Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الاستثمار الروسي في مصفاة البداوي... ذراع نفطية في شرق المتوسط

"الاستحواذ على هذه المنشأة سيسمح بطريقة غير مباشرة بالالتفاف على العقوبات المفروضة على سوريا"

شعار شركة النفط الروسية "روسنفت" أمام مقرها في موسكو (أ ف ب)

في يناير (كانون الثاني) من عام 2019، وقّعت الحكومة اللبنانية وشركة "روسنفت" الروسية عقداً لتشغيل مصفاة النفط في البداوي، شمال لبنان. مضى عامان ونيّف، وما زالت المصفاة على حالها، ولم يتم تجهيزها بعد لبدء عمليات الاستثمار والتخزين بسبب حالة الإغلاق التي فرضتها جائحة كورونا على العالم. وعليه، لم يتم بعد تنفيذ المرحلة الأولى من العقد الذي يتضمن بناء خزانات جديدة لاستيعاب قرابة نصف مليون طن (428 مليون طن) من النفط كمحطة ابتدائية، يليها زيادة عدد الخزانات لتوسيع القدرة إلى مليون ونصف مليون طن. 

النفط الروسي وعودة الحياة إلى المصفاة

ترافقت خطوة تلزيم المصفاة، مع بث آمال كبيرة لدى اللبنانيين بإعادة الحياة إلى مصافي النفط المتوقفة منذ الحرب الأهلية اللبنانية، وكذلك الانطلاق بعملية التنمية الشاملة، وتفعيل المرافق الحيوية في شمال لبنان من معرض رشيد كرامي الدولي، إلى المنطقة الاقتصادية الخاصة بطرابلس، وصولاً إلى تشغيل مطار رينيه معوض في القليعات.  

يسهم تنفيذ هذا المشروع في دخول لبنان إلى قائمة الدول المخزنة للنفط في شرق المتوسط، والتي تستخدمها الشركات الكبرى منصات لتوريد النفط إلى زبائنها على وجه السرعة، كما سيفتح الأبواب واسعة أمام "روسنفت" في هذه المنطقة من العالم، في موازاة عملها على تنفيذ مشروعها النفطي الضخم "فوستوك أويل" الذي يهدف إلى بدء تصدير النفط في 2024 عبر بحر الشمال، وهو بديل لقناة السويس لناحية تقصير المسافة إلى أسواق آسيا، وتقدر موارد المشروع بنحو 6.4 مليار طن من النفط. 

تعتقد المتخصصة في المجال النفطي ديانا القيسي أن الغموض يشوب التعاقد مع الشركة الروسية، وتوضح أن العقد الذي تم توقيعه منذ سنتين لم يُنشر، بالتالي لم يطلع الرأي العام على الالتزامات العقدية التي تقع على عاتق "روسنفت"، لأن "كل ما نعرفه هو ما أعلنه وزير الطاقة آنذاك، سيزار أبي خليل، عن عقد طويل الأمد، وهو بين "روسنفت" والدولة اللبنانية، حيث تم منح الشركة الروسية الحق في تطوير وتخزين الطاقة في منشآت النفط في طرابلس". 

تطرح القيسي سلسلة تساؤلات حول قيمة العقد، متخوفة من أن يكون دون مقابل (zero value contract). وتشير إلى أن العائد للدولة اللبنانية إنما يكون عندما تحصل على جزء من المخزون كبدل عن الإيجار، كما أن التأخير في التنفيذ ناجم عن عدم وضوح المدة الزمنية للتنفيذ. وتذكر القيسي بمطالبة "المبادرة اللبنانية للنفط والغاز"، وهي منظمة مجتمع مدني تطالب بالشفافية في لبنان، بـ"نشر العقد بالغ الأهمية وطويل الأمد". كما تلفت إلى مخالفة دستورية في العقد لأنه "لا يمكن لوزير توقيع عقد طويل الأمد لـ 20 عاماً، وهو موضوع يفترض اطلاع البرلمان اللبناني عليه، ليوافق عليه قبل توقيعه، وهذا أمر لم يحدث، بالتالي فإن الترجيحات تشير إلى أنه اتفاق استراتيجي قبل أن يكون اتفاقاً تجارياً، لذلك لا بد من معرفة مصدر المواد المنوي تخزينها، سواء أكان المصدر عراقياً من كركوك، أو من النفط الروسي. 

وتُقر بوجود منافع اقتصادية لهذا العقد بشرط الاطلاع على مضمونه لتحديد مكاسب لبنان، وترجح أن المنافع تكون في نمط كهذا من العقود على شكل بدلات الإيجار بالمتر المكعب، بالإضافة قدرة لبنان في الحصول على حصة من مخزون الغاز أو النفط في حال اشتراط الحكومة ذلك. وتنوه بأن روسيا دولة مؤثرة في أسعار النفط العالمية، ويمكن أن يجني لبنان منافع كبيرة يمكن الاستفادة منها، شرط عدم الخوض في اللعبة الجيوسياسية وفرض الرقابة اللبنانية على ما يتم إدخاله إلى هذه المنشآت. 

ويكمن "الهم الروسي في توسيع الوجود في منطقة الشرق المتوسط لأن موقع منشآت النفط في طرابلس هو استراتيجي، كونه يرتبط بخط الأنانبيب الآتي من كركوك، وأيضاً بخط أنابيب العرب الموصول بالمخازن الموجودة في بانياس"، بحسب القيسي، لذلك فإن روسيا المصدر الأول الذي يحتكر السوق الأوروبية بالغار، وهي تريد موضع قدم في هذا الموقع الاستراتيجي، ناهيك بالعلاقات المميزة التي تربط روسيا مع النظام السوري الذي يخضع لعقوبات أميركية وأوروبية. 

وتسلط القيسي الضوء على الأهمية الجيوسياسية للاستثمار في موقع كهذا، موضحة أن قانون قيصر يمنع حلفاء سوريا من الروس والإيرانيين من مساعدة النظام عسكرياً وفي إقامة البنية التحتية وإنتاج الطاقة، بما فيها الإمداد بالنفط. لذلك فإن الاستحواذ على هذه المنشأة سيسمح بطريقة غير مباشرة، وغير خاضعة للرقابة، القيام بالالتفاف على العقوبات، والقيام بالإمدادات من خلال الخط العربي المتصل بمدينة بانياس. 

مصفاة البداوي محطة فاصلة في التنمية المحلية

في أربعينيات القرن الماضي، تأسست مصفاة البداوي، وكانت تملكها شركة إنجليزية، وتتبع لشركة نفط العراق IPC. وبقيت على هذا الحال إلى عام 1973 عندما صادرتها الدولة اللبنانية، وأصبحت ضمن ملكيتها. وارتبطت المنشأة بمظاهر الغنى والبرجوازية في المجتمع الطرابلسي، بسبب الأجور العالية التي كانت تدفعها لموظفيها، ومن جهة أخرى كانت الشركة تمتلك عدداً كبيراً من المرافق العامة مثل موقع المون - ميشال، وثكنات القبة العسكرية، وثكنة عرمان، ومطار القليعات، وملاعب الغولف، والمستشفى الإسلامي، الذي أطلقته وساهمت في بنائه. 

وتشير المعلومات إلى أن "شركة روسية أخرى تنوي الاستثمار في مصفاة البداوي، بعد أن استثمرت "روسنفت" في الخزانات حصراً". وتعتقد المتخصصة في مجال الطاقة لوري هايتايان أن أي عملية استثمار يجب أن تكون ضمن رؤية وسياسة اقتصادية واضحة للدولة ولقطاع الطاقة، متحدثة عن "إجراءات ترقيعية في مجال الطاقة من قبيل تفعيل مصفاة، وسيزداد الهدر". 

تتخوف هايتايان من "تفعيل المصافي بصورة مستقلة عن باقي قطاع الطاقة"، وتسلط الضوء على مجموعة معايير يجب اعتمادها من قبيل اعتماد الشفافية في التعاقد، وتحديد الوجهة من المشروع هل سيكون إعادة تأهيل للمنشآت أم أنه سيتم هدمها لإعادة بنائها من جديد بسبب توقفها الطويل عن العمل، وظهور تقنيات جديدة في الاستثمار في قطاع الطاقة، بالإضافة إلى تحديد الطبيعة القانونية لهذه الشركة التي يمكن أن تكون عامة أو خاصة أو ذات طبيعة مختلطة، والصفة التعاقدية.

تلمح هايتايان إلى عدم الوضوح في التعاقد مع "روسنفت" لأنه "بعد مرور ثلاث سنوات لا نعلم أين أصبح العقد، وهل تم تنفيذه، أم أنه سيبقى غامضاً؟". وتلفت إلى أن "المحاولات العديدة للاطلاع على مضمون العقد، باءت بالفشل بحجة أنه موقع بين شركات خاصة، ولا يقع ضمن نطاق حق الوصول إلى المعلومات"، مضيفة أن "الطبقة الحاكمة في لبنان مستعدة لإجراء أي تعاقد لتحصيل المنافع الاقتصادية من دون القيام بأي إصلاحات أو اعتماد الضوابط والشفافية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 الشمال منصة مهمة

تُعدُ منطقة شمال لبنان ذات أهمية استراتيجية لروسيا في إطار تكريس وجودها ضمن "المياه الدافئة"، فالشاطئ الممتد من عكار إلى طرابلس، هو امتداد للساحل السوري الذي توجد فيه بقوة الاستثمارات الروسية. وتشير لوري هايتايان إلى أن "شمال لبنان عمق استراتيجي لسوريا"، لذلك ترجح إعطاء الأولوية للتخزين في البداوي، لضمان الإمداد لقواتها في البحر الأبيض المتوسط على حدود الناتو من ناحية تركيا واليونان. 

ولا يُعدّ مشروع الاستثمار في خزانات منشآت النفط في الشمال، الخطوة الوحيدة لشركة "روسنفت" المملوكة بنسبة النصف زائد واحد في المئة من الحكومة الروسية.

بين النفط الروسي والنفط العراقي

تتألف مصفاة البداوي من وحدات التكرير للنفط الخام، وحدات التكسير لسحب المازوت من ضمن الفيول، التخزين، والمصب، بالإضافة إلى المباني الإدارية. وفرضت عوامل الزمن والمناخ نفسها على هذه المنشأة الضخمة، فقد أصابت الأعطاب جميع مرافقها، ولم تعد صالحة للاستثمار والتشغيل". وتختصر مصادر منشآت النفط في طرابلس حال مصفاة البداوي بالخردة. في المقابل، يؤكد المدير السابق للمنشآت محمد بدوي أن المصفاة تحتاج إلى أعمال صيانة على نطاق واسع، وهي لا تصلح إلا لتخزين النفط في خزاناتها الكبرى التي ما زالت تستعمل حتى اليوم.

يؤكد المهندس محمد بدوي، أن "خط نفط كركوك - العراق كان يمد لبنان بالنفط الخام المسال، ومن جهة أخرى شكّل المتنفس للعراق من أجل تصدير نفطه إلى العالم انطلاقاً من مرفأ طرابلس النفطي عند المصب، وكان مُهيّأ لاستقبال ناقلات نفط بسعة 200 ألف طن". 

يأسف البدوي للواقع الذي وصلت إليه المنشآت التي كانت سبباً لازدهار لبنان وغناه في مرحلة من المراحل. ويجيب البدوي عن سؤال يتعلق بإمكانية جر النفط العراقي إلى لبنان براً كبديل عن الشاحنات في أعقاب إعلان الحكومة العراقية إمداد لبنان بمليون طن، حيث يوضح أن خط نفط كركوك مقطوع عند مخيم البارد للاجئين الفلسطينيين. ويستدرك أن إصلاحه ممكناً في حال عقدت النية، لأن "عملية الإصلاح لا تحتاج لأكثر من أسبوع عمل، وسبق لإدارة المنشآت أن أصلحت الجزء الذي قصفته الطيارات الإسرائيلية في منطقة العبدة، إلا أن الأوامر السورية حالت دون إعادة تشغيله واستعماله".

المصفاة ضمن استراتيجية عامة

بحذر كبير تستقبل الأوساط الاقتصادية الشمالية المشاريع الاستثمارية الروسية على بعد 6 كم من الحدود السورية، فهي من جهة عطشى للإنماء، وتعرب عن انفتاحها على أي تعاون اقتصادي. في المقابل تتخوف من أن يتسبب هذا الأمر في انسحاب الاستثمارات الغربية الموعودة. ويرحب توفيق دبوسي، رئيس غرفة التجارة والصناعة في طرابلس، بالاستثمارات الروسية الموعودة، على أن تتوافق مع "مشروع طرابلس الكبرى"، بالتالي تحوّل لبنان إلى مرفأ إقليمي دولي بمساحة تزيد على 20 مليون متر مربع، ومكان لالتقاء المستثمرين الأجانب على اختلاف مشاربهم.

ويطالب دبوسي برؤية جديدة لمنشآت النفط في طرابلس، من خلال هدم القديمة وبناء مصفاة جديدة، وإقامة منصة للنفط والغاز مقابل المصفاة، وعدم الاقتصار على التخزين والتكرير، وصولاً إلى إقامة مشروع اقتصادي يحقق الشراكة بين مختلف الأطراف، ويتلاقى فيه الشرق الأقصى، وأوروبا ليكون حقل استثمار لا أرضية لصراع النفوذ.