Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا تخبئ الأحياء الشعبية في تونس من أزمات اقتصادية؟

تضاعف عدد التحركات الاحتجاجية وسط ارتفاع أعداد المهاجرين إلى إيطاليا خلال أبريل الماضي

تتعامل السلطات التونسية مع الأحياء الشعبية المحيطة بالعاصمة من منطلق أمني (أ ف ب)

كشفت الاحتجاجات الأخيرة لعدد من الأحياء الشعبية في ضواحي تونس العاصمة عن فشل النموذج التنموي في البلاد وعجز السياسات الاقتصادية منذ عقد من الزمن عن إدماج سكانها في الدورة الاقتصادية وبقائها على هامش كل مقاربة اقتصادية واجتماعية.

المعالجة الوحيدة التي توختها الحكومات المتعاقبة كانت أمنية بحتة، وفق ما أجمع عليه الباحثون في علم الاجتماع في تونس، بحيث لم تأخذ في الاعتبار خصوصيات هذه الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية وطاقاتها الشبابية المهملة.

وتحيط بتونس العاصمة عشرات الأحياء العشوائية منذ ستينيات القرن الماضي إذ وُصم سكانها بالعنف والانحراف ورفضهم العمل، ما عمق الشعور بالإقصاء والتهميش لسكانها.

وعلى امتداد سنوات طويلة تجاهلت أو بالأحرى فشلت السياسات الاقتصادية والاجتماعية في جعل "العشوائيات" في صميم المقاربات التنموية بتأمين سياسة تعليمية تقطع مع الترسب منذ السنوات الأولى للدخول إلى مقاعد الدراسة وبخاصة ضمان فرص عمل للشباب، وفق ما يؤكد عليه مختصون في السياسات التنموية وباحثون اجتماعيون.

وعكست التحركات الاحتجاجية التي تعرفها منطقة سيدي حسين الشعبية (غرب العاصمة تونس) ذات الكثافة السكانية المرتفعة، غبن شباب هذه المنطقة بعد حادثة وفاة شاب في 8 يونيو (حزيران) الحالي من سكان الحي إثر توقيفه من الشرطة.

وتصاعدت وتيرة الاضطرابات خلال الأيام الماضية، حيث تظاهر عشرات من الشباب وأهالي عدد من الأحياء أمام وزارة الداخلية، حاملين لافتات ترفض ممارسات جهاز الشرطة التونسي، مطالبين بالعدالة والإنصاف وحقهم في العمل.

غياب إصلاحات اقتصادية جذرية 

ولئن يعتبر الانتقال الديمقراطي في تونس وانتخاباتها الحرة ودستورها الليبرالي الجديد نموذجاً بعد 2011 التي أسست لحرية تعبير غير مسبوقة في البلاد، فإنه خلال عشرة أعوام لم تطرأ إصلاحات جذرية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية تخرج البلاد من سلسلة الأزمات المتواترة التي أثرت على استقرارها السياسي.

ولم تفلح تونس في تحقيق نسب نمو كبيرة (تراوحت بين معدل 1 و2 في المئة في السنوات القليلة الماضية) من شأنها أن تكون طوق نجاة لمئات آلاف العاطلين عن العمل، لا سيما في الأحياء الشعبية.

وبلغت نسبة البطالة في الأشهر الثلاثة الأولى من هذه السنة 17.8 في المئة، وارتفعت في صفوف الشباب إلى 40.8 في المئة.

وذكر المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (منظمة مستقلة) في دراسة حديثة أن 60 في المئة من الشباب الذين استطلعت آراؤهم يشعرون بالتهميش والظلم، مرجعين ذلك إلى أن النخب السياسية لم تنجح في مواجهة الفساد وكرست سياسة الإفلات من العقاب وعدم المساواة أمام القانون وتجاوزت مسار العدالة الانتقالية.

وأشارت الدراسة التي شملت 800 شاب من أحياء شعبية مختلفة من العاصمة إلى أن 74 في المئة من الشباب يعتقدون أنهم مغيبون من الدولة وصوتهم غير مسموع، و80 في المئة منهم يعتقدون أن الدولة تهتم بالأغنياء أكثر من الفقراء وأن القانون لا يطبق على المواطنين بالكيفية نفسها.

صراعات سياسية لا تنتهي

مع اتساع رقعة الاحتجاجات في تونس، من المنتظر أن تشهد البلاد التي تواجه انكماشاً مهماً في ناتجها المحلي الإجمالي توسع دائرة الفقر والبطالة.

ويحذر محللون سياسيون تونسيون من أن الصراعات السياسية المتواصلة بين الرؤساء الثلاثة وعدم التوصل إلى توافق يخرج البلاد من أزماتها المتراكمة سيلقي بظلاله على الأوضاع الاجتماعية التي قاربت على الانفجار وتوسع دائرة العصيان في عدد من المناطق الداخلية الرافضة لجمود ساسة تونس وعجزهم عن إيجاد حلول لوضعياتهم المتردية.

بلد غير آمن

"تونس بلد غير آمن"، بهذه العبارات لخص عبد الرحمن الهذيلي الناشط الحقوقي ورئيس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ما آلت إليه الأوضاع في تونس بشأن سلسلة الجرائم والعنف البوليسي إزاء المواطنات والمواطنين.

وأبرز في تصريح لـ"اندبندنت عربية" أن هذه الممارسات ليست جديدة ولا هي انفلاتات فردية، بل تنضاف إلى قائمة طويلة من الجرائم التي ارتكبت أثناء الإيقاف أو في المراكز وانتهت في أغلبها بتحميل الضحايا المسؤولية.

وانتقد بشدة التواطؤ الرسمي والمؤسساتي الذي رافق هذه الجرائم وكرس الإفلات من العقاب وشجع على مزيد من الانتهاكات، مستغرباً في الآن نفسه الخطاب التبريري للعنف والقمع والتعذيب بوصم الضحايا بالمرض أو الإدمان أو غيره والذي تقدمه قوات الأمن ونقاباتها.

ويحمل الهذيلي المسؤولية للقوى والمؤسسات السياسية من رئاسة الجمهورية والحكومة والبرلمان والحزام السياسي للحكومة التي غضت النظر عن التجاوزات الأمنية، معتبراً أن استقالة رئيس الحكومة ووزير الداخلية بالنيابة هشام المشيشي أولوية نظراً لحجم الخسائر صحياً واقتصادياً واجتماعياً وحقوقياً التي تكبدتها تونس ومواطنيها منذ مباشرته لوظيفته.

تضاعف التحركات الاحتجاجية

وتضاعف عدد التحركات الاحتجاجية المرصودة في مايو (أيار) 2021 ليبلغ 1155 تحركاً، مقابل 516 فقط خلال مايو من العام الماضي و841 في أبريل (نيسان) 2020، وذلك وفق تقرير المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتأتي الاحتجاجات التلقائية، في المرتبة الأولى بنسبة 57 في المئة من جملة الاحتجاجات المسجلة خلال مايو 2021، مقابل 42.9 في المئة نسبة الاحتجاجات المنظمة، وهو ما يفسر حالة الاحتقان التي تتخبط بها فئات من المجتمع، حيث أصبحت آليات الاحتجاج تتجه أكثر فأكثر نحو العنف وغلق الطرقات.

وترى نجلاء عرفة، وهي باحثة في علم الاجتماع، أن غالبية التحركات جاءت في شكل اعتصامات، حيث سجل مايو الماضي نحو 577 يوم اعتصام، وهي آلية بدأ يعتمدھا الفاعلون الاجتماعيون لما تتسم به من بعد تنظيمي وما تفرضه من ضغط عال على الطرف الرسمي وديمومة تدفع نحو إجبارها على التفاعل مع المطالب المرفوعة.

وأشارت إلى أن أكثر من نصف التحركات الاحتجاجية التي شهدها مايو (55 في المئة) مطالبها اجتماعية أو اقتصادية، وشملت بالأساس قطاعات عمومية بنسبة 45 في المئة، مقابل 15 في المئة فقط للقطاع الخاص، فيما تتجه بقية المطالب بطريقة متقاربة بين القطاع البيئي والقطاع القانوني.

الهجرة غير النظامية

وفي ظل انسداد الأفق أمام مئات آلاف الشباب لا سيما المنحدرين من الأحياء الشعبية، أصبح الهروب من البلاد الملاذ الأخير لديهم عبر تنظيم رحلات في قوارب الموت أو ما يصطلح على تسميته بالعامية التونسية "الحرقة"، لاجتياز الحدود البحرية التونسية خلسة.

وبحسب إحصائيات المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بلغ عدد التونسيين الواصلين إلى إيطاليا عن طريق الهجرة غير النظامية منذ يناير (كانون الثاني) الماضي 1385 تونسياً.

وبلغ عدد المهاجرين التونسيين الواصلين إلى إيطاليا خلال أبريل الماضي 307 مهاجرين، في حين أحبطت السلطات التونسية 42 عملية اجتياز ومنعت 409 مهاجرين من الوصول إلى السواحل الإيطالية انطلاقاً من تونس.

وتعتبر الباحثة أن تنامي الهجرة غير النظامية في تونس عنوان بارز لفشل السياسات الاقتصادية في البلاد، الذي جعل حتى خريجي التعليم العالي يخططون لمغادرة البلاد خلسة بحثاً عن حلم آخر وواقع مغاير لوضعيتهم المادية الصعبة.

التركيز على المسائل الاجتماعية

وتعتقد عرفة أنه على الدولة عدم الاقتصار في دورها في الأحياء الشعبية على الحضور الأمني فقط، وإنما يجب أن يرتكز على تحقيق التنمية فيها، مبرزة أن هذه الأحياء تشكو من ارتفاع منسوب الجريمة فيها وتعاطي المخدرات وتفشي البطالة والفشل المدرسي وضعف نسب التحاق شبابها بمؤسسات التعليم العالي.

وتحدثت عن غياب مقاربة واضحة مع الوضعيات الشائكة في هذه الأحياء من قبل المنظومة الأمنية، حيث ينحصر تعاملها معها على التدخل السريع لحفظ النظام العام.

وتقول إنه من الضروري "العمل على المسائل الاجتماعية الجاذبة للجريمة وتحسين المنظومة الأمنية عبر إرساء أمن جمهوري تشاركي يؤسس لشرطة الجوار والتقليص قدر الإمكان من التجاوزات".

وتابعت في سياق تحليلها أن تغيير المقاربة الأمنية من شأنه أن يبعث الطمأنينة لدى سكانها. كما أن بعث المشاريع التنموية من شأنه أن يضفي مصداقية على حضور الدولة.

وخلصت إلى أهمية تحقيق جودة الحياة في هذه المناطق من خلال تحسين البنية التحتية والوضع البيئي وجودة الخدمات الإدارية.