الإفلاس يهدد القطاع العام في تونس... فهل تلجأ إلى سياسة الخصخصة؟

تدنى مستوى الخدمات جراء الصعوبات المالية و"الاتحاد العام للشغل" يعتبر المؤسسات الحكومية مكسباً وطنياً

تتوالى الأخبار يومياً حول الصعوبات المالية التي تعيشها غالبية المؤسسات العامة في تونس، آخرها كان تصريح رئيس الحكومة يوسف الشاهد حين قال إن "المؤسسات العمومية تراكم خسائر كبيرة بلغت 6500 مليون دينار تونسي أي نحو 2.7 مليار دولار".

وأضاف الشاهد، أن "الدولة تتحمّل أعباء هذه الخسائر على حساب التنمية الداخلية وخلق فرص العمل على حساب قطاعات عدة منها الصحة والتربية".

كما أفاد المدير العام لشركة الخطوط التونسية الياس المنكبي، خلال الحوار الوطني الذي عقد يوم الجمعة في الثالث من مايو (أيار) الجاري أن "الشركة بحاجة إلى 1300 مليون دينار تونسي لحل مشاكلها، وللتمكن من منافسة الشركات العالمية".

وتشهد شركة الخطوط التونسية موجة من الانتقادات بسبب رداءة خدماتها وتزايد ساعات التأخير في إقلاع طائراتها.

كما تشكو المصارف الحكومية من صعوبات مالية بسبب ضعف الحوكمة وارتفاع نسبة الديون المتعثرة، ما دفع بالحكومة إلى التدخل من خلال ضخ تمويلات من ميزانية الدولة لإعادة هيكلتها خلال الأعوام الماضية.

وتتزايد الإجراءات البرلمانية والحكومية لهيكلة المصارف الحكومية، في الوقت الذي تزداد ضغوط صندوق النقد الدولي بخصخصة الممتلكات العامة والبنوك الحكومية.

وتمتلك الدولة التونسية ثلاثة مصارف تعتبر ركيزة القطاع المصرفي في تونس. وتستحوذ هذه المؤسسات على 40 في المئة من حجم تداولات الاقتصاد، ويعمل بها ما يقارب 29 ألف موظف، وتساهم بنسبة ثلاثة في المئة من الناتج الداخلي.

وفي السياق ذاته، يعتبر الوضع المالي للشركة التونسية للكهرباء والغاز صعباً جداً، بحسب وثيقة صدرت عن الشركة، وأرجعت أسباب تدهور الوضع إلى عدم التفعيل الكامل لقرار تغطية العجز في النتيجة الصافية، ما أنتج عجزاً متراكماً بقيمة 1937 مليون دينار تونسي، إلى جانب شح العملة في سوق الصرف، إضافة إلى تفاقم مستحقات "الستاغ" بما قيمته 1461 مليون دينار، منها 700 مليون دينار تخص الإدارات والمؤسسات العمومية.

كما تعرف الشركة التونسية لتوزيع المياه المشاكل المادية نفسها وأيضا شركات التأمين والتبغ والوقود والنقل بكل فروعه. ولم تقتصر الأزمة المالية على المؤسسات الاقتصادية، بل انعكست أيضاً على مؤسسات أخرى على غرار قطاع الإعلام العمومي، الذي يعاني هو أيضاً صعوبات مالية خانقة.

 

"التفويت في الملك العمومي" خط أحمر

لا شك في أن هذه الصعوبات المالية أثرت سلباً في نوعية الخدمات المقدمة والتي وصفت بالرديئة مقابل تطور خدمات القطاع الخاص، ما جعل الأصوات المطالبة بخصخصة الشركات الحكومية تتعالى، في مقابل رفض النقابات التي تعتبر التفويت في هذه المؤسسات خطاً أحمر.

وفي تقرير لصندوق النقد الدولي حول الوضع الاقتصادي في تونس نشره في أبريل (نيسان) 2019، قالت المؤسسة المالية الدولية إن "القطاع الخاص هو الجهة الوحيدة التي يمكن أن تخلق كمّاً كافياً من الوظائف العالية الجودة للقوى العاملة الشابة في تونس".

وأضاف الصندوق "ليس بمقدور القطاع العام أن يوفر القدر اللازم من الوظائف مباشرة، بسبب ارتفاع مستويات العجز والدين"، معتبراً أن "المخاطر المحتملة المرتبطة بالشركات المملوكة تهدد الاقتصاد المحلي، ما يفرض وضعها تحت المراقبة".

وأكد الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر نقابة عمالية) نور الدين الطبوبي، في وقت سابق، بأن الإهمال في المؤسسات العمومية خط أحمر، وقال "لن يتم التفويت في أي مؤسسة حكومية، ألف خط أحمر تحت القطاع العام ولن يتم التلاعب به".

وتأتي تصريحات القيادي النقابي رداً على إعلان رئيس الحكومة يوسف الشاهد نية الحكومة بيع حصص بنسبة 10 في المئة في إحدى المؤسسات العمومية، رجح مقربون من الدوائر الحكومية أن تكون شركة "السكة الحديدية".

ولا ينكر عضو المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل سامي الطاهري، الوضع الصعب لعدد كبير من المؤسسات الحكومية، سواء الناشطة في القطاعات الثقيلة أو الخدماتية، غير أنه يرى أن الحفاظ عليها واجب وطني ومسؤولية الدولة، معتبراً أن "خدمات المرفق العمومي تتكامل مع الخدمات الاجتماعية التي يتعين على الدولة توفيرها".

وقال الطاهري إن "الاتحاد متمسك بموقفه في التصدي لبيع الحصص في الشركات الحكومية"، لافتاً إلى وجود مخطط ممنهج منذ سنوات لإنهاك هذه المؤسسات وتسهيل بيع حصص منها".

وأشار سامي الطاهري إلى أن "الاتحاد العام التونسي للشغل" دعا الحكومة إلى معالجة وضعيات المؤسسات الحكومية، التي تشكو صعوبات في الوقت الراهن، نظراً إلى عدم وجود مخطط أو سيناريو إصلاحي يطبق على الشركات كافة، لافتاً إلى "أن سوء الحوكمة والتسيير والتعيينات الحزبية على رأس هذه الشركات، تسبب في سوء تسييرها وتكبدها خسائر كبيرة".

وأوضح الطاهري أن "ليس للأمر علاقة بالنفوذ النقابي في القطاع العام، فالثقل الأكبر نقابياً هو الوظيفة العمومية والقطاع العام لم يعد فيه سوى 140 مؤسسة تقريباً، طاقتها التشغيلية غير مرتفعة والانتساب إلى النقابة ليس آلياً".

وأضاف "القطاع العام في غالبيته هو قطاع خدماتي، وبالتالي ينتمي إلى ما يعرف بـ "المرفق العام" الذي يقدم خدمات اجتماعية بسعر منخفض وبعضه مدعوم، مثل البريد والمياه والنقل والكهرباء، التي ليست قطاعات ربحية وإذا تمت خصخصتها فسترتفع أسعارها بالضرورة، وهو ما لا يقدر عليه معظم التونسيين"، موضحاً أن "هذه القطاعات تدر أرباحاً طائلة للدولة، وإذا تمت خصخصتها فستنقص موارد الدولة".

وبحسب الطاهري هناك أيضاً "قطاعات ربحية مثل الخطوط الجوية والنقل البحري ونقل البضائع (في السكك) والتبغ وغيرها، كلها قطاعات ربحية تنافسية، ومداخيلها ضخمة لميزانية الدولة ولا يتم إصلاحها عمداً بهدف الدفع لبيعها، وببيعها تخسر الدولة بطبيعة الحال".ش

الثقل النقابي

ويرى مراقبون في القطاع الاقتصادي أن أسباب تمسك الاتحاد بالمؤسسات العمومية تعود للثقل النقابي الموجود ضمن هذه المنشآت، التي تضم آلاف العمال المنخرطين بالاتحاد العام التونسي للشغل، بصفة آلية.

فموقف "الاتحاد العام التونسي للشغل" يرفض الخصخصة لكنه يدعو إلى الإصلاح، ويعتبر المؤسسات الحكومية مكسباً وطنياً، على الدولة الاحتفاظ بها. ويقوم النموذج الاقتصادي التونسي أساساً على حماية الدولة لمعظم القطاعات الاقتصادية، لا سيما الخدماتية منها، على غرار النقل والماء والكهرباء.

وقال وزير المالية السابق حسين الديماسي "إن صندوق النقد الدولي وجه رسائل واضحة وصريحة للحكومة التونسية، ملوحاً بإنهاء التعامل معها إذا لم تأخذ خطوات جادة في تنفيذ إصلاحات مهمة، بما في ذلك إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية وخفض كتلة الأجور".

وأوضح أنّ المؤسسات العمومية تشكو من ضعف في الحوكمة والإدارة، مشدّداً على ضرورة إصلاحها، من دون أن يعني ذلك بيع حصص فيها، مشيراً إلى "وجود قطاعات تنافسية لا يمكن أن يكون للدولة وجود فيها".

وحول تمسك النقابات بالمحافظة على هذا الصنف من الشركات، قال الديماسي إن "المركزية النقابية تستمد قوتها ودورها أساساً من العمال في القطاع العام"، مضيفاً أن "هذه الشركات تحولت في السنوات الأخيرة إلى ما يشبه الإقطاعيات التابعة للنقابات التي تتدخل بشكل كبير في طريقة تسييرها".

واعتبر وزير المالية السابق أن "إحالة المؤسسات الحكومية للقطاع الخاص يعني إنهاء النفوذ النقابي فيها، وهو ما يرفضه اتحاد الشغل"، معتبراً أن "المصالح الشخصية تطغى في هذا الملف على المصلحة الوطنية العامة".

 

لا بد من الخصخصة

من جهته، دعا الخبير الاقتصادي معزّ الجودي إلى خصخصة بعض المؤسّسات العمومية التي تكبد الدولة خسائر فادحة وتضطرها إلى طلب الدين من أجل الإنفاق عليها.

وبيّن الجودي أن عدداً من المؤسّسات العمومية ضمن 200 شركة، من المستحسن خصخصتها، لافتاً إلى أن مثل هذه الاستراتيجيات تساهم في دفع الاقتصاد قدماً.

ويرى أن هناك شركات استراتيجية مرتبطة بالأمن القومي وأخرى تساهم في خلق الثروات الطبيعة، مستثناة من الخصخصة، مشيراً إلى أن "التجارب في تونس بيّنت أن عملية الخصخصة كانت ناجحة في عدد من الشركات العمومية".

المزيد من اقتصاد