Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل سيكون غوتيريش في ولايته الثانية رجل إطفاء حرائق الأمم؟

المنظمة الدولية متهمة بسوء الإدارة وصراعات دولية تهدد عملها

لا شك أن أنطونيو غوتيريش الذي صادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على توليه أرفع منصب في المنظمة الدولية لدورة ثانية، هو دبلوماسي ماهر، صاحب خبرة طويلة وقدرة على التماهي مع التطورات المتقلبة، لكن طريقة تجديد ولايته وأسلوب إدارته الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية، جرّت عليه بعض الانتقادات بينما يواجه تحديات صعبه تتطلب كثيراً من الحكمة خلال السنوات الخمس المقبلة التي تبدو مختلفة عن سابقاتها وسط صراعات تلوح في الأفق بين الولايات المتحدة والصين. فما أبرز هذه التحديات؟ وهل يمتلك الأمين العام أدوات تمكنه من مجابهة العوائق الدولية؟

ثقة تحت المجهر

في كلمته التي أعقبت التصديق على ولايته الثانية كأمين عام للأمم المتحدة، قال أنطونيو غوتيريش، إن أهم درس تعلمه في ولايته الأولى هو الحاجة إلى إعادة بناء التضامن والثقة، وأنه سيتأكد خلال ولايته الثانية من أن يفعل كل ما بوسعه لإعادة بناء الثقة المتبادلة بين الحكومات، والثقة بين الناس والمؤسسات، والثقة في الأمم المتحدة.

غير أن هذه الثقة التي تحدث عنها غوتيريش، نالت قدراً من الانتقاد حتى بالنسبة إلى طريقة تجديد ولايته كمرشح رسمي وحيد من دون أي منافس، فخلال السنوات السبعين الأولى من عمرها، اختارت الأمم المتحدة مسؤولها الأعلى، عبر عملية غامضة كانت تُقارن بطريقة اختيار البابا في روما، لكن على الرغم من التغييرات المستحدثة في قواعد انتخاب الأمين العام، التي استهدفت مزيداً من الشفافية والعدالة، إلا أن غوتيريش سارع نحو فترة ولاية جديدة، بينما كان الراغبون في الترشح ضده يتأسفون، لأن الأمم المتحدة لم تسمح بهذا النوع من المنافسة العادلة التي تدعو إليها حول العالم.

وبينما تقول الجمعية العامة للأمم المتحدة إنها لا تعترف بترشيح أي شخص لم تدعمه رسمياً دولة عضو في المنظمة، وإن غوتيريش هو الوحيد الذي رشحته دولته البرتغال، إلا أن النقاد والمنافسين الآخرين يؤكدون أن هذا ليس إلا تقليداً وليس قاعدة فعلية.

إصلاحات لا تنتهي

وبصرف النظر عن مدى شفافية وعدالة اختيار الأمين العام للمنظمة الدولية، فإن الثقة في المنظمة الدولية ككل، تتعرض لهزات متتالية منذ سنوات، على الرغم من الجهود التي بذلها غوتيريش وسبعة أمناء سابقين لإصلاح المنظمة الدولية، فبالنسبة إلى كثير من المراقبين، أصبحت الأمم المتحدة منظمة مُسرفة وبيروقراطية وغير كفؤة، وتركز أكثر على الدعاية والسياسة أكثر من تقديم الخدمات للدول الأعضاء أو المحتاجين، بل إن بعض العاملين السابقين في المنظمة يشيرون إلى أن 29 سنتاً فقط من كل دولار تنفقه الأمم المتحدة تذهب بالفعل إلى الأسباب التي صُممت من أجلها، بينما المشكلات التي تدعي الأمم المتحدة أنها تناصرها مثل مساعدة اللاجئين، تزداد سوءاً، كما فشلت جهود الإصلاح المختلفة بسبب ثقافة الأمم المتحدة التي تهتم أكثر بكتابة التقارير وعقد المؤتمرات أكثر من الإنجازات الواقعية.

التعامل مع الجائحة

وفي حين أشاد بعض الزعماء الدوليين بأداء غوتيريش خلال أزمة وباء "كوفيد-19"، ومساعدته في إنشاء نظام "كوفاكس" لإيصال اللقاحات إلى البلدان الفقيرة، فإن الانتقادات طالت المنظمة الدولية باعتبارها أساءت التعامل بشكل صارخ مع الجائحة منذ البداية، ولم تتصرف وكالات الأمم المتحدة مثل منظمة الصحة العالمية بالسرعة الكافية للإعلان عن الوباء، أو الضغط من أجل معرفة مصدره أو توفير المعلومات المطلوبة حول نشأته، أو تنظيم جوانب مختلفة من الاستجابة الدولية، من اللقاحات التي لم تصل بعد إلى غالبية الدول الفقيرة والنامية إلى سلاسل التوريد.

صمت أممي

تعرض غوتيريش لانتقادات شديدة في ولايته الأولى بسبب صمته عن انتهاكات حقوق الإنسان وتفضيله الدبلوماسية الهادئة، وهو ما يترك تصوراً عاماً بأن الأمم المتحدة غير مبالية بالفظائع، وتتخلى عن الضحايا بينما تقوض في كثير من الأحيان احتمالات السلام، وهو موقف يتناقض إلى حد ما مع مواقف جميع الأمناء العموم السابقين للأمم المتحدة الذين حاولوا تحقيق التوازن بين دورهم كوسطاء هادئين في النزاعات، والحاجة إلى تمثيل القيم الأساسية للأمم المتحدة.

وتمثل صمت غوتيريش بوضوح في فشله في انتقاد الدول القوية التي تمتلك عضوية دائمة في مجلس الأمن الدولي، مثل روسيا والصين والولايات المتحدة، التي كان بحاجة إلى دعمها لضمان فوزه بولاية ثانية، ولهذا لم يهتم  بقضايا حقوق الإنسان بما في ذلك حملة الصين على مسلمي الأويغور في شينجيانغ واستهداف روسيا للمنشقين، لكنه حافظ على انتقاد الدول الضعيفة مثل ميانمار وبيلاروس.

عقبات على الطريق

وإذا كان غوتيريش الذي تولى منصبه في المرة الأولى عام 2017 حاول تجنب الصراع مع الولايات المتحدة عندما وعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بسياسة خارجية تحت شعار "أميركا أولاً"، ونجاحه كدبلوماسي في إيجاد أرضية مشتركة للتعامل مع ترمب في جهود تقليص مهام حفظ السلام الدولية، إلا أن العلاقة أصبحت أكثر توتراً مع انتقاد الولايات المتحدة ثم انسحابها من هيئات الأمم المتحدة، مثل مجلس حقوق الإنسان ومنظمة الصحة العالمية، ولم يتمكن غوتيرش ولا المنظمة الدولية من تهدئة الحرب التجارية بين واشنطن وبكين.

وعلى الرغم من عودة الولايات المتحدة إلى مبدأ التعددية والتعاون بين دول العالم، إلا أن التطورات الأخيرة تُظهر أن القوتين الاقتصاديتين العظميين الولايات المتحدة والصين، تقتربان من حرب باردة جديدة بسبب عديد من العوامل الاقتصادية والسياسية، وهو ما قد يعيق عمل منظمة الأمم المتحدة في حفظ السلام والأمن الدوليين، كما يهدد بحروب دبلوماسية يستخدم فيها حق النقض "الفيتو"، بما يمهد لحرب باردة طويلة.

معارك مجلس الأمن

وعلى الرغم من أن الصين استخدمت حق النقض "الفيتو" 16 مرة في تاريخها، وتُعد أقل الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن استعمالاً له، إلا أنه من المرجح أنها ستلجأ إلى "الفيتو" في الفترة المقبلة. فقد تقاسمت الصين وروسيا استخدامهما "الفيتو" عشر مرات، ما عطل اتخاذ قرارات من المجلس، منها قراران بشأن انتهاكات النظام السوري ومساعدات الإغاثة في يوليو (تموز) الماضي، فضلاً عن قرارات أخرى تتعلق بسلوكيات الحكومات وممارساتها بشأن حقوق الإنسان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من أن الصين استخدمت "الفيتو" بشكل منفرد ثلاث مرات فقط مقارنة مع 100 مرة للاتحاد السوفياتي ومن بعده روسيا، و50 مرة للولايات المتحدة، إلا أن نفوذها في مجلس الأمن كان يخص علاقتها بأفريقيا التي ترتبط بها تجارياً ومالياً، وتسعى إلى نيل احترام دول القارة في مواجهة التحالف البريطاني الفرنسي الأميركي ذي الماضي الاستعماري بالنسبة إلى دول القارة.

نفوذ بكين يتزايد

وأصبح نفوذ الصين المتزايد داخل الأمم المتحدة أمراً لا مفر منه، فهو ينبع من السياسة الخارجية التي رسمها الرئيس الصيني شي جينبينغ، ومن حقيقة أنها ثاني أكبر المساهمين مالياً في المنظمة الدولية بعد الولايات المتحدة، وهي وإن كانت تركز تقليدياً على الأنشطة التنموية للأمم المتحدة، إلا أنها أصبحت تستعرض عضلاتها في أعمال حفظ الأمن والسلام.

ومع وجود الصين الآن كثاني أكبر مساهم في موازنة الأمم المتحدة بنسبة 12 في المئة مقارنة مع 22 في المئة للولايات المتحدة، وإسهامها في موازنة أعمال حفظ الأمن والسلام بنسبة 15 في المئة مقارنة مع حوالى 27 في المئة من الولايات المتحدة، يخلص المراقبون إلى أن بكين تتوقع مزيداً من النفوذ في الأمم المتحدة.

وما يجعل البعض في واشنطن غير مرتاحين إزاء السلوك الصيني، هو توقعهم بأن بكين ستستخدم صوتها الأقوى في المنظمة الدولية للتخلص من قضايا حقوق الإنسان وغيرها من المسائل القائمة على القيم في نظام التعددية الليبرالية حتى لو استغرق ذلك وقتاً طويلاً، وهو ما قد يدفع إدارة بايدن إلى الدخول في مواجهة بمساعدة الحلفاء الغربيين.

تجربة سابقة

وتشير التجارب السابقة إلى أن الصراعات بين الدول الكبرى، أو بين إحداها والمنظمة الدولية من شأنها أن تعطل عمل المنظمة الدولية أو تعيقه موقتاً، فطوال فترة حكم ترمب كان غوتيريش في وضعية رجل الإطفاء الذي يعمل على مكافحة الحرائق، وكان هدفه الأول هو كيفية مواجهة التخفيضات المالية الأميركية المخصصة للمنظمة الدولية وضمان الحد من الأضرار، وحاول كذلك أن يضع موضع التنفيذ رؤيته لتعزيز الدبلوماسية من أجل السلام، لكن بيئة المنافسة بين القوى العظمى أفشلت إمكانية التوصل إلى أي نتيجة، ثم أدت جائحة "كوفيد-19" إلى تهميش مؤسسات الأمم المتحدة واستمرارها في عمليات تسيير الأعمال بشكلها التقليدي.

مستقبل حذر

 بعد تجديد دورة جديدة لغوتيريش، يتوقع كثيرون أن تطفو رغبته لإحداث فرق على السطح من جديد، غير أن إدراك غوتيريش لحدود دور الأمم المتحدة الضعيف في القضايا الجيوسياسية الرئيسة، يفسر لماذا انحرف في اتجاه آخر قابل للتحقيق، فقد تحول إلى أزمة المناخ باعتبارها قضية مميزة، يستطيع أن يمارس فيها مهاراته الدبلوماسية الواسعة مدافعاً عن مبدأ مقبول من الجميع، وبما يتماشى مع شغفه ورغبته في تعزيز التغيير نحو الأفضل.

وفي حين أن قضايا السلام والأمن في أفريقيا وعدد من المناطق الملتهبة في آسيا تعد من التحديات الأساسية التي تواجه غوتيريش، فإن التحديات الأكبر المتمثلة في البيئة والصحة والتقنيات الرقمية وتوسيع مساحة المجتمع المدني والقضايا العابرة للحدود، من المرجح أن تجعل أجندة ولاية غوتيريش الثانية مختلفة كثيراً عن أجندة الولاية الأولى.

وفيما انتقد كثيرون غوتيريش لدعمه مبادرة الحزام والطريق الصينية، وغض الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان من بكين، إلا أنهم يعتبرون أن الضغط الغربي بقيادة الولايات المتحدة، لن يُحدث تغييراً جذرياً في نهج المنظمة الدولية، ففي سعيه وراء طريقه المنشود نحو اتفاقية مناخ جديدة، سوف يسير غوتيريش بحذر، ليضمن الحفاظ على مصالحه مع الصين والجهات الفاعلة المهمة الأخرى بما في ذلك روسيا، لأنه من دون موافقة ودعم الجميع، لن يكون اتفاق المناخ الذي يرغب فيه غوتيريش ممكناً.

المزيد من تقارير