Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماريا ستيبانوفا تثير سجالا في روسيا بعد بروزها في بوكر العالمية

أسئلة عن مبررات نجاحها أوروبيا واتهامها بأن لا علاقة لها بالأدب الأصيل

الكاتبة الروسية ماريا ستيبانوفنا المثيرة للجدل (بوكر العالمية)

الكاتبة والشاعرة الروسية ماريا ستيبانوفا برزت في الساحة الأدبية العالمية في توقيت بالغ الحرج يشهد العديد من "المبارزات الكلامية"، ومنها ما قد يبدو على صلة بعنوان الرواية واسم الكاتبة. وكانت ستيبانوفا اختيرت ضمن الفائزين في القائمة القصيرة لجائزة "البوكر" الدولية، بروايتها التي اختارت لها عنوان "تخليداً للذكرى" أو في صيغة أخرى "في ذاكرة الذاكرة" وهو العنوان الذي حملته ترجمة روايتها إلى الإنجليزية والفرنسية. ولجت ماريا ستيبانوفا أبواب العالمية، لتكون الأولى بين أبناء جيلها التي تحظى بمثل هذا الشرف، وإن سبقها من قبل إلى القائمة الطويلة اثنان من الأدباء الروس وهما فلاديمير سوروكين ولودميلا أوليتسكايا.

وكانت اللجنة المنظمة لهذه الجائزة العالمية التي يعود تاريخ تأسيسها في بريطانيا إلى عام 2005، اختارتها مع خمسة آخرين من القائمة الطويلة لهذه الجائزة العالمية التي تمنح في مجال الأدب، والتي كانت تضم 125 اسماً من الروائيين من مختلف بلدان العالم. أما عن أسماء الفائزين في اختيارهم للقائمة القصيرة فهم إلى جانب ماريا ستيبانوفا، دافيد ديول من فرنسا، عن روايته "في الليل تغدو كل الدماء سوداء"، وماريانا انريكس من الأرجنتين عن رواية "أخطار التدخين في الفراش"، وبنجامين لاباتوت من إسبانيا عن رواية "عند ما توقفنا عن أن نفهم العالم"، وأولغا رافن من الدنمارك عن "الموظفون"، وأريك فيويار من فرنسا عن "حرب الفقراء".

على أن الكاتبة كانت حظيت بكتابها "تخليداً للذكرى" قبل ذلك، ورغم ما تناثر حولها من "سهام النقد"، بتقدير الأوساط الأدبية داخل روسيا، فيما جرت ترجمة هذا الكتاب إلى عدة لغات أجنبية، منها اللغة الصينية، إلى جانب فوزها بجائزة "الكتاب الكبير" وهي إحدى أهم الجوائز الأدبية التي يجرى منحها في روسيا، إضافة إلى جوائز أدبية أخرى في أعوام 2005، و2006، و2009، و2018. 

أهوال الحرب

ولعل ما اختارته ستيبانوفا من كلمات عنوانا لهذا الكتاب، يبدو كافياً ليعكس مضمونه، بما يحتويه من تسجيل لسير أقرب إلى الذاتية. لكن ما أوجزته الكاتبة البريطانية لوسي هيوز رئيسة لجنة التحكيم في حيثيات الفوز بهذه المكانة الرفيعة يقول، إن لما كتبته ستيبانوفا دلالات أخرى، أشارت إليها هيوز بقولها إن هذا العمل "مؤثر ومفعم بالشجن والحيوية، يتأرجح بين فنون "كتابة التاريخ والذكريات والمقال والأدب". وذلك يدفع إلى القول بصحة ما يتضمنه هذا الكتاب من "تراكيب ومضامين" تحمل ستيبانوفا لتكون على مقربة من سفيتلانا الكسييفيتش التي فاجأت العالم وهي الكاتبة الصحافية البيلاروسية التي تكتب بالروسية، بفوزها بجائزة "نوبل" للأدب لعام 2015، عن روايتها "ليس للحرب وجه أنثوي" التي صدرت في عام 1985، وكانت انعكاساً لمجمل حوارات أجرتها حول حياة الملايين من النساء اللاتي شاركن وتحملن وطأة وأهوال الحرب العالمية الثانية.

ورغم أن أحداً لم يكشف بعد عن ذلك صراحة، فقد جاءت تصريحات رئيسة لجنة تحكيم الجائزة، لتميط اللثام عن كثير من توجهات الأوساط السياسية والأدبية العالمية صوب الاهتمام برموز مواطني شرق أوروبا، وبما يقول بتكرار محاولات "خلط الأدب بالسياسة"، أو بقول آخر "تسييس الجوائز الأدبية"، مثلما سبق وفعلت اللجنة المنظمة لجائزة "نوبل" باختيار عدد من رموز المنشقين السوفيات لمنحهم هذه الجائزة. ومن هؤلاء ايفان بونين الأديب السوفياتي الذي اختار المهجر موطناً، وبوريس باسترناك في عام 1958 عن روايته "دكتور جيفاغو" ذات التوجهات الانتقادية، والشاعر اليهودى الأصل يوسف برودسكي في نهاية سبعينيات القرن الماضي، ذروة سنوات الحملة المناهضة للاتحاد السوفياتي بسبب حظر هجرة اليهود السوفيات. وذلك ما اعترفت به ماريا ستيبانوفا ضمناً، في حديثها إلى التلفزيون الألماني بقولها:

"إن "تسييس الذاكرة" هو المرحلة الثانية بعد الأولى التي تتمثل في حقيقة أن الماضي أصبح فجأة مهماً للغاية بالنسبة لنا جميعاً. وهذه ظاهرة جديدة نسبياً. ومضت ستيبانوفا إلى ما هو أبعد، حين راحت تطرح مختلف التفاسير لاتخاذ الماضي منطلقاً للحديث عن المستقبل، بقولها إن الماضي في سنوات ما بعد الحرب، صار يشغل في أذهان البشر مساحة هائلة، وثقلاً نوعياً يفرض نفسه على الحاضر، بما يمكن أن نفهم منه أنها تريد الانطلاق في كتابها من اعتبار الماضي معياراً أساسياً يجب الرجوع إليه لتحديد ملامح المستقبل. وهو ما عادت لتشير إليه بصراحة بقولها: "إن الشخص الذي يمتلك النسخة الرسمية الصحيحة للماضي، يمتلك العالم أيضاً. وليس من قبيل المصادفة أن جميع البرامج السياسية، المرتبطة بطريقة أو بأخرى بالتحول الصحيح في السنوات الأخيرة، تستغل صور أو مخططات الماضي. على الرغم من أن الماضي غالباً ما يكون في الوقت نفسه، وهمياً".

عائلة يهودية

ومن هنا يمكن اعتبار اختيار ماريا ستيبانوفا خطوة على الطريق ذاته، وهو ما يمكن استنتاجه من حيثيات منحها شرف الانضمام إلى القائمة القصيرة لمثل هذه الجائزة العالمية. وفي هذا الصدد قالت لوسي هيوز رئيسة لجنة التحكيم "إن كتاب ستيبانوفا، وليس "رواية" ستيبانوفا: "كتاب كبير، واقعي في جوهره. إنه متفرد جداً. إنه مثل أحد تلك الكتب التي يكتب فيها المؤلف عن كيفية تأليف مثل هذا الكتاب. إنه كذلك، وإن كان يبدو أيضاً أشبه برحلة إلى أعماق الذاكرة، بعيداً بين ثنايا تاريخ عائلة ستيبانوفا".

وأضافت رئيسة لجنة التحكيم أن "كتاب ستيبانوفا" لا يعكس كثيراً من الدراما، بما يعني أنه استعراض لمفردات حياة عائلة يهودية، من خلال الذات بتصوير ما عاشته العائلة من أهوال الحرب العالمية الأولى، وما تلتها من سنوات الحرب الأهلية. ومع ذلك لا يمكن للمرء إلا أن يتوقف عند ما قالته هيوز حول "نجاة عائلة ستيبانوفا من حملات التطهير والملاحقات الستالينية، وأهوال "الهولوكوست (المحرقة اليهودية)".

ومن جانبه اعترف ديميتري باك مدير "متحف الدولة لتاريخ الأدب الروسي"، في تصريحاته لوكالة "تاس"، التي نقلتها "روسيسكايا جازيتا" (الجريدة الروسية) الرسمية، حول أن: "خبر اختيار ستيبانوفا أصابه بالذهول، ليس لأن هناك في الأدب الروسي ما يمكن أن يكون غير مناسب، وأنها لا ترقى إلى مستوى المعايير العالمية، بقدر دهشته مما صار يهيمن على عالم الأدب في العقود الأخيرة من توجهات نمطية لا علاقة لها مع الخصائص الأصلية للنثر الروسي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وليس ثمة شك في أن ذلك كله ينسحب وكما أشرنا سابقاً، على كتاب "تخليداً للذكرى" لماريا ستيبانوفا الذي صدر في عام 2017، وعلى مجمل إنتاج الكسييفيتش البيلاروسية الأوكرانية الروسية الأصول التي منحتها اللجنة المنظمة لجوائز "نوبل" جائزة الأدب، عن عام 2015 أي بعد اندلاع الأزمة الأوكرانية في عام 2014. وهو تاريخ يجمع ما بين هذين العملين "الإبداعيين" بغض النظر عن مدى اتفاقهما مع المعايير الأدبية التي طالما درج عليها الأدباء السوفيات والروس، سواء المعاصرون منهم أو الأسلاف ممن لا يزال العالم يتغنى بروائعهم. غير أن ما يموج به العالم الجديد من متغيرات، والأوساط الأدبية ليست بمعزل عن هذا العالم، يمكن أن يكون تفسيراً لتلك الأساليب الأدبية الجديدة، بما تتسم به من خلط متعمد بين الأدب، و"المقال" الصحافي، وفن كتابة المذكرات والذكريات، والتقارير الوثائقية التاريخية. كما أن ما ظهر من تعليقات على اختيار ستيبانوفا ضمن القائمة القصيرة لجائزة "بوكر" العالمية، إلى جانب ترجمة هذا العمل "الإبداعي" إلى كل اللغات الأوروبية تقريباً، يمكن أن يكون وبحسب تصريحات ستيبانوفا إلى موقع "غازيتا. رو"، "إنجازاً ونجاحاً لمؤلفة تكتب باللغة الروسية".

ويبقي أن نقول إن "كتاب-رواية" ستيبانوفا يبدو تأكيداً على استمرارية ما يمكن أن نسميه "ظاهرة انتشار الأدب النسائي الصادر بالروسية"، بعد العديد من التجارب السابقة التي حظيت باعتراف عالمي، ومنها سفيتلانا الكسييفيتش البيلاروسية التي تكتب بالروسية، بجائزة نوبل للآداب، وإن تحولت في الآونة الأخيرة إلى ناشطة سياسية أكثر منها كاتبة صحافية. وهي الشاعرة التي اختارت النثر، السبيل الأقصر لنشر ذكريات العائلة اليهودية وأهوال "الهولوكوست". وثمة ما يشير إلى أن التجربة الأخيرة لماريا ستيبانوفا تعني بين طياتها تعمد ولوج عالم السياسة في الحاضر، من خلال ذكريات الماضي، لتنفيذ أهداف مستقبلية كشفت عنها في حديثها إلى التلفزيون الألماني بقولها: "إنها كثيراً ما تقول إن الشاعر المعاصر مولع بالبحث والاستقصاء، وإن ما ينسجه الشعر من نثر يأتي في السياق ذاته".

ومن هنا فإن "ذاكرة الذاكرة" للكاتبة الروسية ماريا ستيبانوفا هي دراسة لأهم الظواهر الإنسانية. ومن هذا المنظور تحديداً، يجب قراءة هذا "العمل الأدبي"، رغم كل ما يتسم به من ذاتية مفرطة تستمد أصولها من تاريخ الأسلاف، ممن نجحت ماريا ستيبانوفا في حينه في سرد مفردات حياتهم ونشاطهم من خلال "ذاكرة الذكريات".

المزيد من ثقافة