Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا جعل اللقاح شرطا قانونيا لعمال قطاع الصحة "فكرة سيئة"

أعتقد أنه يجب على الجميع أخذ اللقاح، لكن مزيداً من الدعم في اتجاه إجراء تقييمات فردية للمخاطر التي يتعرض لها العاملون في مجال الرعاية الصحية، هو أفضل استثمار لوقت الحكومة

"من المستحسن للحكومة أن تُقدم دعماً أفضل وتُمكن الممارسين الصحيين من تقييم المخاطر المُحدقة بهم" حالة بحالة (رويترز)

عندما يتعلق الأمر بمفعول اللقاح للوقاية من المرض والموت، فأنا مؤمنة بهذه الفكرة، كما ينبغي أن نكون جميعاً. لقد كتبتُ في أكثر من مناسبة عن ضرورة تلقيح الجميع  ضد "كوفيد-19".

لكن في أعقاب إعلان الحكومة قرارها جعل لقاح "كوفيد" إلزامياً بالنسبة إلى كل مَن يدخل دور الرعاية ويعمل فيها، وجدتُ نفسي مستاءةً من وقاحة الوزراء وسعيهم إلى تكريس هذا التطوير للقاح في القوانين.

وانطلاقاً من واقع خبرتي الطويلة في علم الأخلاقيات، أفترض أنكم تنتظرون مني تفنيد الأسباب الأخلاقية التي تدفعني إلى الاعتراض على إلزامية لقاح كورونا. فالحجج والذرائع في هذا السياق كثيرة، وقد يتطرق وسيتطرق إليها معاصرون لي في الأيام المقبلة. أما أنا، فلن أفعل وستتفاجأون بأن شواغلي الرئيسة ليست شواغل أخلاقية، بل شواغل عملية، أي أن ما يثير قلقي بحق هي شواغل عملية حقيقية يُمكن تلخيصها في مواصلة الحكومة تجاهلها لأحد أهم جوانب الوقاية من التهاب "كوفيد-19"، تنفيذ عمليات تقييم المخاطر التي تُهدد طواقم العاملين في مجال الرعاية الإجتماعية والصحية، على الرغم من مرور 15 شهراً على تفشي الجائحة. 

وهذه ليست المرة الأولى التي يكون فيها العاملون في مجال الرعاية الاجتماعية والصحية، ومن ضمنهم العاملون في دور الرعاية، معرضين لخطر الإصابة بالأمراض والالتهابات، بل هذه حالهم دائماً. فالعمل مع أشخاص معظمهم من المرضى يجعلهم في موقع ملتقطي العدوى وناقليها في آن واحد. ومن هنا، يُمكن القول إن أفضل وسيلة للدفاع عن مقدمي خدمات الرعاية الاجتماعية والصحية هو الهجوم الذي يأتي على شكل إجراءات رسمية مهنية لإدارة المخاطر.

وفي السياق الطبي، الإدارة الجيدة للمخاطر هي البحث الدؤوب عن طرق ناجعة تُخفف من حدة المخاطر التي يتعرض لها الموظفون والمرضى، وأخرى تقيم المخاطر في أماكن العمل ودور الأشخاص المعنيين بالقطاع. فعلى عكس ما تقترحه أعداد كبيرة من التقارير، فاللقاح ليس الحل السحري لإدارة عدوى كورونا أو أي عدوى أخرى.

وقد سبق لباب النقاش هذا أن فُتح إزاء طرح اللقاح المضاد لالتهاب الكبد البائي، لكنه اصطدم في حائط مسدود. ونتيجة ذلك، فإن لقاح التهاب الكبد البائي اليوم نموذج رائع على كيفية اعتماد إدارة المخاطر الجيدة على أكثر من التطعيم، أي على مزيج من الإجراءات المهمة التي يُمكن أن تُسهم مجتمعةً في الحد من المخاطر المحدقة بالمرضى والعاملين الحريصين على سلامتهم.

بادئ ذي بدء، من الضروري أن نفهم بأن لقاح التهاب الكبد البائي غير ملزم قانوناً للعاملين في مجال الرعاية الصحية، لكن يُنصح به لمعظم العاملين الصحيين قبل مباشرة عملهم في القطاع، وبيد أرباب العمل فرضه.

ولا شك أن اللقاح المضاد لالتهاب الكبد البائي فعال في الحد من انتشار العدوى، لكنه جزء من كل وما ينفع حقاً هو التلقيح المصحوب بتقييم المخاطر الفردية وممارسات العمل المأمونة في ما يتعلق بمصادر الالتهابات المحتملة، كالممارسات الحسنة للحقن والتخلص من الأدوات الحادة. بكلام آخر، ليست اللقاحات وحدها ما يُبقي مستشفياتنا خالية نسبياً من التهاب الكبد البائي، إنما إجراءات السلامة وتقييم المخاطر كذلك. بالتالي، فإن اللقاحات هي جزء كبير من الحل، لكنها ليست الحل بأكمله.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن خلال محاولة الحكومة فرض اللقاح المضاد لـ"كوفيد-19" على العاملين في دور الرعاية والجدال بشأن ما إذا كانت هذه الخطوة واجبة على كل طواقم الرعاية الاجتماعية والصحية، أرى بأنها تتجاهل أهمية فهم المخاطر المهنية والدور المشترك الذي تؤديه تدابير السلامة في خفض معدلات الإصابة بجميع الأمراض السارية.

وفي وقت تظهر فيه حاجة ملحة لمزيد من العاملين الاجتماعيين والصحيين للتعامل مع الجائحة وتبعاتها، تُضيع الحكومة وقتها وطاقتها في البحث عن إمكانية جعل اللقاحات إلزامية وتفادي الطرق الأكبر والأغلى التي تطرحها إدارة المخاطر في سبيل استهداف مختلف المخاطر التي يمكن أن تتأتى عن "كوفيد-19" والتي يمكن أن تنتقل بين الأشخاص في أماكن العمل والقطاع الصحي عموماً، والتخفيف من وطأتها.

وبدل أن تفكر في حل شامل ومتكامل لحماية المرضى والعاملين، فإن الحكومة تأمل في مقاربة "لقاح واحد" مفروض قانونياً كحل لكل شيء" حيث ستختفي العواقب الطويلة والمهمة للوباء في وهج غروب شمس شركة "فايز". وهذا الموقف بنظري، مضيعة للوقت والجهد.

ولو سألتموني عما ينبغي للحكومة أن تفعله بدلاً من ذلك؟ أجيبكم بكل وضوح، من المستحسن للحكومة أن تُقدم دعماً أفضل وتُمكن الممارسين الصحيين من تقييم المخاطر المُحدقة بكل عامل في مجال الرعاية الاجتماعية والصحية في كافة أنحاء القطاعات، بما في ذلك دور الرعاية. والمستحسن أيضاً أن تكرس الوصول إلى الموارد المطلوبة للحفاظ على إجراءات مكافحة العدوى ومنحه صفة قانونية.

إلى جانب إجراءات وتدابير، من قبيل تأمين معدات الحماية الشخصية المناسبة بغض النظر عن التلقيح، وإرساء التباعد الاجتماعي بين قاطني دور الرعاية ومرضى المستشفيات، وتيسير عملية غسل اليدين في أماكن العمل، ومواصلة توفير الاختبارات الموثوقة، وتقديم الدعم المالي لمن يحتاج إلى العزل الذاتي، التي يُمكن أن تنتشل شعبنا من لجة الجائحة إذا ما اقترنت بالتلقيح الطوعي.

وليكن معلوماً لديكم بأن شغفي لإدارة المخاطر لا يُغير معتقداتي أو رسالتي بخصوص اللقاح. وها إنني أعيد وأكرر للمرة المليون، لو كنتم من المؤهلين للحصول على اللقاح، خذوه. ولو كنتم غير واثقين بشأن اللقاح، تحدثوا إلى خبراء الرعاية الصحية ليُجيبوا عن أسئلتكم ويساعدوكم في اتخاذ قرار واع.

ولأنني لستُ جاهلة في إدارة المخاطر، أؤكد لكم أن اللقاح وحده غير كاف لوقف انتشار العدوى. وحتى نتمكن من تخطي هذه المرحلة الصعبة والعبور إلى بر الأمان، نحن في أمس الحاجة إلى خدمات صحية مهنية قوية واستراتيجيات محكمة لإدارة المخاطر والتصدي للعدوى.

الدكتورة أليكسيس باتون هي محاضرة في علم الأوبئة الاجتماعية وعلم اجتماع الصحة لدى "جامعة أستون" (Aston University). وهي أيضاً رئيسة اللجنة المعنية بالمسائل الأخلاقية في مجال الطب في "كلية الأطباء الملكية"(Royal College of Physician) وأمينة "معهد أخلاقيات الطب"(Institute of Medical Ethics).

© The Independent

المزيد من تحلیل