Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

معرض باريسي يحتفي بريادة الرسام السوري  فاتح المدرّس 

الفيلسوف الفرنسي سارتر اقتنى ثلاثاً من لوحاته ووصفها بأنها تدمج العالم في الحلم

فاتح المدرس في مرسمه الدمشقي (الخدمة الإعلامية للمعرض)

بدأ المعرض الذي نظمته غاليري روان سان لوران في باريس للرسام السوري فاتح المدرس (1922- 1999) بتحية إلى هذا الرسام الرائد في الفن التشكيلي السوري والعربي، وقد أعاده المعرض إلى الواجهة، لا سيما بعد الحرب التي عصفت بالبلاد ودمرت ما دمرت من مدنها وأحيائها، وجرفت كثيراً من الضحايا وهجّرت الملايين من المواطنين. ضمّ المعرض مجموعة من اللوحات التي تملكها زوجة الرسام شكران مدرس، وهي تقدم صورة شاملة عن فن هذا الرائد.

من المعروف أن فاتح المدرّس جسّد مسيرة فنية حافلة من إعادة صياغة ذهنية جديدة في الفن التشكيلي السوري خصوصاً والعربي عموماً، مصدّراً أعماله كنهج لحداثة مبكرة حتى على أقرانه ورفاق دربه، وذلك عبر أعمال عكست تطور تجربة هذا التشكيلي الرائد منذ خمسينيات القرن الفائت، وحتى رحيله قبل عام من نهاية الألفية الثانية، لا سيما بعد عودته من أكاديميتي روما و"البوزار" في باريس أواسط الستينيات، ليترأس حال عودته إلى بلاده قسم الدراسات العليا في كلية الفنون الجميلة في دمشق.

هذا الفنان الذي قيل عنه من فرط حساسيته بأنه كان يجتذب الفراشات إلى يديه بسحر ساحر، طارحاً بعضاً من فلسفته الشخصية عن لوحة أبعد من إطارها، وأعمق من حصرها في كوادر تحدها، متأثراً أيما تأثر بسماء الشمال السوري وسهوبه (قرية حريتا- شمال حلب) والطبيعة الشاسعة، التي تبدت ظلالها وأضواؤها في أعماله الأولى التي حققها بتقنية الريشة العريضة، والتي كان أشهرها لوحة "خاتم الخطوبة"- (1952).

الذاكرة البعيدة

استطاع المدرّس إجراء ما يشبه ترجمة لونية فورية لذاكرته البعيدة بعد مقتل أبيه وهو لا يزال طفلاً، مستلهماً من هذه الحادثة اشتغاله على البيئة القروية، والتي جاءت كتعبيرية صادمة عن المجتمع الزراعي السوري. تلك النزعة التعبيرية وضعته في واجهة الحياة التشكيلية في المنطقة العربية والعالم، وجعلته قريباً من رواد تيار الوجودية، وعلى رأسهم جان بول سارتر (1905- 1980) الذي اقتنى له ثلاث لوحات، وأقام في مرسمه في روما لمدة أسبوع، منشداً إلى ما وصفه سارتر بـ "التجريد الرصين، والمزاوجة بين الطبيعة والعالم كما يُشاهد في الحلم" في لوحاته.

وإضافة إلى حضور الغرابة والصمت في أعمال هذا الفنان، وتجربته التي نهل منها كثيرون، مستلهمين قدرته على خلخلة المفاهيم السائدة، كان اشتغاله المضني على سطح اللوحة وهندستها الصارمة ومزاوجته بين الواقعي والرمزي والأسطوري، بما جعل أعماله تؤسس لطليعة من الفنانين الذين اهتدوا بتعاليمه وجرأته الفنية، ودفاعه المستميت عن حق الفنان في التجريب، والذهاب إلى أقصى مدى في لوحة ذات أبعاد مختلفة.

تماماً مثل هوايته في العزف على آلة البيانو، وكان المدرّس يزاولها ارتجالاً في مرسمه (ساحة النجمة - دمشق). وهو المكان الذي كان بمثابة ملتقى يومي لفنانين ومثقفين وكتّاب وصحافيين. هذا "المرسم" الذي تحول اليوم إلى غاليري يحمل اسمه، كان ملاذاً لعشرات من المهتمين والمتابعين، ومنتدى فنياً وفكرياً أشاع من خلاله المدرّس نظرياته ومفاهيمه عن التجريب والحداثة، مخلّفاً أثراً خاصاً في ما يتعلق بتعبيره عن الظروف المأساوية للإنسان السوري، وما يتصل بها من كفاح سياسي واجتماعي، لتكون أعماله بمثابة احتجاج على الواقع القائم، وعلى العسف والظلم والتهميش. ولعل أبرز أعماله في هذا السياق هي لوحات "الشهيد"، "المسيح يعود إلى الناصرة"، و"المسيح وكلب طروادة"، و"الآلهة والوحش"، و"النازحة والشهود"، و"أطفال حرب لبنان"، و"الطلقة والشاهد"، و"حيل الوحش"، و"اللاجئون"، و"البراق يعود إلى القدس" وغيرها.

قيمة هذا الحضور الفني الكبير دفعت كلاً من المخرجين عمر أميرلاي وأسامة محمد ومحمد ملص لتحقيق فيلم وثائقي عن هذا الرسّام، وجاء بعنوان "المدرّس" 1995. وفي هذا الشريط الذي أنتجه معهد العالم العربي في باريس تناول المخرجون الثلاثة أهم المحطات في حياة "الفنان المعلّم"، وجدلية الآراء التي ناقشها مع مخرجيه على مدى 50 دقيقة من زمن الشريط الذي بقي شاهداً على تجربة هذا التشكيلي الرائد على المستوى الجمالي، والقيم اللونية وفلسفة التصوير المعاصرة التي أبدعها.

تأتي خصوصية اللوحة التي عمل عليها المدرّس بحجبه عن الإدراك، سيرة اللوحة التي كانت قد ترسخت في أذهان المتلقي، مبتعداً من التسجيلية والواقعية المباشرة، وليُحل محلها وقائع بصرية جديدة على صلة بطفولته الشقية، فالحرية لديه كانت هي النداء الذي ينبعث من لوحاته، والتحرر من الطبيعة، وسيطرة الإنسان على الإنسان، وسيطرة التقاليد والقوانين، فهو كان يطالب دائماً بالقضاء على الفقر والخوف، وذلك لتحكمهما بمصير الإبداع العربي ومناخات التعبير الإيجابية، ولهذا كان رحيله مع نهاية القرن الـ 20 دخولاً للفن السوري والعربي في كسوف شديد التأثير على لغة الفن نفسه، وتعلميه ومحتواه.

رؤية شاملة

المدرّس هذا العالم وهو يرى بعين الحقيقة أن لا شيء يبقى ثابتاً في مكانه، وأن ما كان يدعو إليه منتصف القرن الـ 20 بات تقليدياً في حكم لغة الفن نهايات القرن الـ 20، مما دفعه بأن ينادي بقدرة الفن على التبدل وفق الظروف المستجدة، واستبدال الدلالات والرموز والمعاني تبعاً للتغيرات التي تعصف بالعالم، وهذا ليس غريباً على رؤيته الشاملة للكون والإنسان، والتي عمل على تجسيدها في اشتغالاته الكثيفة على الرُقم والأحجار والوجوه والأشجار والأزياء والعمارة الريفية، وتلك المساحة الشطرنجية التي كان يوزع عليها كائناته، مقتبساً سيرة عميقة للأسلاف القدامى عبر إضاءات وتوشيحات لونية ماهرة، وقدرة قوية على تقديم الوجه الإنساني كظاهرة وكدلالة وقيمة تشكيلية يتجاوز فيها التشخيص المرئي إلى اللامرئي.

وما زال قسم الفن الحديث في متحف دمشق يحتفظ للمدرّس بـ 30 لوحة من أعماله، والتي تم إنقاذها من السرقة والتزوير الذي شمل عدداً من أعماله ليعاد ترميم بعضها، وهي تشير إلى تخطيه عدداً من مجايليه من أمثال محمود حماد ونصير شورى وميشال كرشة، إذ إن أعمال هؤلاء اقتصرت في الخمسينيات والستينيات من القرن الفائت على تصوير الطبيعة الصامتة ورسم مناظر الورد والعمارة التراثية، فيما كان فاتح يعمل باكراً عبر لوحاته من قبيل "كفر جنة" و"العذراء والطفل الإلهي" و"نهر قويق"، على أشكال تعبيرية تجريدية جسدت أبعاد حداثتها بتحوير الواقع السوري، وتكرّست جدتها وفرادتها من استيحاء أساطير المنطقة التي أعاد صياغة نباتاتها وكائناتها ببراعة عالية، لتتوضح فيها ملكات الفنان الغرافيكية، ومهاراته في ترسيخ هوية بصرية جديدة في المشهد الفني السوري، بعيداً من الواقعية التسجيلية والنزعة التزيينية والتعبئة الأيديولوجية، خصوصاً مع ظهور حركات الكفاح المسلح في المنطقة وبزوغ الأحزاب القومية، وصيحاتها الشعاراتية في الملصق واللوحة المسندية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المدرس استرشد بموهبته وفطرته ومعرفته السباقة التي تبدت في أربعينيات القرن العشرين، بنشره أولى أشعاره الغريبة المنابت بعنوان "الأميرة" في مجلة "القيثارة" التي كانت تصدر في اللاذقية، وكان ينشر فيها مقطوعاته إلى جانب أدونيس وأورخان ميسر وخير الدين الأسدي، وذلك في الفترة التي سبقت ظهور موجة شعراء قصيدة النثر في العالم العربي، فهو كان شاعراً وأديباً إلى جانب كونه موسيقياً ورسّاماً، وقد صدرت له مجموعة قصصية قدم لها الأديب الراحل سعيد حورانية، وكانت بعنوان "عود النعناع"، وتحولت فيما بعد إلى فيلم روائي بتوقع المخرج بلال صابوني، إضافة إلى إصداره مجموعتين شعريتين هما "القمر الشرقي يسطع على شاطئ الغرب" 1959 بالاشتراك مع الشاعر والمسرحي شريف خزندار، والثانية كانت أواخر الثمانينيات بعنوان "زمن اللاشيء" بالاشتراك مع صديقه الشاعر الراحل حسين راجي.

تميز المدرّس بآرائه الشديدة الخصوصية عن الفن والحياة والجمال والمرأة والسلطة والخوف، ومنها قوله، "الفنانون الذين يهرولون إلى مراسمهم ويعملون كما يعمل النجار أو الحداد أو السياسي المرتزق، وقد تسلحوا بالمناشير والمطارق، لا ينتمون إلا للزبد الفكري، هؤلاء يقولون عن أعمالي أنها متشابهة وقد صدقتهم، وعندما بحثتُ عن جوانب التشابه لم أجد سنتمترين مربعين في لوحة تشبه أي سنتمترين مربعين في لوحة أخرى، لأنني أعتمد كثيراً على التجاور اللوني، وقوة الخط الغرافيكي للوصول إلى التعبير المنشود".

المزيد من ثقافة