنه وجد في أعمالها ملامح متميزة ومعالم تجربة جديدة وطليعية، تستحق أن تقدم منفردة إلى الجمهور. وقد رحّبت الصحافة الأميركية بمعرض سيمون فتال وفي مقدمها مجلة "نيويركر" المعروفة بجديتها.

يحار زائر معرض فتال الاستعادي من أين يبدأ جولته على الأعمال المعروضة التي تبلغ الـ 247 عملاً، ويحار أيضاً إلى أي نوع من الأعمال ينحاز. المنحوتات التي تحتل بأحجامها ورموزها مساحة من المعرض تقدم قامات بشرية، منتصبة، رجالاً ونساء أو ذكوراً وإناثاً، ذلك أن الهوية الجنسية تتحول هنا تحت يدَي فتال إلى هوية إنسانية وتتخطى معايير التمييز النوعي والطبيعي أو الفيزيقي. لكنّ المرأة تظل امرأة والرجل رجلاً على الرغم من توحدهما في رؤية الفنانة وفي مقاربتها الوجودية، فجسد المرأة أشد طواعية ورقةً من جسد الرجل الذي يكون أحياناً محارباً (منحوتة المحارب الأصفر)، أو يمثل أحياناً "أغاممنون" الطالع من الأسطورة الإغريقية. أما جسد المرأة فيحضر وكأنه الجسد المتحوّل الذي يحمل بذور الوجود والكينونة. إنها المرأة في كل ما تحمل من أبعاد ومعانٍ وخصائص بيولوجية وروحية. وتمثل منحوتات أخرى أشجاراً وجذوع أشجار تضرب جذورها اللامرئية في أديم الوجود، التراب والكينونة في آن واحد، إنها الأشجار الأشبه بالكائنات الطبيعية التي تحمل أسرار الحياة والموت، والمزروعة في فضاء الكون والأرض. تعتمد فتال في منحوتاتها مواد مختلفة: الطين الذي هو جوهر السيراميك لا سيما بعد أن يتعرض للشيّ في الفرن، البرونز الذي يحمل في ذاته فكرة العصر البرونزي الذي عاشه الكون في تحوله التاريخي، إضافة إلى مواد أخرى تنجح الفنانة في تطويعها ونحتها ومنها الأشكال التي تعبّر عن رؤاها ومشاعرها، وتجسّد الأفكار التي تختزنها الفنانة.

بالانتقال إلى بقية المعروضات تطالع زائر المعرض أعمال تشكيلية صرف، من رسوم يتحاور فيها اللونان، الأسود والأبيض، يتداخلان ويفترقان ويتوازيان، ويمارس

اللون الواحد سحره على الآخر ليخلقا عبر علاقتهما هذه حالاً من التناغم المطلق. فإذا الأسود هو ذاكرة الأبيض والأبيض ذاكرة الأسود. أما في لوحات الإكواريل والأكريليك، فتتجلّى الحال الغنائية اللونية التي تختزلها فتال على أقمشة اللوحات وكأنها طالعة من عينيها كما من مخيلتها وذاكرتها، فتحضر الطبيعة حضوراً تجريدياً أو تشبيهياً، ويرقى اللون إلى أقصى تعابيره. وتكمل لوحات الكولاج تجربة فتال في خلق لوحة موازية فيها الكثير من اللعب المتوازن والجرأة المدروسة، وهي لوحات تقتحم معايير التشكيل لتخلق مناخاً من المشهديات البصرية والحلمية.

يكتشف زائر معرض سيمون فتال الذي يعد حدثاً فنياً، مسار هذه الفنانة التي ولدت في سورية وانتقلت باكراً إلى لبنان ثم سافرت إلى باريس لتدرس الفلسفة في جامعة السوربون ثم لتبدأ تجربتها الإبداعية وتسهم في الحركة الفنية في بيروت والعالم العربي، بدءاً من أواسط الستينيات من غير أن تتوقف بتاتاً عن مواصلة تجربتها الفريدة.

المزيد من ثقافة