Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف سيساعد الوفاق الأميركي الروسي على مواجهة الصين؟

بايدن يريد تحييد بوتين والهند واليابان تأملان في فصل موسكو عن بكين

الإدارة الأميركية تأمل أن ترسي قمة جنيف قواعد وحدود العلاقة المتوترة بين أكبر قوتين نوويتين في العالم (أ ف ب. رويترز)

على الرغم من الدعم القليل في واشنطن لإمكانية التوافق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال القمة المرتقبة في مدينة جنيف السويسرية يوم الأربعاء المقبل، 16 يونيو (حزيران)، وعدم اتفاق الدول الأوروبية حول كيفية التعامل مع موسكو، إلا أن السعي لإنجاز هذه المهمة الصعبة التي تهدف إلى تحقيق أهداف استراتيجية أهم، هو ما يسعى إليه الرئيس الأميركي جو بايدن، لأن التوافق مع روسيا سيسمح للولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين التركيز على تعاون أكثر مع الهند واليابان ودول آسيوية أخرى لمواجهة الصين خلال الأشهر والسنوات المقبلة، ولكن هل من إمكانية للتوصل إلى هذا الوفاق بعدما وصلت العلاقات بين موسكو وواشنطن إلى أسوأ حالاتها منذ انهيار الاتحاد السوفياتي؟

تهنئة ذات مغزى

لم يغب عن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن أن يهنئ الشعب الروسي بعيده الوطني الذي يوافق اليوم 12 يونيو، مذكراً إياهم، في إشارة تحمل مغزى واضحاً، بأن هذا اليوم شهد أول انتخابات حرة وعادلة في روسيا عام 1991، لكن رئيس الدبلوماسية الأميركية خاطب أيضاً الحكومة الروسية قبل أيام قليلة من قمة بايدن - بوتين، مذكراً برغبة واشنطن القوية في انخراط بناء مع موسكو، لإقامة علاقات مستقرة يمكن التنبؤ بها. 

وعلى الرغم من عدم توقع حدوث انفراجة كبيرة في العلاقات الأميركية الروسية خلال قمة جنيف يوم 16 يونيو الجاري، إلا أن الإدارة الأميركية تأمل أن تُرسي القمة قواعد وحدود العلاقة المتوترة بين أكبر قوتين نوويتين في العالم، بعدما تصاعدت التوترات بشدة بين الجانبين في السنوات الأخيرة بسبب الهجمات السيبرانية التي تقول واشنطن إن روسيا تقف وراءها، وبسبب الحرب في أوكرانيا، وخط أنابيب الغاز "نورد ستريم 2"، واستخدام الحكومة الروسية غاز الأعصاب القاتل ضد معارضيها، والاتهامات الأميركية لروسيا بالتدخل في الانتخابات الأميركية وعمليات الطرد المتبادلة للدبلوماسيين.

الخيط الرفيع

وفي حين ينتقد عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين عقد قمة مع الزعيم الروسي من دون شروط وإضفاء الشرعية على أفعاله، يحرص البيت الأبيض على الدفاع عن هذه القمة باعتبارها الطريقة الوحيدة التي تعمل بها الدبلوماسية عندما تكون هناك مجموعة من الخلافات، فمنذ توليها المنصب في يناير (كانون الثاني) الماضي، حاولت إدارة بايدن السير على خط رفيع يتوخى الحذر في إعادة ضبط العلاقات مع موسكو بسبب رغبتها في تجنب تصعيد التوتر في علاقة مشحونة بدرجة كبيرة.

وبينما تنظر موسكو وواشنطن إلى بعضهما بعضاً بريبة عميقة، يدرك كلا الجانبين على مضض الحاجة إلى وجود علاقة عمل لتجنب كارثة محتملة، إذ إن روسيا تحتفظ، إلى جانب الولايات المتحدة، بأكبر ترسانة نووية على وجه الأرض، ولا تزال روسيا عضواً دائماً في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وهذا يعني أنه يتعين العمل مع روسيا بشأن بعض التحديات الأساسية في العالم.

إنهاء الصداع

على الرغم من أن إدارة بايدن كانت واضحة في رؤيتها بأن المنافسة مع الصين هي التحدي الاستراتيجي الأكبر للولايات المتحدة على المدى الطويل، إلا أن روسيا هي التي سببت الصداع الأكثر إلحاحاً للسياسة الخارجية الأميركية في الأيام الأولى لإدارة بايدن، ولهذا تبني واشنطن استراتيجيتها لإنهاء هذا الصداع والتفرغ إلى الصين بالتعاون مع الدول الأوروبية وحلفاء الولايات المتحدة في آسيا. 

صحيح أن الأميركيين يتوقعون أن يكون الاجتماع طويلاً ومتوتراً، وأن يسعى بوتين الذي يميل عادة لإلقاء محاضرات على نظرائه للهيمنة على الجلسة، وأن يثير هجوم السادس من يناير (كانون الثاني) الماضي على مبنى الكابيتول الأميركي، باعتبار المهاجمين متظاهرين لديهم مظالم سياسية مشروعة بهدف موازاة ذلك بحملة القمع الداخلية في روسيا ضد جماعات المعارضة والصحافيين، إلا أن إدارة بايدن تعتقد أن بإمكانها تحييد موسكو وخفض سقف تعاونها مع بكين وتقليص دورها المزعزع للاستقرار على الساحة العالمية، ظناً منها أن بوتين سوف يتصرف بإيجابية نسبية خلال السنوات الأربع المقبلة. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرتكز هذا التقدير إلى أن روسيا توصف غالباً في الدوائر السياسية الأميركية بأنها قوة متراجعة مقارنة مع الولايات المتحدة أو الصين، بسبب حجم اقتصادها الذي يعادل اقتصاد إيطاليا، ويعد أصغر من اقتصاد ولاية نيويورك، لكن فكرة أن روسيا هي قوة متدهورة، لا يوجد دعم واقعي لها، فهي لا تزال تحتفظ بأحد أهم الجيوش في العالم، وتمتلك تكنولوجيا عسكرية متطورة وأدوات أخرى متفوقة في مجال الفضاء السيبراني، كما تحتفظ بقوة نووية تضارع الولايات المتحدة، ولهذا يخشى بعض المراقبين من أنه أياً كانت الأوراق التي يمتلكها بوتين حالياً، فإنه مستعد لاستخدامها بطريقة أكثر عدوانية من أي زعيم آخر في العالم.

أولوية أميركا

ومع ذلك، تراهن إدارة الرئيس الأميركي على أن أولويتها الآن تتمثل في هدفها الاستراتيجي الذي يبدأ بإعادة بناء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين حيث لا خيار لديهما سوى العمل معاً لتحقيق الاستقرار الاستراتيجي، والحد من التسلح، على الرغم من صعوبة ذلك، فإضافة إلى الرغبة العامة في تجنب حرب نووية، أصبحت المصالح الأميركية والروسية في الأسلحة الاستراتيجية غير متكافئة، إذ تبدو الولايات المتحدة قلقة بشأن الأسلحة الروسية الجديدة عالية التقنية، مثل الطوربيدات التي تعمل بالطاقة النووية وصواريخ "كروز"، بينما تبدو روسيا مهتمة أكثر بالأسلحة التقليدية الأميركية، مثل الدفاع الصاروخي والصواريخ عالية الدقة، وهذا من شأنه أن يزيد من صعوبة المفاوضات.

وعلاوة على ذلك، فإن كلاً من موسكو وواشنطن تبدوان حريصتين على مناقشة كيفية التعامل حول صراع الفضاء الإلكتروني، ففي حين حملت الولايات المتحدة وكالات الاستخبارات الروسية مسؤولية سلسلة الاختراق الأخيرة للوكالات الحكومية الأميركية، فإن الكرملين يخشى في صمت من القدرات الإلكترونية للولايات المتحدة، وبخاصة بعدما هدد مسؤولون أميركيون بالرد على الهجمات الروسية، ولهذا فإن الهدف الاستراتيجي للتعاون في مجال الفضاء السيبراني، هو تحقيق استقرار عبر رسم قواعد طريق لمنع سوء التفاهم بشأن التجسس الإلكتروني أو القرصنة والحيلولة من أن تتصاعد الأمور إلى نزاع مسلح، يمكن أن يتصاعد إلى استخدام الأسلحة النووية.

انعكاسات الوفاق

وإذا حدث أي نوع من الوفاق الذي تأمله الولايات المتحدة، فستكون له انعكاسات عالمية، إذ من المؤكد أن بكين التي تراقب اجتماع القمة ستشعر ببعض القلق، كما أن أوروبا والهند واليابان ودولاً آسيوية أخرى، التي تشجع الزعيمين على التوصل إلى هذا الوفاق، ترى أنه سيكون من السهل عليها، حال تهدئة الجبهات المفتوحة مع روسيا، تحقيق التوازن مع الصين التي تنظر إلى تضخم نفوذها العسكري والاقتصادي في شرق آسيا بقلق بالغ، وأن دوراً روسياً مستقلاً سيخلق مجالاً أكبر للمناورة في المواجهة الناشئة بين الصين والولايات المتحدة.

وإذا كانت الصين ترى أن سحب الولايات المتحدة لروسيا بعيداً من نفوذها، بعيد المنال، على الأقل في الوقت الراهن، فإن بايدن لم يخاطر بعقد قمة مع بوتين في وقت مبكر جداً من رئاسته، إلا لأنه يريد أن يلقي نظرة جديدة على العلاقة الروسية المضطربة، حتى يركز على التحدي الأكبر بكثير من الصين، والحاجة إلى حشد الدعم الأوروبي والآسيوي لمنافسة جيوسياسية جديدة مع بكين.

تقليص التوتر مع موسكو

يدرك بايدن صاحب الخبرة السياسية الممتدة على مدى 40 عاماً، أن النظام الأمني الأوروبي كان منطقة متنازع عليها بين واشنطن وموسكو، وأدى انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 إلى انسجام نسبي بين روسيا والغرب، ولكن بحلول مطلع الألفية، عادت أوروبا تحت الضغط من جديد، وباتت العلاقات أكثر صراعاً منذ ذلك الحين، بل واتجهت جنوباً بعد ضم روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014، ولهذا تحتاج أوروبا الآن إلى التهدئة.

وإذا كان بايدن مستعداً لطرح فكرة أن الولايات المتحدة يمكنها مواجهة كل من روسيا والصين في وقت واحد، فإن الحكمة تقتضي منه محاولة فك الارتباط الوثيق جداً بين موسكو وبكين، أو على الأقل الحد من التوترات مع روسيا، بهدف أن يسهل ذلك على أوروبا إيلاء اهتمام أكبر لآسيا ودعم جهود الولايات المتحدة لتحقيق التوازن مع الصين.

أوروبا وآسيا

وتتماشى خطوات إدارة بايدن مع جهود كل من الهند واليابان، لإعادة بريطانيا والقوى الأوروبية، إلى نظام الأمن الآسيوي، لكن على الرغم من أن الدول الرئيسة في الاتحاد الأوروبي بدأت في تطوير مناهج جديدة لأمن منطقة المحيطين الهندي والهادئ، والاعتراف بالتحديات المنهجية التي تطرحها الصين، فإن إسهامها المحتمل في الأمن الآسيوي سيكون في نهاية المطاف محدوداً بسبب التهديدات الأكثر قرباً من الدب الروسي.

ولا شك أن عقد صفقة بين روسيا والغرب سوف تخدم مصالح الطرفين، وإن كانت ليست في متناول اليد، بخاصة مع توافر قليل من الدعم السياسي داخل الولايات المتحدة لعلاقة إيجابية مع روسيا، كما لا يوجد إجماع في أوروبا حول كيفية التعامل مع روسيا.

ومع ذلك، فإن الظروف غالباً ما تجبر الدول على فعل المستحيل، ذلك أن التوقف الموقت في الصراع بين روسيا والغرب، يمكن أن يمهد الطريق لإعادة ترتيب محتملة للجغرافيا السياسية الأوروبية الآسيوية، حيث يمكن لأوروبا غير القلقة نسبياً بشأن روسيا، أن تلعب دوراً أمنياً أكبر في آسيا.

تحييد روسيا

وفي وقت يتشكك كثيرون في واشنطن في ما إذا كان عقد صفقة أميركية أوروبية مقبولة مع موسكو يمكن أن يغير من علاقاتها القوية مع بكين، بخاصة، وأن بوتين يعزز علاقته مع الصين باستمرار، فإن روسيا في النهاية لم تصل إلى مرحلة التحالف الواضح مع الصين، وقد يكون من الصعب افتراض أن موسكو يمكن أن تصبح الشريك الأصغر لبكين، ولهذا يبدو الرهان ممكناً في أن تحقيق حالة سلام بين روسيا والولايات المتحدة وخلق توافق سياسي جديد مع أوروبا، سيجعل موسكو غير مجبرة على دعم المواقف الصينية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وأكثر احتمالاً لاستعادة دورها المستقل في الأمن الآسيوي، وهو ما يبدو أن بايدن منفتح على استكشاف احتمالاته بينما يكثف استراتيجية الولايات المتحدة لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ.

لكن يبدو أن القوى الحليفة للولايات المتحدة في آسيا، وعلى رأسها الهند واليابان، تواجهان مشكلات مع روسيا التي أصبحت غير مرتاحة بشكل متزايد لشراكة الهند الاستراتيجية العميقة مع واشنطن، وتنتقد بشدة استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ والحوار الأمني الرباعي الذي يضم الهند والولايات المتحدة واستراليا واليابان، كما كانت نيودلهي أيضاً قلقة بشأن بروز الصين الجديد في حسابات السياسة الخارجية الروسية وعواقبها طويلة المدى على الأمن الهندي.

تعقيدات استراتيجية

وبينما تتوجس الولايات المتحدة من دور روسي مستقبلي في آسيا، بعدما نجحت في تقليص دور الاتحاد السوفياتي عبر تعزيز الدور الصيني في السبعينيات، تريد نيودلهي وموسكو التمسك بعلاقتهما، بخاصة بعدما حافظت موسكو على حياد مدروس خلال المواجهة العسكرية عام 2020 بين الهند والصين في جبال هيمالايا، حيث أبقت روسيا إمداداتها العسكرية مفتوحة مع الهند خلال الأزمة.

وإذا كانت مصلحة الهند هي التمسك بشراكة قائمة مع روسيا، فقد سعت طوكيو أيضاً إلى الاقتراب من موسكو، ولكن من دون جدوى حتى الآن، إذ ترى كل من الهند واليابان أن الحياد الروسي أو حتى الدعم، ذو قيمة عالية في سعيهما لاستعادة التوازن في المحيطين الهندي والهادئ الذي حطمته الصين، كما يبدو عديد من الدول الآسيوية منفتحة على دور روسي أكبر في المنطقة مثل فيتنام التي تحافظ على روابطها السابقة مع روسيا وتأمل أن تمنحها موسكو بعض الحماية من توسع بكين في بحر الصين الجنوبي.

وعلى النسق نفسه، تبدو دول جنوب شرقي آسيا متحمسة لجذب موسكو إلى النظام الإقليمي متعدد الأطراف، لكنها أصيبت بخيبة أمل حتى الآن بسبب التأثير المحدود للدور الروسي في آسيا، لكنها تراهن في أن يتغير هذا الدور إذا أصبحت علاقات روسيا مع الولايات المتحدة وأوروبا أقل تصادمية، ونأت موسكو بنفسها عن سياسات بكين في آسيا والمحيطين الهندي والهادئ.

لهذا فإن روسيا يمكن أن تكون إما إضافة مهمة أو عاملاً مزعزعاً للأمن في آسيا، وقد يكون من مصلحة الولايات المتحدة وأوروبا وجزء كبير من آسيا أن تكون روسيا إضافة لأمن المحيطين الهندي والهادئ، وليست معطلة له، لذلك ستراقب آسيا بحذر شديد قمة بايدن - بوتين وما ستسفر عنه من نتائج.

المزيد من تقارير