Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"عاشت فرنسا": غرام هوليوود بكل ما هو فرنسي

فيلم "ذا فرينش ديسباتش" لـفيس أنديرسون ليس سوى أحدث عمل ضمن لائحة طويلة من أفلام هوليوودية تصور إعجاب فنانين وكتاب وصحافيين أميركيين بـ"أول بلد سياحي في العالم" فما السر في ذلك؟

يبدو أن هوليوود واقعة في حب باريس حيث تجتمع فيها فرص الغرام، والاضطراب السياسي، والفن العظيم، والطعام اللذيذ (يوتيوب)

تدور أحداث "ذا فرينش ديسباتش" The French Dispatch، فيلم ويس أنديرسون الجديد، في "انوي سور بلازي" Ennui-sur-Blase، المكان الذي هو في الحقيقة باريس باسم مستعار، إلا أنه لا يمثل ذاك الفضاء المكفهر، حيث النفايات المبعثرة، الذي قد يظهر للسياح البريطانيين عند خروجهم من قطار الـ"اليروستار" في محطة "غار دو نورد" Gare du Nord. لا بل إنه تنويع جديد على ذاك العالم السحري الذي لا ينفك الأميركيون يكتشفونه على ما يبدو، حين يزورونه. إنها مدينة تأتلف فيها فرص الغرام، والاضطراب السياسي، والفن العظيم، والطعام اللذيذ.

فيلم النجوم هذا، الذي أخرجه أنديرسون، تنطلق عروضه في مهرجان "كان" السينمائي الشهر المقبل، وهو يستلهم باب "الأنشطة الراهنة" في مجلة "فرنش ديسباتش ماغازين" French Dispatch Magazine، التي تمثل القسم الأجنبي من مطبوعة "ليبيرتي كانساس إيفنينغ صن" Liberty Kansas Evening Sun. وتكون هذه المطبوعة، التي تذكر إلى حد كبير بالـ"نيويوركر"، مشرفة على نشر عددها الوداعي الأخير. ونلتقي (عبر الفيلم) بصحافيي المجلة المغتربين والأجانب، ذوي الشخصيات غير الاعتيادية وغير النمطية، وهم يغطون الأحداث السياسية والفنية – "الكبيرة والصغيرة" – والاهتمامات الإنسانية، مهما كانت طبيعتها. الممثل بيل موراي يلعب دور رئيس التحرير، آرثر هويتزير جونيور. ويضم فريق كتاب المجلة جي كي أل بيرينسون (تيلدا سوينتون)، والناقد الفني الكبير هيربسانت سازيراك (أوين ويلسون) المتخصص في كتابة قصص من الحياة السفلية المليئة بالألوان، وروباك رايت (جيفري رايت)، الذي يعشق الكتابة عن الطعام (وهذا يشمل مطبخ الشرطة)، ولوسيندا كريمينتز (فرانسيس ماكدونالد)، التي تغطي أنشطة شبان ثوريين باهرين، يشبهون شخصيات المهاجرين في أفلام جان لوك غودار بأواخر الستينيات.

ويأتي "ذا فرينش ديسباتش" ليمثل أحدث فيلم من سلسلة طويلة من الأفلام الأميركية التي تقدم نظرة محببة لعالم بلاد "الغال" (فرنسا). فالمخرجون الأميركيون يحبون التعامل مع فرنسا كما لو أنها ملعبهم الأوروبي. أليزابيث تايلور وفان جونسون في هذا الإطار، بديا نجمان صاعدان عاشقان في "آخر مرة رأيت فيها باريس" The Last Time I Saw Paris، كما يقوم وودي آلن في "منتصف ليل في باريس" Midnight in Paris باستحضار مغامرات الشاب إرنيست همنغواي في المدينة، وذاك أمر فعله أيضاً آلن رودولف في "الحديثون" The Moderns، فيما جلس إيثان هوك وجولي ديبلي يحتسيان القهوة عند نهر السين في "قبل غروب الشمس" Before Sunset. هذا وثمة أفلام أخرى، من "أميركي في باريس" An American in Paris لـ جين كيلي، إلى "راتاتوي" Ratatouille لـ شركة بيكسار Pixar، مروراً بـ"الطلاق" Le Divorce لـ جايمس أيفوري. وقد بلغ هذا التوجه أسوأ مراحله مع مسلسل "نتفليكس" الذي واجه سخرية كبيرة، "إيميلي في باريس" Emily in Paris، إذ تؤدي فيه ليلي كولينز دور شابة أميركية تعمل بمجال التسويق وتهيم في عالم جديد غريب من المقاهي، والـ"كرواسون"، والأزياء، والغداءات الطويلة، والعلاقات الغرامية بأوقات بعد الظهر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في الإطار ذاته، فقد كان لدى ويس أنديرسون شكل قائم سلفاً حين تطلب منه الأمر تحويل باريس إلى أرض أحلام سينمائية. إذ إن فيلمه القصير الذي أنتجه سنة 2007، "أوتيل شوفاليه" Hotel Chevalier، وأدى بطولته ناتالي بورتمان وجايسون شوارتزمان، تدور مجمل أحداثه في جناح فندق باريسي راق، يلتقي فيه العاشقان المتخاصمان. كما أن أنديرسون عاش في باريس خلال كتابة السيناريو. والفيلم القصير المذكور، الذي صنعه المخرج مباشرة قبل بدئه بالعمل على فيلمه الطويل الثاني "ذا دارجيلينغ أنليميتد" The Darjeeling Unlimited (ثمة علاقة قائمة بين الفيلمين)، له سر ووجهة رومنطيقية، لم يكن بوسعه تحقيقهما لو قام بتصوير قصته ذاتها بنزل رديء السمعة في نيفادا، مثلاً، أو في غرفة "سرير وفطور" bed and breakfast في بريدلينغتون. إذ إن غرفة الفندق الباريسي بزخارفها وأثاثها الأصفر الفخم، ضمت سحر عالم قديم. وهي ليست من تلك الأمكنة التي يقوم المرء فيها بترك حذائه على أرض الغرفة.

يقوم أنديرسون بتحديد مزاج فيلمه ووجهته عبر اختياراته الموسيقية. وتتناهى إلى أسماعنا في هذا الإطار، على مدى الفيلم، الأغنية المائعة التي اشتهرت سنة 1969، "إلى أين تذهب (يا محبوبي؟)" Where Do You Go (My Lovely?)، لنجم البوب البريطاني بيتر سارستيد. هذه الأغنية تأتي كتقليد سيئ لأغاني سيرج غينسبورغ. فتدور كلماتها حول امرأة غير سعيدة، لكن فاتنة جداً لها "جسد ممشوق وجذاب" وتعيش في "شقة فاخرة قبالة بوليفار سان ميشال". والمرأة تلك واحدة من علية القوم، غنية ومدللة. الآغا خان أرسل لها حصاناً هدية في عيد الميلاد. كما أنها تشرب براندي "نابوليون" وتذهب للتزلج في سان موريتز. ويبدو أن هناك صداقة تربطها بـ ساشا ديستيل. إلا أنه في الواقع من غير الواضح ماذا يحاول سارستيد التلميح إليه أكثر من حقيقة أن حياتها المنغمسة بالملذات جعلت منها (امرأة الأغنية) شخصاً حزيناً.

استكمالاً، وكما هو الحال في أحيان كثيرة بأفلام ويس أنديرسون، فإن المشاهدين يبقون غير متأكدين إن كان المخرج صادقاً بإعجابه بأغنية سارستيد بالغة الابتذال، أم أنه يستخدمها من منطلق سخرية. لكن مهما يكن الأمر، ليس بوسع أي أحد سوى أميركي أن يقوم بتقديم فرنسا على هذا النحو.

في الإطار عينه، وضمن تعليق على عرض فيلم سيرته الذاتية الإيروتيكي الأدبي "هينري ودجون" (1990) Henry & June، قال المخرج الأميركي فيليب كوفمان، قبل فترة وجيزة، أمام جمهور سينمائي فرنسي "سامحوني إن كانت باريس التي تشاهدونها (في الفيلم) لا تشبه تماماً باريس التي تعرفونها جميعاً". تدور وقائع هذا الفيلم بمطلع الثلاثينيات في باريس "الضفة اليسرى" (لنهر السين)، وتتمحور حول "مثلث الحب" بين الكاتبة الحساسة والرقيقة أناييس نين (ماريا دو ميديروس)، والروائي الذكوري (أو الماتشو) هنري ميلر (فريد وارد)، وزوجة ميلر وارفة القامة والفاتنة دجون (أوما ثورمان). ووفق ما أقر كوفمان به، فإنه تأثر حين كان لا يزال مراهقاً يعيش في شيكاغو، بقراءة روايات ميلر. إذ إن الخلطة الفلسفية والبوهيمية والصراحة الجنسية في تلك الروايات أعجبت أيضاً، وبمقدار مماثل، العديد من الشبان الأميركيين الذين سيصبحون كتاباً ومخرجين حلموا بالهرب (من الولايات المتحدة) إلى أوروبا.

وعموماً (يمكن القول) لا يوافق الفرنسيون على قيام أجانب بتقديم وتصوير فرنسا. بيد أنهم يسيرون بالمقاربة الهوليوودية لباريس كما يسير بها غيرهم. إذ في النهاية تستند هذه الأفلام إلى إعجاب كبير من قبل الجمهور. فهي قد تلجأ إلى الكليشيهات والتنميط، لكنها تفعل ذلك بروح دعابة وإبداع.

حتى أن "راتاتوي" (2007) الذي أنتجته "بيكسار"، استطاع أن يجعل قوارض المدينة كائنات محبوبة. إذ يروي الفيلم قصة فأر في مقتبل العمر يطمح إلى أن يغدو طباخاً من نخبة طباخي فرنسا. هو قذر ربما، لكن الأمر لا يوقفه عن الوله بالبهارات والخوض بها.

في المقابل يتبنى فيلم "قبل مغيب الشمس" (2004)، لـريتشارد لينكلاتر، فكرة أن باريس مدينة للحب والمكتبات والمطاعم. كما أنها المكان الذي يلتقي فيه الحبيبان (إيثان هوك وجولي ديلبي) اللذان لم يتقابلا منذ نحو عقد، وهي مكان يمكنه في الحال إعادة إشعال شرارة حبهما من خلال السير على ضفة السين، وتبادل أحاديث بسيطة، وتنشق هواء باريس، فقط. (ضواحي باريس التي صورها قبل عدة سنوات فيلم "كراهية" La Haine لـ ماثيو كازوفيتس، حيث تسود مشاعر التعصب العرقي ومظاهر الحرمان والعنف الشبابي، لا تظهر هنا في هذا الفيلم).

أما الفيلم الموسيقي "أميركي في باريس" (1951) لـ فينسينتي مينيلي، فقد أعاد خلق العاصمة الفرنسية بتفصيل شديد، وأردفها بكم كبير من (خبز) الـ"باغيت" و(قبعات) الـ"بيريه"، في موقع تصوير خارجي بناحية بعيدة من نواحي لوس أنجليس. طوني توماس، مؤلف سيرة حياة جين كيلي (نجم الفيلم)، يكتب عن ذعر كيلي الشديد عندما عرض الفيلم أمام الفنان الفرنسي العظيم راوول دوفي، الذي أسهمت لوحاته جزئياً في إلهام مجموعة مشاهد رقصات الباليه الشهيرة الواردة بهذا الفيلم. وعن هذه الواقعة يذكر كيلي لتوماس قائلاً "كان (دوفي) حينها مريضاً وسيداً هرماً سميناً مقعداً على كرسي متحرك. عندما عادت الأضواء (وانتهى عرض الفيلم) نظرنا إليه، خوفاً مما قد يقوله، لكنه كان جالساً هناك والابتسامة على وجهه، والدموع في عينيه". وحين طلب الفنان أن يرى من جديد مشاهد رقصات الباليه أدرك كيلي أنه "لن يكون هناك أي مشكلة في عرض الفيلم بفرنسا". وكان ثمة شعور بأن كيلي ومينيلي يقدمان فرنسا بطريقة كان الفرنسيون أحبوا أن يقدموها هم، لو تسنى لهم ذلك.

وكما تحمس دوفي لـ جين كيلي، فقد أظهرت المؤسسة السينمائية الفرنسية حماسة مماثلة تجاه فيلم أنديرسون "ذا فرينش ديسباتش". إذ حين شاهد مدير مهرجان "كان" السينمائي، تيري فريمو، هذا الفيلم لأول مرة، قام على الفور باختياره لدورة 2020 التي كان يفترض إقامتها في شهر مايو (أيار) الفائت. الآن، بعد مضي سنة، عاد فريمو وأكد أن الفيلم سيكون ضمن الأفلام التي تم اختيارها رسمياً للمشاركة بالدورة التي برمجت من جديد كي تقام بيوليو (تموز) المقبل. وقبل عقد من السنوات، حين اختير فيلم وودي آلن "منتصف ليل في باريس" (2011) لافتتاح مهرجان "كان"، جرى التعامل معه من قبل النقاد الفرنسيين والجمهور الفرنسي بتبجيل فاق بكثير أي تبجيل أطنبه آخرون.

"سيكون دائماً لدينا باريس" يقول همفري بوغارت في جملته الشهيرة وهو يودع إنغريد بيرغمان لآخر مرة على مدرج المطار قبيل نهاية فيلم "كازابلانكا". إنه واحد من أجمل المشاهد الختامية في السينما، بيد أن الكلمات الواردة فيه تعني لهوليوود بمقدار ما تعنيه لبوغارت وبيرغمان. إذ عندما يحتاج المخرجون الأميركيون ضخ مقدار من الفن والثقافة والهروب من الواقع في أفلامهم، سواء حلموا بالجنس أو بحساء السمك، فإن أفكارهم في الحال تتجه إلى فرنسا.

من المنتظر عرض فيلم The French Dispatch في مهرجان "كان" السينمائي بين 6 و17 يوليو.                

© The Independent

المزيد من سينما