Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نزف العملات الصعبة يعمق الأزمة الاقتصادية في تونس

الاستيراد يزيد تراجع المخزون المالي في ظل اتفاقات تجارية غير عادلة

يشهد الاقتصاد التونسي تراجعاً حاداً مع تداعيات كورونا ونقص العملات الصعبة (أ ف ب)

شهد عجز الميزان التجاري في تونس تقلصاً خلال شهر أبريل (نيسان) 2021، بنسبة 8.7 في المئة، إذ سجل ارتفاعاً في نسق الواردات بنسبة 13 في المئة، مقابل زيادة في الصادرات بنسبة 21.4 في المئة.
وبحسب بيانات المعهد التونسي للإحصاء، تراجع عجز الميزان التجاري إلى 4.42 مليار دينار (1.614 مليار دولار) خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2021، مقارنة بـ 4.84 مليار دينار (1.772 مليار دولار) في عام 2020، لكن ذلك لا يمنع تواصل العجز المزمن في الميزان التجاري، وفق المراقبين الذين يرون في التحسّن الظرفي المذكور انعكاساً لتراجع الحركة التجارية الجمليّة جراء أزمة "كوفيد-19". ويعود ذلك الى تصاعد حجم الواردات التي تنهك مخزون البلاد من العملة الصعبة، نتيجة تحول الاقتصاد التونسي خلال السنوات الأخيرة إلى اقتصاد مستهلك يعول على الاستيراد وغير منتج.

عجز تجاري

وبلغ حجم عجز الميزان التجاري في تونس - 11،2 مليار دينار (4.14 مليار دولار)، إلى حدود 31 مايو (أيار) الماضي، في مقابل 9.5 مليار دينار (3.51 مليار دولار) حتى 31 مايو 2020، و13.5 مليار دينار (5 مليارات دولار) حتى 31 مايو 2019.
ورأى الباحث الاقتصادي جمال العويديدي أن "المؤشرات السلبية لا ترتبط بالأزمة الصحية بل بالنظام الاقتصادي للبلاد، الذي كرس التوريد ولم يشجّع على الإنتاج والتصدير، مما أدى إلى تفاقم عجز الميزان التجاري في عام 2020 ليبلغ 23.7 مليار دينار (8.7 مليار دولار)".
وانتقد العويديدي "المنهجية المعتمدة لاحتساب هذا العجز والتي لا تأخذ بعين الاعتبار نتائج المعاملات التي تتم وفق النظامين، أي النظام العام الخاص بالمؤسسات المقيمة، ونظام التصدير الكلي المطبق على المؤسسات غير المقيمة والمصدرة كلياً".
وذكر أنه "على المستوى العالمي أوصى صندوق النقد الدولي بالاكتفاء بنتائج النظام العام لدى احتساب العجز التجاري، باعتبار أن المؤسسات المصدرة كلياً غير ملزمة بارجاع عائدات صادراتها إلى تونس، وبالتالي لا يؤثر ذلك في احتياطي البلاد من العملة الصعبة، في حين أن المؤسسات المقيمة في تونس مطالبة، وفق مجلة الصرف المعمول بها، بإرجاع عائدات الصادرات وتحويلها إلى البلاد بالعملة الصعبة، مما يؤثر بشكل مباشر في عائدات تلك العملة".
وانتقد العويديدي "اعتماد هذا الأسلوب من قبل السلطات في تونس لإخفاء العجز المستفحل في تغطية الصادرات للواردات، إذ أعلن المعهد الوطني للإحصاء عجزاً بقيمة 11،7 مليار دينار (4.3 مليار دولار) فقط لعام 2020، وبلغت نسبة تغطية الواردات بالصادرات 30.6 في المئة، أي أن 69 في المئة من الواردات لم تتم تغطيتها".

اتفاقات تجارية غير متكافئة
وسجلت تونس خلال شهري يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 2021، عجزاً تجارياً مع الصين بنحو 870 مليون دينار (322 مليون دولار) وتركيا بحوالي 392 مليون دينار (145 مليون دولار) إلى جانب روسيا بنحو 252 مليون دينار (93 مليون دولار) والجزائر بنحو 140 مليون دينار (51 مليون دولار) وايطاليا بنحو 87.7 مليون دينار (32.4 مليون دولار).
و"يبقى ارتفاع حجم الواردات من دول الاتحاد الأوروبي هو المؤسس للفارق والمكرس للعجز"، وفق جمال العويديدي، إذ يشمل المبادلات التجارية مع بلدان الاتحاد الأوروبي كل القطاعات ما عدا الفوسفات.
وتحولت العلاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي من مرحلة التبادل إلى التوريد والاستهلاك، فمنذ توقيع اتفاق التجارة الحرة عام 1995، والتي تلتها مرحلة سيطر عليها الاتجاه نحو استيراد السلع الجاهزة والاستغناء عن التصنيع والانتاج المحلي، وبالتالي تقهقر التصدير.

وبلغت نسبة العجز التجاري مع الاتحاد الأوروبي 50 في المئة عام 2020 من مجموع عجز الميزان التجاري، وهو ما يساوي 14 مليار دينار تونسي (5.18 مليار دولار)، في حين بلغ 5 مليارات دينار (1.85 مليار دولار) مع الصين، وملياري دينار (740 مليون دولار) مع تركيا.
تصحر صناعي

وشهدت تونس منذ توقيعها اتفاق التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي "تصحراً صناعياً" وفق تعبير العويديدي، إذ تحول الاقتصاد من منتج إلى مورّد بالأساس، ورافق ذلك اندثار مؤسسات صناعية وطنية ضخمة منتجة للسلع المخصصة للاستهلاك المحلي والتصدير على حد السواء، وتنوعت بين المواد الكهرومنزلية والصحية والمنزلية والأثاث والنسيج والجلود والأحذية، وأُغلقت آلاف المصانع وفُقدت آلاف الوظائف.

حجم استيراد السيارات خلال 3 أشهر

ورافق ذلك تخصيص عدد من الشركات، إذ ذكر جمال العويديدي أن شركات توريد السيارات وقعت في الخسارة  بعد الاستغناء عن الاتفاق المعمول به سابقاً، وهو اشتراط تصدير نسبة 50 في المئة من قيمة توريد السيارات من بلدان الاتحاد الأوروبي ومن قطع غيار محلية، ونتج من ذلك ارتفاع نسق توريد السيارات من أوروبا في مرحلة أولى ثم آسيا، وتم استيراد ما قيمته 944 مليون دينار (349 مليون دولار)  من السيارات في الثلاثية الأولى من عام 2021، في حين يبلغ الحجم السنوي لتوريد السيارات في تونس 1.7 مليار دينار (629.6 مليون دولار)، مما يشكّل نزفاً للعملة الصعبة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


مع تركيا في قطاع النسيج

وتتنوع السلع الموردة التي لا تُصنف أساسية في اتجاه معاكس لترشيد التوريد، مثل النسيج، ويتم استيراد ما قيمته 1.3 مليار دينار سنوياً (481 مليون دولار) من النسيج من تركيا، في مقابل تصدير بقيمة 132 مليون دينار (48.8 مليون دولار)، ويبلغ بذلك العجز مع تركيا في هذا القطاع مليار دينار (370 مليون دولار)، بينما يبلغ العجز على مستوى الجلود والأحذية 130 مليون دينار(48 مليون دولار)، وتأتي على رأس البلدان التي تورد تونس منها هذه السلع ايطاليا تليها الصين ثم تركيا.
اقتراض موجه للاستيراد

ويبقى الأخطر وفق الباحث الاقتصادي العويديدي أن 69 في المئة من واردات تونس لا تغطيها الصادرات، ولكن بالأحرى تتم تغطيتها بالقروض. وقدّم مثالاً على ذلك توريد السيارات، إذ يتم في أغلب الأحيان الاقتراض من البنك الأوروبي من أجل توريد سيارات من دول الاتحاد الأوروبي بواسطة مديري الشركات الأوروبية المصنعة للسيارات.
في المقابل، يتوجب سد العجز بالعملات الأجنبية، والحال أن تونس تمر بأزمة مالية تعجز فيها عن سداد ديونها الخارجية، "أما الحل الوحيد لنزف للعملة الصعبة فهو ترشيد التوريد والاقتصار على المواد الأساسية الضرورية، وهي السياسة التي لا تنتهجها الحكومات المتعاقبة في تونس"، وفق تعبير العويديدي.

حجم الواردات من الطاقة        

من جهة أخرى، اعتبر الباحث الاقتصادي غازي معلى أن "الإشكال يتمثل في الارتفاع المطرد في استهلاك الطاقة من غاز وبترول، مما رفع العجز في مجال الطاقة الذي بلغ حجمه 6 مليارات دينار (2.22 مليار دولار)، وهو مُنهك لمخزون العملة الصعبة ومؤثر في ميزان الدفوعات، وإن بدا حجم الواردات من السلع غير الضرورية مرتفعاً فإن ذلك لا يمثل المعضلة الحقيقية، بل يتحتم النظر في المنظومة الاقتصادية المكرسة بأكملها للتوريد في غياب الصناعة المحلية، وبالتالي انعدام تصدير الصناعات المحلية المدرة للعملة الصعبة، فقد تحول أغلب المصنعين إلى موردين بالأساس بعد توقيع اتفاقات للتجارة الحرة بين تونس وبلدان عدة، حيث استسهلوا توريد السلع الجاهزة المعفاة من الرسوم الجمركية من الاتحاد الأوروبي بنسبة 100 في المئة، في حين يتم إعفاء جملة من السلع التركية من الرسوم منذ توقيع الاتفاق التجاري مع تركيا عام 2005، الأمر الذي أدى إلى إغراق السوق التونسية بالسلع الموردة من هذه البلدان".
مراجعة الاتفاقات غير العادلة

كذلك دعا معلى إلى "مراجعة الاتفاقات التجارية الموقعة بين تونس وهذه البلدان، وضرورة تحلي الجانب التونسي بالقدرة على التفاوض فيها، لتتحول إلى اتفاقات عادلة ترتكز على التبادل التجاري وغير معتمدة على التوريد من جهة وحيدة، كما يتحتم التأسيس للاقتصاد المنتج غير المعتمد على التوريد المستنزف للعملة الصعبة وحسب، والعمل على استعادة الصناعة التونسية لمكانتها والحد من التفقير الذي تعرضت إليه".