هل تعصف رياح ترمب بـ"قلاع الاشتراكية" في أميركا الجنوبية؟

دبلوماسيون لاتينيون: علاقاتنا بواشنطن قوية ويجب عليها دعم التنمية والاقتصاد... والدوافع الانتخابية لها تأثيرها

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوقع وثيقة بشأن كوبا في منطقة "ليتل هافانا" في ميامي 16 يونيو 2017 (رويترز)

المراقب للسياسات الخارجية الأميركية تجاه كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا، التي توصف بأنها "مهد الشيوعية في القارة الأميركية،"، والتي يفضّل جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأميركي، تسميتها بـ"ترويكا الطغاة"، يدرك أن تلك المنطقة قد تكون على عتبة "عاصفة ترمبية" تستهدف تحطيم "القلاع الاشتراكية" في الجزء الجنوبي من القارة الأميركية. فواشنطن ترى أن "القمع الذي يمارسه النظام الفنزويلي عززته الديكتاتورية الكوبية"، في وقت كبّلت الولايات المتحدة نيكاراغوا بسلاسل الحصار من بوابة انتهاكات حقوق الإنسان بعد قمع حكومتها للاحتجاجات التي اجتاحت البلاد العام الماضي.

روسيا والصين

مواجهة "ترويكا الطغاة" تقابلها في الوقت ذاته جهود أميركية مضنية لتعزيز التحالفات مع دول أميركا اللاتينية الأخرى كجزء من سياسات مواجهة النفوذ المتزايد في تلك المنطقة الذي تدعمه الصين وروسيا. فقد حققت موسكو تقدماً ملحوظاً في جميع أنحاء القارة خلال الأعوام القليلة الماضية، حيث نشّط الكرملين علاقاته السياسية والعسكرية مع حكومة كوبا الشيوعية. إضافة إلى ذلك، بدت روسيا أكثر حيوية في تعزيز علاقاتها مع البرازيل والأرجنتين وغيرهما من الدول اللاتينية الرئيسية، ولم تقتصر مبادراتها على الاقتصاد والدبلوماسية بل امتدت إلى الجانب العسكري أيضا، وهو ما حدا برئيس أركان القوات الجوية الأميركية، الجنرال ديفيد جولدفين، إلى تحذير كولومبيا ودول أخرى من المخاطرة بوقف العمليات الأميركية والحليفة إذا توقفت عن شراء معدات عسكرية من الولايات المتحدة وانتقلت إلى أسواق أخرى، والمقصود هنا الأسواق الروسية والصينية.

حديقة خلفية

ما بين لهجة الترحيب والتصعيد الأميركية في التعامل المتباين مع البلدان اللاتينية، يُطرح السؤال عما إذا كان هناك نهج سياسي "ترمبي" جديد في التعامل مع دول أميركا اللاتينية لم يكن قائماً مع الإدارات الأميركية السابقة، فقد ظلت واشنطن لعقود تنظر إلى جنوب القارة على أنها "حديقتها الخلفية"، لكن اليوم ظهر بقوة اتجاه ترمبي له عنوانان: اجتثاث الشيوعية من المنطقة، وتعزيز العلاقات مع بلدانها من بوابة الأعمال.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقول إدواردو فونسيكا، سفير جمهورية بنما لدى دولة الإمارات العربية المتحدة لـ"إندبندنت عربية"، إن بلاده "ترتبط بعلاقات قوية وتاريخية مع الولايات المتحدة التي تُعد أكبر مستخدم لقناة بنما، إلى جانب أن السوق الأميركية هي الأكبر بالنسبة إلى المنتجات البنمية، وتربط البلدان بعلاقات متينة في مختلف القطاعات"، ويؤكد فونسيكا أن الجانبين شهدا المزيد من تعزيز الروابط في ظل حكم دونالد ترمب. ويضيف "بدأنا مشروع توسعة قناة بنما الذي سيعزز التجارة في المنطقة لأنه سيسمح بعبور سفن كبيرة. وشهدنا توسعة الميناء في شرق الولايات، وقامت شركة أميركية بالإعلان عن تأسيس محطة لإنتاج الغاز الطبيعي المسال، وبالتالي يُجرى تطوير العلاقات التجارية بين البلدين".  

لا يقبل سفير بنما وصف دول أميركا اللاتينية بأنها "ساحة خلفية" للولايات المتحدة، ويقول إن "كل دولة في المنطقة ترتبط بعلاقة سياسية وتجارية معقدة جداً مع الولايات المتحدة"، لكنه يقر بأن "نهج ترمب مختلف عن الذين سبقوه من الرؤساء الأميركيين"، ويقول "أعتقد أن الأمر يعود إلى رغبة كل دولة في حماية مصالحها بالطريقة التي تراها مناسبة، فالعلاقات الأميركية البنمية ناجحة جدا، وبالنسبة إلينا فإننا نحرص على المحافظة على تلك العلاقات بما يخدم مصلحة شعبنا".

أزمة فنزويلا  

وبسؤاله عن موقف بلاده من التصعيد الأميركي للأزمة في فنزويلا، يرد فونسيكا بأن "مجموعة ليما التي تم إنشاؤها في أغسطس (آب) من العام 2017 في بيرو، والتي تضم في عضويتها 14 دولة، قررت دعم  شرعية رئيس البرلمان المعارض خوان غوايدو رئيساً للبلاد، ما أوجد انقساماً بين دول داعمة وأخرى غير مؤيدة لهذا المنحى". وفي المقابل، لا يرى فونيسكا أن التاريخ يكرر نفسه في تشبيه النزاع الأميركي الروسي تجاه الأزمتين السورية والعراقية بما هو حاصل اليوم في فنزويلا، خصوصاً بعد التصريحات الروسية الأخيرة برفض التدخل الأجنبي في فنزويلا، والمقصود به بطبيعة الحال التدخل الأميركي، إضافة إلى التقارير التي تحدثت عن وصول طائرتين عسكريتين روسيتين إلى فنزويلا في رسالة طمأنة ودعم صريح للرئيس نيكولاس مادورو.

ويرى فونيسكا أنه "لا أوجه تشابه مع منطقة الشرق الأوسط التي لها خصوصيتها". كما أن (اتفاقية ليما) أكدت على رفض أي تدخل عسكري أجنبي في فنزويلا وهو أمر ينبغي فهمه جيدا. الحاصل الآن ليس حرباً  أيديولوجية أو حرباً ضد الشيوعية تقودها الرأسمالية، لكنها ممارسة للديمقراطية، وبنما ترى أن الانتخابات التي حصلت في فنزويلا لم تكن نزيهة بل مكّنت مادورو من البقاء في سدة الحكم. نعتبر أن على غوايدو أن يترأس الحكومة ويدعو إلى انتخابات عامة في أسرع وقت. قرارنا هذا  جاء في ظل تدهور الأوضاع الإنسانية في فنزويلا، ونحن ندعم انتخابات حرة نزيهة من خلال القنوات الديمقراطية حتى يتمكن الشعب الفنزويلي من اتخاذ القرار".

مواجهة الشيوعية

في أغسطس (آب) الماضي، قدم مستشار الأمن القومي جون بولتون ما وُصف بأنه خطاب سياسي رئيسي حول سياسة ترمب تجاه أميركا اللاتينية التي قال إنها تعتمد تشديد الخناق على المستبدين اليساريين في كوبا ونيكاراغوا وفنزويلا. وفي الأسابيع التي تلت ذلك، فرض البيت الأبيض عقوبات على الشركات المملوكة للدولة في كوبا وعلى المسؤولين الحكوميين في فنزويلا ونيكاراغوا. ولم يتطرق بولتون إلى المكسيك، كما لم يكن لديه الكثير ليقوله عن معظم البلدان الرئيسية الأخرى في المنطقة. لكنه عمد إلى معاقبة كوبا ونيكاراغوا وفنزويلا، الدول التي سماها "مثلث الإرهاب" و"العناصر الثلاثة للاشتراكية".

وجهة النظر تلك لم تكن إلا إعادة صياغة مضللة لسياسات الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان في الحرب الباردة التي تهدد باستقطابات في المنطقة. في حين أن الإجراءات العقابية ضد الأنظمة في هذه البلدان الثلاثة قد تكون متأخرة، بحيث تتجاهل استراتيجية  ترمب المخاوف الداخلية للزعماء المنتخبين في ديمقراطيات أميركا اللاتينية. وقد ظهرت فعلاً إشارات مقلقة مفادها أن هناك تركيزاً على الأنظمة الاستبدادية اليسارية، في حين أن إدارة ترمب تحتضن غلاة الشعبوية اليمينية المتطرفة الذين يمكن أن يكون أشد فتكا بالمنطقة من الشيوعية.

الاقتصاد والأيديولوجيا

وتظهر استطلاعات الرأي أن الأميركيين اللاتينيين يهتمون بالدرجة الأولى بالفرص الاقتصادية وبقضايا الفساد والأمن والهجرة. وتكمن الأسباب الرئيسية لضعف النمو في أميركا الجنوبية في اضطرابات السوق التي بدأت في الأرجنتين منذ العام 2018، وتباطؤ النمو في البرازيل، واستمرار تدهور الوضع في فنزويلا. فتجاهل اهتمامات المواطنين يعني إفشال فرصة إقامة شراكات طويلة الأمد بين واشنطن ودول المنطقة، والتضحية بالدعم المحتمل لحقوق الإنسان والديمقراطية. وقد تكون المكسيك النموذج الأمثل عند الحديث عن استراتيجية ترمبية جديدة في أميركا اللاتينية، ففي موازاة العلاقات التجارية الكبيرة بين الجارين، يبنى ترمب جداراً يفصل بين حدودهما. والجدار كان من أبرز وعوده الانتخابية.  

ويوضح المستشار فيديريكو د. شابود، نائب رئيس بعثة المكسيك لدى الإمارات، لـ"إندبندنت عربية"، أن بلاده "أصبحت الشريك التجاري الأول للولايات المتحدة على مستوى العالم"، واعتبر أن "حديث ترمب عن بناء جدار بين الولايات المتحدة وبلاده لوقف تدفق اللاجئين من دول لاتينية، وكلامه على أنه سيجعل المكسيك تتحمل كلفة بناء الجدار، ليسا سوى خطاب سياسي لدوافع انتخابية تستهدف إعادة انتخابه رئيساً لولاية ثانية".

ووصف العلاقات الأميركية المكسيكية بأنها قوية، و"ليس أدلّ على ذلك من توقيع مسوّدة اتفاقية تجارة حرّة مع كل من الولايات المتحدة وكندا، وتتم الآن مراجعة تلك الاتفاقية في الكونغرس الأميركي والبرلمان الكندي"، متوقعا أن تتم المصادقة عليها في المستقبل القريب. وشدد الدبلوماسي على أن "من المستحيل أن تتحمل المكسيك كلفة بناء الجدار بين البلدين الذي لن يوقف اللاجئين الباحثين عن حياة أفضل"، ويضيف "يتحدث المحللون اليوم عن أن العالم يتوجه نحو حرب باردة جديدة بين الولايات المتحدة وروسيا متناسين بروز قوى جديدة مثل الصين".

وماذا عن سياسات ترمب حيال دول جنوب القارة الأميركية؟ يقول شابود "إنها ليست المرة الأولى التي يُظهر فيها الرئيس الأميركي دعمه للأيديولوجيا على حساب السياسة المنطقية، فالأجدر بالرئيس الأميركي أن يقلق من تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي في المنطقة وأن يعمل على تحسين فرص الوصول إلى أسواق بلاده، والتعهد القوي بتقديم المساعدة للتصدي للفساد في بلدان أخرى غير كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا، وعلى ترمب أن يطمئن دول أميركا اللاتينية إلى أن واشنطن ستفعل ما هو أكثر من مجرد الضغط على الحكومات الاستبدادية اليسارية".

وفي ما يتعلق بالتطورات الحاصلة في فنزويلا، أوضح أن بلاده تطالب بإيجاد حل سياسي، لكنه رأى أن "الحل السياسي لأي نزاع يتطلب حيادية"، محذّرا من أن التدخلات الأجنبية عادة ما تكون لها انعكاسات سلبية قد تقود إلى تصعيد التوتر في فنزويلا، مشيراً إلى قلق دول أمريكا اللاتينية من تصاعد التوتر.

المزيد من دوليات