Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

توماس وولف عملاق أمضى حياته القصيرة لا يكتب سوى سيرته

"انظر صوب البيت أيها الملاك" صفحات كتبت على سطح برّاد

فيرث كولين وجود لو في مشهد من فيلم "عبقري" (موقع الفيلم)

ليس من عادة الأفلام التي تتحدث عن سِير الأدباء أن تكون أعمالاً فنية كبيرة على العكس من تلك التي تتناول سير الرسامين أو الموسيقيين أو حتى أهل السينما، فالبعد البصري في سير الأدباء غالباً ما يكون فقيراً، مما يستعاض عنه عادة بثرثرات لا تنتهي ومواقف سيكولوجية لا تروي غليلاً، ومن هنا حين يعلم المرء عن عرض فيلم يتناول حياة واحد من الكتاب يتردد وهو يرى سلفاً أن قراءة تلك السيرة في كتاب ربما تكون أكثر جدوى، ومع ذلك حدث مع فيلم حقق قبل سنوات بعنوان "عبقري"، أن بدّل الصورة حتى وإن لم يكن الفيلم في حد ذاته عملاً فنياً كبيراً، بل مجرد ترجمة نزيهة ليس لحياة الأديب المعني هنا، وهو الأميركي توماس وولف، بل للسنوات الأخيرة من حياته القصيرة التي ارتبط فيها بناشره ماكسيميليان بيركنز وتحديداً لدى صدور كتابيه الأشهر "انظر صوب البيت أيها الملاك" (1929) و"عن الزمن والنهر" (1935) وهذا الأخير في السنة نفسها التي رحل فيها وولف عن عالمنا شاباً فريسة المرض وصخب الحياة، ومنذ البداية لا بد من الإشارة إلى أن صفة عبقري في عنوان الفيلم قد لا تشير إلى وولف بقدر ما تشير إلى الناشر نفسه،

إنجليزيان كبيران يتجابهان

ففي سيرة الروائي أن ناشره لدى دار سكبنرز الشهيرة والذي كان مكتشفه في الوقت الذي كان يكتشف فيه بعضاً من كبار الأدباء الأميركيين، من طينة إرنست همنغواي وسكوت فيتزجيرالد، كان له الفضل الأكبر في وصول نصوصه أنيقة منقحة إلى القراء، وهو أمر لطالما أُشيع من حول كتب وولف بحيث بات مادة للتفكّه والسجال، ومن هنا كان من الطبيعي أن يُفتتح فيلم "عبقري" بمشهد يرينا الناشر نفسه، ويقوم بالدور بكل أناقة الممثل الإنجليزي كولن فيرث، يقابله في دور وولف مواطنه جود لو في واحد من أقوى أدواره هو الآخر، ولعل كل ما في الفيلم من فضائل يكمن في تلك المجابهة المزدوجة، من ناحية بين الكاتب وناشره، ومن ناحية ثانية بين ممثلين إنجليزيين كبيرين يتنافسان هنا على أداء دورين أميركيين مدهشين، يعودان إلى النصف الأول من سنوات الـ 30، والحقيقة أنه لا بد لنا هنا من أن نترك الفيلم لحاله ولنقاط ضعفه التي عوّض عليها الممثليْن لنعود إلى الحكاية نفسها في إطارها التاريخي الحقيقي.

حكاية عائلية

هي هنا حكاية العلاقة الصاعدة والهابطة بين وولف وبيركنز حكاية معروفة ومتداولة في التاريخ الأدبي الأميركي، وكانت إلى حد كبير حكاية عائلية تروى لنا هنا من خلال ولادة صداقة وولادة كتاب كما من خلال رصد للجنون الخلاق الذي انتاب وولف خلال السنوات الخمس الأخيرة من حياته، في وقت كانت علامات الورم السرطاني في رأسه في بداياتها، وشهرته تنطلق لتعم من خلال ثلاثة أو أربعة كتب يجمع بينها كونها لا تهتم إلا برواية سيرته، ولعل الكتاب الأجمل والأقوى من بينها هو "انظر صوب البيت أيها الملاك!" ذو العنوان البديع المقتبس من إحدى قصائد جون ميلتون، وتقول لنا الحكاية أن بيركنز تلقى في بريده ذات يوم أكثر من 2000 صفحة مخطوطة وغير مرقمة، بالكاد تمكّن من قراءة بعضها، لكن ذلك البعض اليسير كان كافياً للناشر كي يدرك أنه أمام موهبة مدهشة، أمام جنون خلاق يريد أن يحكي ويحاكي الحياة من خلال سيرة فتى ليس ثمة شك في أنه قناع للكاتب نفسه، وطبعاً لم يشأ الناشر المولع بالاكتشاف أن يترك تلك الفرصة الذهبية تفلت من يده فراح وحتى من قبل مقابلة الكاتب يحاول ترتيب الصفحات في عمل اشتغل عليه أسابيع طويلة في البداية وحده، ثم مع الكاتب نفسه مرتبطاً معه بتلك الصداقة التناحرية التي ستكاد تجعل منهما شخصاً واحداً.

بين ابن وأبيه

بل إن بيركنز "سيتبنى" وولف تماماً ويدخله إلى بيته ويعرفه إلى بناته وزوجته كما سيرعى علاقته بسيدة ثرية تؤمن بموهبته إلى آخر ما هنالك من أحداث تتتابع واعترافات حياتية متبادلة بين شخصين لكل منهما أساطيره الخاصة وأحلامه المجهضة وواقعه المتفاوت بين لحظات ألم ولحظات أمل، ومن هنا تصبح الحكاية بين الناشر والكاتب حكاية صداقة وصراعات بين أنانيين بل حتى حكاية أقرب إلى حكايات البنوة والأبوة، حين يصبح كل من الاثنين نوعاً من كرسيّ اعتراف بالنسبة إلى الثاني، ولنقل هنا أيضاً أنه كان ثمة بين الاثنين نوع من التبادل بين جنون واحد منهما (توماس وولف) وعقلانية الثاني (بيركنز) تبادل يدفع إلى سعي خفي من جانب كل واحد منهما كي يكون محل الآخر، لكن هذا مستحيل، مما يفاقم "جنون" الكاتب ويزيد من عقلانية الناشر، ولسوف ينتهي ذلك كله ذات يوم من عام 1938، حين يقضي المرض على توماس وولف وهو في الـ 38، وهو العملاق الذي كان يبدو صحيح الجسم متوتر السلوك لا أكثر، ويبقى من بعده ناشره أميناً لذكراه يقول لمن يحب أن يسأله أنه ليس هو "العبقري" الحقيقي كما تقول الشائعات التي تزعم أن قلمه اشتغل كثيراً على نصوص الكاتب، بل إن توماس وولف هو ذلك العبقري الذي لم يسعفه الوقت ليكتب أكثر من نصف دزينة من نصوص بقي نصفها من دون نشر عند رحيله فنشرت بعد ذلك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حكاية الفتى غانت

كما أشرنا سابقاً، كان معظم نصوص توماس وولف نصوصاً مسكونة بحكاية حياته تحت اسم مستعار هو يوجين غانت الذي لا تطالعنا من حياته في الرواية الأولى، "انظر صوب البيت أيها الملاك"، سوى السنوات التسع الأولى مع تخصيص نحو خُمس الرواية لسرد سيرة والدي يوجين وكيف تعارفا وتحابا وتزوجا، وكل تلك الحكاية تدور في بلدة وهمية تدعى آتوامونت كاتوابا، التي تحل هنا محل بلدة توماس مور الحقيقية آيشفيل بولاية كارولاينا الشمالية، بيد أن القارئ لن يعجز أبداً عن وضع الأسماء الحقيقية على الأماكن والأشخاص هنا، وليس فقط في هذه الرواية التي أعطاها الكاتب عنواناً ثانوياً هو "حكاية حياة مدفونة"، بل كذلك في تاليتها "عن الزمن والنهر" التي تتابع حياة يوجين نفسه تحت عنوان ثانوي أيضاً هو، "حكاية جوع رجل إلى طفولته" وفيها نتابع حياة يوجين، ولكن هذه المرة في شبابه الباكر وانتقاله إلى الدراسة الجامعية في هارفارد ومن ثم إلى نيويورك سيتي حيث سيدرّس اللغة الإنجليزية، والحقيقة أن وولف سيكتب جزءاً ثالثاً من تلك السيرة نفسها تحت عنوان، "نهر الفتى الصالح" كان يشكل في الأصل جزءاً من "عن النهر والزمن"، لكنه فصلهما بحيث أن هذا الجزء صدر بعد رحيل الكاتب، ليتبيّن أنه كان محقاً في ما فعله، إذ إن يوجين يختفي من هذا النص الذي يركز على حكاية غرام تدور بين صديق ليوجين رأيناه في الجزء الثاني وتلك التي ستصبح امرأته،

تيار وعي فوق براد

مهما يكن نبقى هنا في إطار ما عاشه توماس وولف وما عايشه حقاً حتى في كتبه التي سوف تنشر بعد رحيله، وهي كثيرة وضخمة جميعها، ومن الواضح أن إنجازها احتاج من وولف جهداً جسدياً مدهشاً، وهو الذي تقول حكايته أنه كان عملاقاً يعجز عن العثور على طاولة ومقعد يكفيانه للجلوس براحة حين يكون منصرفاً إلى الكتابة، فيكتب واقفاً أمام براده (ثلاجته)، وقد وضع كوم أوراقه على سطح البراد، وراح يرمي كيفما اتفق كل صفحة ينجزها، ثم يحاول جمع ذلك كله لإرساله إلى ناشره الذي سيجهد طوال أسابيع وربما طوال شهور كي ينسق الأوراق ومن ثم ينشرها، ما أمّن لتوماس وولف مقروئية رائعة ستتواصل بعد مماته، بفضل عدد لا بأس به من كتب صارت مع الوقت مَعلما من معالم الأدب الأميركي.

المزيد من ثقافة