Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فوز رئيسي برئاسة إيران ينذر بمزيد من التشدد ضد مصالح واشنطن

سيناريو 2005 يتكرر ضد الإصلاحيين وطموح خلافة خامنئي يراود الرئيس المحتمل

على الرغم من وجود أربعة مرشحين متشددين يتنافسون على مقعد الرئاسة في إيران بعد انسحاب ثلاثة في الأيام الأخيرة واستبعاد آخرين، فإن نتيجة الانتخابات تبدو بالنسبة لعدد من الإيرانيين محددة سلفاً لمصلحة رئيس السلطة القضائية إبراهيم رئيسي، المعروف بولائه للمرشد الأعلى علي خامنئي وسلطة رجال الدين بشكل عام في إيران، فما الذي يعنيه ذلك للولايات المتحدة ومصالحها في الشرق الأوسط؟ وكيف يمكن أن تؤثر عودة واشنطن إلى الاتفاق النووي في سلوك إيران تحت حكم أكثر تشدداً في طهران؟

رئيس مختلف

يعد إبراهيم رئيسي (60 عاماً) أحد المقربين الأكثر ثقة للمرشد الأعلى علي خامنئي، الذي يؤمن مثله بتفسير صارم للفقه الإسلامي كأساس للدولة والحكومة، لكن رئيسي على الرغم من تأييده لمفاوضات الاتفاق النووي، يعادي التعامل مع الولايات المتحدة والدبلوماسية مع الغرب، بعكس الرئيس حسن روحاني ومعسكره من الوسطيين البراغماتيين والإصلاحيين.

ومنذ بداية الثورة الإيرانية كان الصراع على السلطة بين المرشد الأعلى والرئيس يمثل مشكلة مستوطنة في الحياة العامة الإيرانية، وأصبح ذلك الخلاف واضحاً بشكل خاص خلال السنوات الأخيرة، إذ كان لكل من الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي والرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني خلاف كبير مع خامنئي، وانتهت محاولاتهما للتقارب مع الغرب بالإذلال من المرشد الأعلى، الذي اعتبر أن سياساتهما الليبرالية نسبياً ساعدت في انطلاق الاحتجاجات الحاشدة المتقطعة، بخاصة خلال الأعوام الأربعة الأخيرة 2020.

ومع افتراض عدم إجراء انتخابات إعادة في وقت لاحق من هذا الشهر، سيكون من شبه المؤكد أن يصبح إبراهيم رئيسي هو الرئيس الإيراني الجديد، مما سيشكّل علامة فارقة ليس بسبب ما سيفعله، لكن لأنه يختلف عن أسلافه، فبدلاً من التنافس مع خامنئي سيكون رئيسي هو الشريك المثالي لخطة خامنئي في جعل جمهورية إيران الإسلامية أكثر إسلامية وأقل جمهورية.

بيروقراطي متشدد

وعلى عكس أسلافه الذين كانوا جميعهم من السياسيين المحترفين، يصنف إبراهيم رئيسي على أنه بيروقراطي بمؤهلات متوائمة مع المتشددين، فهو "سيد" أي من نسل الرسول محمد كما يقول، وهو حائز على درجة الدكتوراه في الشريعة الإسلامية، وحصل على ترقية إضافية أخيراً إلى رتبة آية الله، كما أنه متزوج من ابنة رجل دين بارز على علاقة صداقة بالمرشد الأعلى علي خامنئي.

أما تاريخه فلا تشوبه شائبة بالنسبة لهذا التيار، فقد انضم إلى النظام في سن الـ 20، وتدرج في المناصب حتى وصل إلى منصب المدعي العام، ثم رئيس السلطة القضائية منذ مارس (آذار) 2019.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا شك في أن أوراق اعتماده المتشددة كانت مثيرة لإعجاب حلفائه، ففي عام 1988 ساعد رئيسي بصفته نائباً للمدعي العام في ذلك الوقت، في إصدار أحكام بالإعدام ضد أكثر من 1000 معارض، وهو ما جعل اسمه مدرجاً على قوائم عقوبات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

وبين عامي 1997 و2004، سجن رئيسي بصفته مديراً لهيئة مكافحة الفساد عدداً من حلفاء خاتمي الإصلاحيين، وطوال عمله كمدع عام أشاد بأدائه كبار رجال الدين وقادة الحرس الثوري الإسلامي، مما مهد الأرضية له الآن لنيل ثقة ومساندة السياسيين المحافظين الذين وحدوا صفوفهم مع الصحافة المتشددة وقنوات التواصل الاجتماعي لدعم ترشيحه.

وأخيراً، سخّر خامنئي النظام كي يعمل بشكل فعال لمصلحة رئيسي، فمن خلال مجلس صيانة الدستور الذي يسيطر عليه المرشد الأعلى، جرى حظر جميع المرشحين الإصلاحيين تقريباً في جميع الانتخابات المحلية والبرلمانية والرئاسية.

 

تاريخ يعيد نفسه

ويشبه هذا السيناريو إلى حد كبير الفترة التي سبقت انتخابات عام 2005، الذي شهد اصطفافاً من المحافظين المتشددين ضد المحاولات شبه الإصلاحية للرئيس محمد خاتمي الذي خاض الانتخابات على أساس برنامج يدعم حرية الصحافة، ويتعهد بتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، وبلغ رد فعل المحافظين ذروته بانتخاب المتشدد أحمدي نجاد الذي اعتمد سياسات معاكسة لإصلاحات خاتمي، واتبع سياسة خارجية متشددة مناهضة لأميركا، وحتى قبل انتخاب نجاد، اكتسح المتشددون الانتخابات المحلية والتشريعية في عامي 2003 و2004 بعد منع الإصلاحيين من الترشح، مثلما مُنعوا من الترشح للانتخابات الرئاسية عام 2005.

وكما في عام 2005، يبدو أن خامنئي يمهد الطريق حالياً أمام متشدد آخر للتراجع عن ثماني سنوات من محاولات الإصلاح، تساعده في ذلك النتائج الاقتصادية الكارثية لرئاسة حسن روحاني، التي نتجت في جزء منها عن قرار الولايات المتحدة عام 2018 إعادة فرض عقوبات شاملة على إيران، مما سهّل هجوم خامنئي على الإصلاحيين، بعدما ارتفعت معدلات البطالة وانخفض الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 10 في المئة، وفقد الريال الإيراني ثلثي قيمته، وتسببت الاضطرابات الاقتصادية في اندلاع احتجاجات ضخمة شجّعت عليها إدارة ترمب.

أطماع خلافة خامنئي

لكن على الرغم من استعداد خامنئي والمتشددين للسيطرة الكاملة على البلاد، فإن تغيير ميزان القوى باتجاههم قد لا يكون سهلاً مثلما كان عليه الحال عام 2005، إذ يبلغ خامنئي من العمر 82 عاماً، ويعاني سرطان البروستاتا، ومن المحتمل أنه يرغب في إبقاء إرثه بعد وفاته، وهذا قد يدفعه خلال الفترة التي تلي الانتخابات إلى إنهاء المعارك بين مناصريه والإصلاحيين، ووقف الصراع على السلطة بين الرئيس والمرشد الأعلى، كما يتطلب في جانب آخر اتخاذ خطوات لإبعاد وعزل الشباب الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً، ويمثلون أكثر من 60 في المئة من السكان، عما يسمى بالفارسية "غربزادكي"، وهو مصطلح صُك خلال أربعينيات القرن الماضي في الثقافة الإيرانية، ويعني الولع والإعجاب بالغرب.

لكن طموح إبراهيم رئيسي ليصبح المرشد الأعلى خلفاً لخامنئي يمثل له حافزاً آخر لدعم أي جهود لمكافحة الإصلاح، بخاصة أن اسمه ظل متداولاً كخليفة محتمل لخامنئي على مدى سنوات، ومن الأرجح أنه يفكر في تكرار سيناريو خلافة المرشد الأعلى السابقة، حينما خلف خامنئي عندما كان رئيساً عام 1989 سلفه آية الله الخميني، وكان في عمر رئيسي نفسه، وربما بأوراق اعتماد أقل إثارة للإعجاب.

ولهذا فمن المتوقع أن يستخدم رئيسي حال فوزه بالرئاسة ولايته لاسترضاء الفصائل المتشددة التي تتمتع بتأثير ونفوذ واضحين على قرار الخلافة، أي رجال الدين المتشددين والحرس الثوري الإيراني، ولن يكون لدى رئيسي مشكلة في أن يكون جزءاً من خطط النظام السلطوية التي جرى التخطيط لها من دونه.

مزيد من الاستبداد

وإضافة لكون إيران واحدة من أسوأ الأنظمة الاستبدادية في العالم، فإنها قد تصبح أكثر استبداداً، وهناك كثير من المؤشرات التي تنبئ بذلك، فقد عملت طهران منذ العام 2012 على إنشاء "إنترنت حلال" منفصل عن شبكة الإنترنت العالمية، وفي العام الماضي أظهر النظام قدرته على قطع غالبية الأقاليم الإيرانية عن شبكة الإنترنت الدولية مع الاحتفاظ بإمكان الدخول على المواقع المحلية، ويمكن لإيران استخدام هذه القدرة لحظر خدمات الويب، مثل "غوغل" و"إنستغرام"، بمجرد ظهور أي شيء يمكن أن تكون له تداعيات أو انعكاسات سياسية داخل إيران.

ومن أبرز الأدلة على رغبة النظام في فرض مزيد من القيود، توجهه لتوسيع المراقبة المحلية، فقد اشترت السلطات 10 ملايين كاميرا تلفزيونية مغلقة جديدة من الصين، كما ناقش خامنئي خلال السنوات الأخيرة إحلال اللغة السائدة في الصين (الماندرين) محل اللغة الإنجليزية في المدارس الإيرانية، كوسيلة لعزل الأجيال الجديدة عن الثقافة الغربية، وقطع إمكان التأثير فيهم من الغرب، ومن المرجح أن تستمر الخطة إذا لم يكن لدى إيران نقص حاد في المعلمين الصينيين.

ضد مصالح أميركا

وفي الوقت نفسه، سيكون قادة الحرس الثوري الإيراني القدامى وأعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي، الذين طالما وجهوا كلمات قاسية لروحاني، سعداء بالتخلص منه، حتى يتمكنوا من متابعة أجندتهم من دون معارضة.

ومن المرجح أن يكون على رأس هذه الأجندة زيادة الضغط على الولايات المتحدة من خلال مهاجمة المصالح والقوات الأميركية في العراق، والتدخل في الانتخابات العراقية المقررة في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، والتشجيع على وقف إطلاق نار زائف في اليمن كغطاء للسماح للمتمردين الحوثيين بالسيطرة الفعلية على البلاد، كما كان الحال عام 2014، وتوسيع السيطرة السياسية على لبنان من خلال ما يسمى بالمساعدات الاقتصادية.

اتساع وسائل الفوضى

وإذا جرى التوافق على الاتفاق النووي الإيراني الذي تشير آخر التصريحات الرسمية إلى قرب حدوثه، وعادت الولايات المتحدة بموجبه إلى الاتفاق الذي انسحب منه الرئيس السابق دونالد ترمب منفرداً عام 2018، فسوف تتسع الوسائل المتاحة لدى إيران لإحداث الفوضى إذا استعادت القدرة على التعامل مع احتياطات النقد الأجنبي المجمدة التي تقدر بنحو 120 مليار دولار، فضلاً عن أن إيران ستجني مئات الملايين من الدولارات من عائدات النفط اليومية، مما سينعكس حتماً على تحسين أوضاعها الاقتصادية والعسكرية.

أكثر من ذلك أن النظام الجديد الأقرب للفوز والأكثر تشدداً في طهران، سيتمكن من تعزيز قدراته بشكل أكبر عام 2023، عندما ينتهي حظر الأمم المتحدة على تجارب الصواريخ الباليستية الإيرانية إلى جانب رفع مجموعة أخرى من العقوبات، وإنهاء تجميد تصدير تكنولوجيا الصواريخ المتقدمة إلى إيران.

وسيؤدي انتخاب رئيسي إلى تمكين الفصائل داخل إيران، والتي ترى في الثورة الإيرانية مهمة مستمرة تحتاج إلى تعزيز في الداخل والتوسع في الخارج، حتى لو لم يشارك رئيسي نفسه بنشاط في حملات مكافحة الإصلاح، ويبدو أنه سيفعل ذلك، فإنه على الأقل سيمكّن من تدمير المعارضة وإنشاء قفص حديدي سيصمد بعد إدارة بايدن وإدارة خامنئي نفسه.

ديكتاتورية شاملة

قد يكون من السابق لأوانه القول ما إذا كان رئيسي سيقتفى أثر خامنئي ليصبح المرشد الأعلى، ومع ذلك فإن رئيسي يحظى بدعم قوي واضح في المرحلة الحالية، وهو على استعداد لاسترضاء الفصائل القوية التي يمكن أن تسقطه إذا سار في طريق معاكس لمصلحتها، لكن القوة التي ينالها الآن ومستقبلاً تنذر بالسوء للإصلاحيين في إيران، الذين سيستمر إنهاكهم واستنزافهم من قبل السلطات الإيرانية التي ستصبح ديكتاتورية شاملة وستعاملهم بقسوة أكبر.

وعلى الرغم من أن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن لديها آمال محدودة في إمكان حدوث توافق مع النظام الإيراني، إلا أن إيران ستصبح، بحسب ما يتوقع بعض المراقبين في واشنطن، عدواً مخيفاً، وسيساعد رئيسي في أن تصبح إيران كذلك، بعد توفير الاتفاق النووي الإيراني كثيراً من الأموال والقدرات.

المزيد من تقارير