Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف تحولت أفضل مؤسسة للصحة العامة في العالم من بطل إلى متهم؟

الوكالة الأميركية للسيطرة على الأمراض في مرمى النيران ويتهددها الإصلاح

الرئيس الأميركي جو بايدن يتجول في مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في جورجيا (أ ف ب)

على مدى سبعة عقود، احتلت وكالة السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة المعروف باسم (سي دي سي)، المرتبة الأولى في العالم كأفضل مؤسسة للصحة العامة، فقد نجحت في القضاء على مرض الجدري وتغلبت على الـ "إيبولا" مرات عدة، وتواصل بنجاح التصدي للـ "إيدز"، وتعاملت بكفاءة مع إنفلونزا الطيور والخنازير، حتى تحولت بطولات هذه الوكالة الفيدرالية الأميركية إلى روايات وكتب وأفلام خيالية واسعة الانتشار. لكن مع قرب السيطرة على الوباء، شعر الأميركيون بالإحباط بعد أدائها المثير للجدل خلال وباء "كوفيد-19"، فقد تخبطت الوكالة في مراحل عدة من عملها، واتهمها كثيرون بالتسييس وإخفاء المعلومات أو تعديلها أحياناً، فما مصير الوكالة وقادتها؟ وهل ستستجيب إدارة جو بايدن للضغوط المطالبة بإصلاحها بسرعة؟

نموذج الارتباك

خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، كان وباء "كوفيد-19" في ذروة عنفوانه في الولايات المتحدة، حيث كان يحصد أرواح آلاف الأميركيين كل يوم، في وقت اشتد فيه الجدل حول كيفية عودة الطلبة للتعلم في المدارس بشكل آمن بدلاً من تلقي دروسهم عبر الإنترنت، لكن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (سي دي سي) كانت مرتبكة ومتخبطة، فقد قدمت إرشادات بارتداء الأقنعة والبقاء على مسافة ستة أقدام في كل الأوقات، وهو ما كان عائقاً أمام إمكان فتح المدارس بالكامل، لأن معظمها لم يتمكن من الحفاظ على هذه المسافة، بينما تستوعب جميع الطلاب والمعلمين. ومع عجز "سي دي سي" عن الإجابة عن كثير من الأسئلة، انقسمت المجتمعات في أرجاء الولايات حول كيفية موازنة المخاطر في غياب خطة وطنية حول كيفية المضي قدماً.

تسييس واضطراب

ولم يكن ذلك سوى اختبار آخر للوكالة الفيدرالية الأميركية، فمنذ الأيام الأولى لانتشار الوباء اتُهمت الوكالة بالتسييس الشديد والاضطراب، فقد كان العلماء هناك بطيئين للغاية في اكتشاف الفيروس، أو تطوير اختبار تشخيصي دقيق له، أو فهم مدى سرعة تحوره، وكانت إرشاداتهم التحذيرية بشأن ارتداء الأقنعة والحجر الصحي ومسائل التهوية مربكة وغير متسقة وأحياناً خاطئة، بحسب رأي كثير من المراقبين.

وخلال إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب، وقف قادة الوكالة مكتوفي الأيدي بينما يرون السياسيين المعينين من الإدارة الأميركية يعملون على تقييد موظفي الوكالة، إذ جرى حظر نشر عدد من التقارير العلمية أو تعديلها، كما استُخدمت سلطات الحجر الصحي لتحقيق أهداف سياسية، بل إن الاستراتيجيات الخطرة للحد من الفيروس لم يتم فقط الترويج لها، بل تم توظيفها بنشاط، مما جعل المسؤولين المحليين في وضع يتعين عليهم فيه تدبير أمورهم بأنفسهم لاتخاذ قراراتهم بشأن توصيات الوكالة، التي يجب اتباعها أو تعديلها أو تجاهلها.

اهتزاز الثقة

وعلى الرغم من السمعة العالمية الفائقة التميز التي اكتسبتها "سي دي سي" كأفضل مؤسسة للصحة العامة في العالم، لدرجة أن بلداناً كثيرة أنشأت هيئات مناظرة لها بالاسم نفسه، حتى لو لم يعن هذا الاختصار شيئاً في لغتهم الأصلية، إلا أن غالبية الأميركيين كانوا مندهشين من أداء الوكالة التي كانوا يتوقعون منها أن تنخرط بشكل سريع في مواجهة الأزمة، بما يكفل لها، وقد حصلت على التمويل الحكومي اللازم والأجهزة التكنولوجية الحديثة، أن تقدم بيانات شاملة عن الأمراض المثيرة للقلق، وتترجمها إلى إرشادات سليمة في خضم الأزمات، وهو ما كانت تفعله باقتدار في تعاطيها السابق لمنع إنفلونزا الطيور وإنفلونزا الخنازير وآلاف الأوبئة الأخرى المجهولة من القضاء على الأميركيين.

وما كشف الخلل الذي عانت منه "سي دي سي"، عقد مقارنات بين عملها وعمل منظمات مستقلة أخرى تدخلت للمساعدة في سد الفجوة المعلوماتية، مثل مجموعة عمل الاستجابة السريعة لفيروس "كوفيد-19"، التابعة لجامعة هارفارد، والتي تعاملت بمستوى أفضل بكثير مع كم هائل من البيانات الأولية خلال العام الماضي، حول معدلات العدوى ومعدلات العلاج في المستشفيات وعدد الوفيات، وحولتها إلى معلومات دقيقة وبرامج قابلة للتنفيذ، وأنشأت أدوات لتقويم المخاطر في كل مقاطعة على حدة، كما ابتكرت استراتيجيات اختبار وطنية، ورسمت خرائط برامج وطنية لتتبع انتشار الوباء، ولهذا تحركت في معظم الحالات بشكل أسرع من مركز السيطرة على الأمراض، ورسمت صورة أكثر دقة للوباء أثناء انتشاره، وقدمت حلولاً أكثر جدوى للتحديات التي واجهها قادة الدولة والمجتمع.

إرشادات مُحيرة

وفي حين أجرت المديرة الجديدة للوكالة روتشيل والينسكي تحسينات واضحة في ظل إدارة بايدن، مثل إعادة جعل التوجيهات والإرشادات حصرية على موظفي الوكالة، فإن هذه الإرشادات لا تزال محيرة، كما ظلت رسائل الوكالة غير واضحة للغاية، مما جعل المجتمعات في جميع أنحاء البلاد وفي المناطق التعليمية على وجه الخصوص، تكافح من أجل معرفة الخطوات التالية، وعلى سبيل المثال أعيد فتح المدارس، لكن لم تصدر الموافقة على إعطاء اللقاحات للأطفال الذين تقل أعمارهم عن 12 عاماً، ولم يُعرف على وجه اليقين إلى متى يمكن أن تستمر مناعة اللقاحات ضد الفيروس، أو ماذا سيحدث عندما يتلاشى تأثير المناعة.

قد تكون "سي دي سي" مجرد ترس واحد في جهاز الصحة العامة في الولايات المتحدة لكنها مهمة للغاية، فمن المفترض في عالم مثالي أن ما تصدره من إرشادات وتوجيهات لا ينطبق فقط على المدارس، ولكن أيضاً على دور رعاية المسنين والسجون ومصانع تعبئة اللحوم، وأن تُوجه هذه الإرشادات المسؤولين المنتخبين والمؤسسات الخاصة على حد سواء، بشأن الأوبئة العالمية وجميع أنواع تهديدات الصحة العامة، بما في ذلك تفشي مسببات الأمراض التي تنقلها الأغذية للحفاظ على سلامة الناس ومساعدتهم في البقاء بصحة جيدة، لكن هذا ليس مركز السيطرة على الأمراض القائم الآن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عيوب هيكلية

وبينما لا تبدو "سي دي سي" كتلة واحدة من حيث أن بعض جوانبها تزخر بالابتكارات، بينما تسير جوانب أخرى بطريقة القصور الذاتي، فإن العلماء والإداريين الذين أمضوا عقوداً في العمل مع الوكالة يقولون إن ثلاث مشكلات تؤثر في المؤسسة بأكملها، وهي نقص التمويل ونقص السلطة والصلاحيات، وأخيراً الثقافة الناتجة من نقص التمويل والسلطة. وإذا كانت بعض هذه المشكلات تعود إلى السياسة، فإن معظمها ناتج من عيوب في الأساس الذي نشأت عليه الوكالة ذاتها.

منذ إنشائها عام 1946، اعتمد وجود الوكالة على قدرة مسؤوليها على تسويق خدماتها وإقناع قادة الولايات الذين كانوا متخوفين من التدخل الفيدرالي، وإقناع المشرعين الذين قليلاً ما كانوا يقدرون وجهة نظر علم الأوبئة، لكنهم سرعان ما طوروا سمعة جيدة لهم، كونهم أول من يصل في حالات الطوارئ وآخر من يغادر، كما كانوا الأكثر تقدماً في مجال التكنولوجيا، لكن الوكالة غالباً ما كانت تفتقر إلى الموارد، وتعاني النزاعات الداخلية حول كيفية تقسيم الأموال التي تتلقاها.

قليل من السلطة والنفوذ

ومع مرور الزمن أصبحت "سي دي سي" اليوم مترامية الأطراف من حيث الحجم والانتشار، ولكنها مقيدة للغاية فيما يمكنها القيام به، فهي تتألف من 10 مراكز ومعاهد ومكاتب، توظف أكثر من 11 ألف شخص، وتعمل ضمن قائمة ضخمة من مبادرات الصحة العامة، التي تشمل ليس فقط مكافحة الأمراض المعدية، ولكن أيضاً الوقاية من الأمراض المزمنة، والسلامة في مكان العمل، والعدالة الصحية وغيرها.

وعلى الرغم من هذا النطاق الواسع، فإن الوكالة لديها القليل من السلطة، إذ لا يمكن لمسؤوليها إجبار الولايات على المشاركة في مبادراتها، ولا تضمين أطقم الوكالة من العلماء في أية تحقيقات محلية، ولا مشاركة كثير من البيانات. على سبيل المثال، لم تستطع الوكالة حتى في منتصف الوباء إجبار الناس على ارتداء الأقنعة، أو إجبار القادة المحليين على إغلاق أو فتح المدارس أو المؤسسات الأخرى، وبصرف النظر عن عدد قليل من سلطات الحجر الصحي، فإن معظم مراكز السيطرة على الأمراض يمكن أن تصدر فقط التوجيهات التي أحياناً ما تستخدم كسلاح لأغراض سياسية.

موازنة صغيرة

وعلى الرغم من أن الموازنة السنوية لمراكز السيطرة على الأمراض تبلغ مليارات الدولارات، إلا أنها تعد صغيرة جداً بالمقاييس الأميركية، إذ إنها لم ترتفع إلا قليلاً في مواجهة التضخم خلال العقدين الماضيين، فضلاً عن كونها تخضع لقيود كثيرة، إذ يوجه نصف موازنة الوكالة إلى الولايات بعد سلسلة إجراءات بيروقراطية، وهناك ما يقرب من 200 بند منفصل في موازنة مركز السيطرة على الأمراض، لا يمتلك مدير الوكالة ولا أي مسؤول حكومي السلطة لتوحيد تلك البنود أو تحويل الأموال في ما بينها.

هذا الافتقار إلى المرونة يجعل من الصعب للغاية التكيف مع حاجات الولايات المختلفة، كما يعوق نظام التمويل هذا جهود الاستجابة لحالات الطوارئ، لأنه لا توجد موازنة حقيقية للأحداث المفاجئة، وعندما يظهر شيء مثل إنفلونزا الخنازير أو "زيكا" أو "كوفيد-19"، تلجأ الوكالة إلى الكونغرس للحصول على موارد إضافية، الأمر الذي يجعل الوكالة في حال عجز تمويلي لاستخدامه في التخطيط على المدى الطويل.

وبحسب منتقدي الوكالة، فإن "سي دي سي" تقاوم التغيير وبطيئة في التصرف وتُحجم عن الابتكار، إذ يعتمد مسؤولو الوكالة بشكل مفرط على الدراسات المنشورة التي تستغرق وقتاً لإصدارها، وهم غير قادرين على إصدار الأحكام الضرورية.

الأداء مع "كوفيد-19"

قبل وقت طويل من بدء انتشار فيروس كورونا الجديد في جميع أنحاء العالم، أيقن العلماء في مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها أن الولايات المتحدة كانت متأخرة كثيراً عما كان ينبغي أن تكون عليه عندما يتعلق الأمر بتحديد ومراقبة تهديدات الأمراض المعدية، ففي العام 2014 أنشأت الوكالة مكتب الكشف الجزيئي المتقدم لتحقيق هذا الهدف والبدء في سد هذه الفجوة، لكن هذا الجهد واجه عقبات كثيرة، إذ تتطلب التكنولوجيا الجديدة بنية تحتية من أجهزة الكمبيوتر المعقدة والمتطورة لم تكن متوافرة لدى "سي دي سي" أو أي من مختبرات الصحة العامة في البلاد، كما تطلب الأمر نوعاً من العاملين ذوي المهارات الخاصة في المعلوماتية الحيوية وتحليل الجينوم، واستلزم اقتناء هذه الأجهزة والعاملين المتخصصين كثيراً من الاتفاقات مع كل ولاية على حدة.

وعلى الرغم من توافر بعض القدرة على المراقبة الجينية لدى كل مختبر للصحة العامة في البلاد بحلول الوقت الذي تفشت فيه جائحة كورونا، إلا أن معظم هذه القدرة تركزت في قسم الأمراض المنقولة بالغذاء، وكان من الصعب التكيّف لمواجهة الأزمة الجديدة.

وبعد أشهر عدة من انتشار الوباء، وعندما كان الفيروس المسبب لـ "كوفيد-19" في طريقه لأن يصبح الفيروس الأكثر تسلسلاً في تاريخ البشرية، لم تسهم الولايات المتحدة بأي شيء في هذا الجهد.

الأزمة الأكبر

خلال عام 2020، ومع انتقال الفيروس من عدد قليل من المناطق المعزولة إلى جائحة كاملة، كافح العلماء في "سي دي سي" للإجابة حتى عن الأسئلة الأساس حول شكل المرض نفسه أو أين وكيف ينتشر؟ وعمن يتم إدخاله إلى المستشفى، وما هي الحالات الشديدة؟ وما خصائص المرض؟ ولم تتمكن الوكالة من تتبع مسار موثوق للاختبارات أو معدلات الإصابة في جميع أنحاء البلاد، كما عانت من أجل تحديث بيانات المستشفيات، والتي تتضمن أشياء مثل توافر الأسرّة وإمدادات أجهزة التنفس الاصطناعي، لدرجة أن إدارة ترمب استأجرت متعاقداً خاصاً لجمع تلك البيانات، وسط اتهامات بالمحاباة السياسية، وعندما تم توزيع العديد من اللقاحات، لم تكن الوكالة قادرة على مراقبة الإمدادات بدقة.

فيروس "كوفيد-19" هو أكبر أزمة واجهت "سي دي سي" في كل تاريخها، فقد كان نوعاً من التهديد الذي تم إنشاء الوكالة من أجله في المقام الأول، ولكن عندما وصل لم يكن لدى المسؤولين هناك كثير لمواجهة هذا التحدي.

إصلاح ضروري

ولأن كل أزمة جديدة تجلب عزيمة جديدة لتحديث النظام، تعالت الصيحات في الكونغرس وخارجه من أجل سرعة الدفع بعمليات إصلاح للوكالة وتخصيص مزيد من الأموال لها، بما يمكنها من تصحيح مواطن الخلل التي تواجهها، ولتكون جاهزة لأية كوارث معدية جديدة.

يبدو أن هناك أمراً واحداً يتفق عليه معظم الخبراء، وهو أن موازنة الوكالة تحتاج إلى إصلاح شامل، خصوصاً أن انعدام الأمن المالي يجعل من الصعب على الوكالة أن تكون مبتكرة، وأن تبني علاقات قوية أو أن تقود أزمة، لكن تاريخ محاولات حل هذه المشكلات طويل ومليء بالفشل، مما يشكل تحدياً إضافياً على الحكومة الفيدرالية أن تعالجه بالتعاون مع الولايات والمحليات قبل فوات الأوان.

المزيد من صحة