Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

يمين أميركا اللاتينية ويسارها ومعضلة توزيع الثروة

تظاهرات ضخمة اجتاحت عديداً من دول المنطقة

الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو (رويترز)

منذ نهاية عام 2018 شهدت أميركا اللاتينية تطورات من شأنها إعادة صياغة المشهد السياسي جنوب القارة الأميركية، ومنها التظاهرات الضخمة التي اجتاحت عديداً من دول المنطقة، منها اليساري، ومنها اليميني، والتي كشفت عن عمق التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وبعد 2019 زادت جائحة كورونا بتأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية في الطين بلة.

أزمات متتالية

ترتبط الاحتجاجات الشعبية في دول أميركا اللاتينية بحالة من الإحباط بين المواطنين الذين يشعرون بخيبة أمل كبيرة من السياسيين الذين تراجعوا عن تحقيق وعودهم الانتخابية، ما خلق القناعة بين الناس بأن السياسيين لا يمثلونهم ولا يدافعون عن مصالحهم.

ولم ترفع الاحتجاجات الشعبية فقط شعارات المطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، بل طالبت بتوطيد أسس النظام الديمقراطي، وضمان شفافية العملية الانتخابية، والتصدي للفساد وعنف الشرطة، كما كان الحال في فنزويلا وبوليفيا وهايتي وهندوراس وكولومبيا وبيرو.

والأزمات الوليدة هي نتيجة ثنائية اليسار واليمين المتجذرين في أميركا اللاتينية بين دولها وبين شعوب هذه الدول المنقسمة في داخلها. فتبدو صراعات طرفي اليمين واليسار عبارة عن شعارات متنافسة، في غالبيتها متقاربة، إلا في حال واحدة، وهي اليد الخارجية التي تقدم المساعدة لكل فريق من الفريقين، وهما الولايات المتحدة الأميركية من جهة، والصين وروسيا من جهة أخرى، وتحديداً في الدول النفطية، وعلى رأسها فنزويلا.

على سبيل المثال، في عام 2019، شجب الرئيسان الإكوادوري والتشيلي دور نظامي فنزويلا وكوبا، في التحريض على الاحتجاجات في بلديهما، وأيدتهما في ذلك منظمة الدول الأميركية (مقرها واشنطن). أما الحكومات اليسارية فاتهمت أطرافاً دولية بوقوفها وراء الاحتجاجات، فاتهم إيفو موراليس في بوليفيا الإمبرياليين والرأسماليين بالتخطيط لتنفيذ انقلاب ضده.

لكن يمكن قراءة تظاهرات أميركا اللاتينية المليونية التي تخفت لتعود بشكل أقوى، في إطار حالة من الاستياء الشعبي المتزايد والتراجع الحاد في ثقة الجمهور بالحكومات والمؤسسات.

يمين يسار... يسار يمين

على الرغم من عودة اليسار إلى السلطة في المكسيك والأرجنتين عبر صناديق الاقتراع، وإطلاق سراح رمز اليسار البرازيلي الرئيس الأسبق لولا دا سيلفا من السجن، فلا يزال تيار اليسار يواجه أزمة حادة. وكانت الأزمة قد اشتدت مع رحيل موراليس من بوليفيا فزادت الضغوط على الحكومات اليسارية، ومنها حكومة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن الحكومات اليمينية عانت أيضاً تحديات مماثلة في البرازيل وكولومبيا وتشيلي بسبب الاحتجاجات الشعبية العارمة على سوء الأوضاع الاقتصادية. وكان صندوق النقد الدولي قد أعلن عن تراجع معدل النمو الاقتصادي لأميركا اللاتينية بنسبة 0.6 في المئة لعام 2019، بعد أن كان الصندوق قد أعلن عن توقعات بالنمو تزيد على 1.4 في المئة.

بخصوص فنزويلا، مما لا شك فيه أن الولايات المتحدة أعلنت دوماً وبشكل رسمي عدم قبولها بنتائج الانتخابات التي أوصلت هوغو شافيز إلى السلطة عام 1998، وأن مخابراتها قامت بدور رئيس لإطاحة الرئيس الفنزويلي في عام 2002، قبل أن يعود للحكم سريعاً نتيجة التظاهرت الكبرى التي عمت البلاد وبعد انتخابات اعترضت عليها الأحزاب اليمينية واعتبرتها مزورة لرأي الناخبين.

حل مادورو تلميذ شافيز محله في السلطة بعد وفاته نتيجة المرض. وهو يؤمن بتعاليم سلفه شافيز، أي إن الولايات المتحدة مسؤولة عن سرقة خيرات أميركا اللاتينية، وعلى رأسها النفط الفنزويلي، وإن اليمين الفنزويلي يمثل العملاء الذين يريدون تسليم البلاد وخيراتها للإمبريالية.

الكثير من فقراء فنزويلا يعتقدون أن اليمين لا يكترث إلا بالأغنياء وتسخير الفقراء لخدمتهم. وبالطبع، فإن الطبقية ظاهرة في فنزويلا بين أغنياء استفادوا من الثروة النفطية على مدى عقود قبل وصول اليسار إلى الحكم، وبين فقراء وهم الأكثرية والذين يعيشون على حدود خط الفقر.

لذلك وجد اليسار الفنزويلي دائماً أكثرية الشعب إلى جانبه. وكان له دوره أيضاً، ليس في مقاومة هيمنة الولايات المتحدة في بلاده فقط، بل وفي شد عزيمة اليسار في سائر الدول القريبة، فساهم في قيام حكم يساري في بوليفيا وتشيلي ونيكاراغوا. فالحكم اليساري في فنزويلا رأس حربة مواجهة سيطرة الولايات المتحدة على أميركا اللاتينية، وإضعافه هو إضعاف اليسار في سائر الجنوب الأميركي.

التدخلات الخارجية

حين تتأزم العلاقات الأميركية - الصينية، يأتي الرد في مناطق النزاع المختلفة حول العالم، لكن أميركا اللاتينية تتلقى الكم الأكبر من تأثيرات هذا الخلاف. فالدول اللاتينية خليط من أنظمة يسار ويمين، وهي منقسمة في داخلها أيضاً بين هذين الطيفين اللذين يأخذان طابعها الأقصى أو "الأصولي".

سياسات إدارة ترمب تجاه الصين أكدت هذا التحليل على أرض الواقع، لكن مع وصول الرئيس جو بايدن، تبرز تساؤلات حول حدود التأثير المتوقع لذلك على الحضور الصيني المتنامي في أميركا اللاتينية.

في تحليلها تجد صدفة محمود، المتخصصة في شؤون أميركا اللاتينية، وفي مقالة بعنوان "التنافس الأميركي - الصيني في أميركا اللاتينية في عهد بايدن: الأبعاد ومحددات المستقبل"، عدة احتمالات لما سيؤول إليه الصراع الأميركي - الصيني فيما يسمى الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، والتي تبدأ عند حدود كوا الشيوعية ونزولاً نحو الجنوب.

فأميركا اللاتينية الغنية بالثروات الطبيعية هي أحد الأقاليم التي حرصت الصين على تعزيز حضورها فيه. وقد نجحت بكين، بدرجة كبيرة، في الاستفادة من تراجع الاهتمام الأميركي في عهد ترمب بالقارة اللاتينية، وعملت على ملء الفراغ أولاً عبر التجارة الخارجية وتدفقات الاستثمار والتعاون المالي.

وحققت الصين نجاحات اقتصادية ودبلوماسية كبيرة. ففي الوقت الراهن الصين هي الشريك التجاري الأول للأرجنتين والبرازيل وتشيلي وبيرو وأوروغواي، وقد تطورت علاقتها الاقتصادية مع كولومبيا والمكسيك.

كما ضخت الصين عشرات المليارات من الدولارات في صورة استثمارات في شبكات الكهرباء البرازيلية، والطرق السريعة الأرجنتينية، والشبكة اللاسلكية في المكسيك، ومحطات الموانئ البيروفية، ومصانع معالجة الليثيوم البوليفية.

وتجاوزت تجارة الصين مع المنطقة، الولايات المتحدة في عام 2018، وزادت في عام 2019 لتصل إلى أكثر من 223 مليار دولار مقابل تجارة الولايات المتحدة البالغة 198 مليار دولار.

في عام 2020 قام المستثمرون الصينيون بعدة عمليات استحواذ وشراء للشركات اللاتينية الكبرى العاملة في مجال الطاقة والبنية التحتية. واستخدمت الصين "الدبلوماسية الطبية" لتوسيع نطاق نفوذها في المنطقة، من خلال إرسال الإمدادات الطبية بما في ذلك أجهزة التنفس الصناعي والكمامات لمكافحة كوفيد–19، بعد أن رفضت إدارة ترمب في مارس (آذار) 2020 طلب فنزويلا الحصول على مساعدات مالية لمواجهة الوباء بسبب عدم اعترافها بحكومة الرئيس نيكولاس مادورو.

وسهل النفوذ الاقتصادي الصيني توسيع نطاق التعاون الأمني مع دول أميركا اللاتينية. وقامت شركات الدفاع التي تتخذ من الصين مقراً لها، مثل مجموعة "نورينكو" ببيع مجموعة واسعة من المعدات العسكرية لقوات الأمن اللاتينية، بما في ذلك الدول الصديقة للولايات المتحدة مثل كولومبيا وبيرو، وليس فقط الحكومات المناهضة لواشنطن مثل فنزويلا.

في المقابل، تخطط إدارة بايدن لبذل مزيد من الجهد لمعالجة الأسباب الجذرية للهجرة الجماعية من خلال تخصيص 4 مليارات دولار لمساعدة دول المثلث الشمالي على مكافحة الفقر والجريمة والمستويات المرتفعة من البطالة والفقر. كما يخطط بايدن، في السياق ذاته، لدعم دول أميركا اللاتينية التي تستضيف الجزء الأكبر من اللاجئين الفنزويليين.

فيما يخص الأزمة السياسية في فنزويلا، وفي ظل إدارة بايدن، ثمة ميل قوي للتنسيق مع دول أميركا اللاتينية والاتحاد الأوروبي من أجل التوصل إلى صيغة تدعم الانتقال الديمقراطي سلمياً في فنزويلا، في ظل رفض إدارة بايدن الحل العسكري لهذه الأزمة. وكان الرئيس الأميركي قد صرح منذ توليه سدة الرئاسة، بأن "النهج الذي يركز على العقوبات تجاه فنزويلا، والدعاية للحرب الوهمية التي يفضلها ترمب ستتغير".

لكن ينبغي الإشارة إلى أن الصين لا تربط مساعداتها للدول في أميركا اللاتينية بشروط سياسية تتعلق بالديمقراطية أو الحكم الرشيد، كما تفعل الولايات المتحدة في كثير من الأحيان، ما قد يفتح الباب واسعاً أمام بكين لتعزيز حضورها في المنطقة مستغلة تقديم هذه المساعدات.

الحلول الأميركية - الصينية الوسطية

وبحسب تقرير لمراسل "واشنطن بوست" حول التنافس الصيني - الأميركي، يرى فيه أن بعض الحكومات اليسارية بما في ذلك نظام مادورو في فنزويلا ونظام أورتيغا في نيكاراغوا قد تميل إلى تعديل سلوكها على المدى القصير على أمل تجنب العقوبات الأميركية.

وستسعى الحكومات اليمينية، الموالية لواشنطن، إلى ضمان استمرار الدعم الأميركي لسياساتها الداخلية في عهد بايدن، خاصة أن بعضها، ومنها كولومبيا والبرازيل، يواجه ضغوطاً شعبية قوية. ويمكن أن تتجه هذه الحكومات في حال شعرت بخفوت دعم واشنطن لها، أو بتغيير في السياسة الأميركية تجاهها، إلى تقييد مشاركتها كجهات فاعلة، في عدد من القضايا المحورية مثل الأزمة الفنزويلية.

ويعتقد بعض المحللين الأميركيين، في قراءتهم لسياسة بايدن تجاه أميركا اللاتينية، أن بعض الحكومات اليمينية قد تتجه إلى التقارب بدرجة أكبر مع الصين، في حال ازدادت ضغوط الإدارة الأميركية الجديدة عليها، في قضايا التغير المناخي والديمقراطية.

وبرأي الباحثة مساعيد فاطمة في بحثها "التحول الديمقراطي في أميركا اللاتينية"، فإن أميركا اللاتينية تتجه إلى نوعين من الأنظمة الاقتصادية والسياسية، وهما: نموذج يساري إصلاحي أقرب للخط الاشتراكي الأوروبي، يستمد بعض تصوراته ومفاهيمه من نهج "الطريق الثالث"، الذي بلوره عالم الاجتماع البريطاني أنطوني جيدنز بعد صدور كتابه عام 1989 بعنوان "الطريق الثالث: تحديد الديمقراطية الاشتراكية"، وتبناه حزب العمال الإنجليزي في عهد رئيس الوزراء الأسبق توني بلير. ونموذج راديكالي شعبوي بنغمة ثورية عاتية، يعبر عنها خط الرئيس الفنزويلي مادورو الذي يجمع بين نزوع قومي تقليدي ونزعة عالم ثلاثية صدامية تقوم على دعم حركات اليسار في العالم وفي أميركا اللاتينية نفسها، وتحديداً في الجارة كولومبيا وفي بوليفيا موراليس اليسارية.

كان لفنزويلا القدرة على تحقيق طموحها قبل الحصار الاقتصادي الأميركي. فقد كانت سابع أكبر دولة في أميركا اللاتينية وتملك أكبر اقتصاد في تجمع الإنديز، ومن الدول التي يتمتع فيها الفرد بأعلى نصيب من الناتج القومي الإجمالي في أميركا اللاتينية، ولكنها كغيرها من دول العالم الثالث الغنية، تعاني مشكلة توزيع الثروة، وتعاني كذلك موقعها الاستراتيجي بين بلدان ذات أهمية استراتيجية دولية مثل كولومبيا وجزر الكاريبي التي تقع تحت السيطرة الأميركية.

المزيد من متابعات