Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بايدن أعاد أميركا إلى أوروبا لكن شبح ترمب ما زال ماثلا

ميثاق الأطلسي وحملة اللقاحات خطوتان على الطريق... فهل سيقدم سيد البيت الأبيض المزيد؟

توقيع بايدن وجونسون نسخة جديدة من "ميثاق الأطلسي" إشارة لأوروبا وخصوم أميركا في روسيا والصين بأن الإدارة الجديدة عازمة على استعادة دورها (رويترز)

استهل الرئيس الأميركي جو بايدن زيارته الأولى إلى أوروبا بتوقيع نسخة ثانية من ميثاق الأطلسي الذي دشن في نسخته الأولى قبل 80 عاماً أول وجود أميركي قوي في أوروبا، والإعلان عن تبرع الولايات المتحدة بقيمة 500 مليون جرعة لقاح ضد "كوفيد-19" للدول الفقيرة، وهما خطوتان تعكسان مغزى واضحاً لحلفاء واشنطن، وهو أن أميركا عادت، وأن صفحة عهد الرئيس السابق دونالد ترمب قد طويت، ومع ذلك، لن تكون مهمة بايدن عندما يلتقي قادة دول مجموعة السبع الصناعية وزعماء الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي (الناتو)، مهمة سهلة بعدما جرت مياه كثيرة في نهر العلاقات عبر الأطلسي خلال السنوات الأربع الماضية، فما أبرز التباينات الأميركية - الأوروبية؟ وهل يمكن لقائد أكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم تحقيق النجاح الذي يطمح إليه؟  

ميثاق الأطلسي الجديد

لم يكن توقيع بايدن ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون نسخة جديدة من "ميثاق الأطلسي"، الذي وقع نسخته الأولى قبل 80 عاماً الرئيس الأميركي فرانكلين دي روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، سوى إشارة لأوروبا وخصوم أميركا في روسيا والصين بأن الإدارة الجديدة في البيت الأبيض عازمة على استعادة دورها الذي مارسته على مدى عقود دونما انقطاع، باستثناء فترة حكم الرئيس ترمب الذي هدد بالانسحاب من حلف "الناتو"، وفرض عقوبات على بعض الدول الأوروبية، ولهذا حرص بايدن على التأكيد بأن عهد ترمب وشعار "أميركا أولاً" قد انتهى.

وتعيد النسخة الجديدة من ميثاق الأطلسي المكونة من 600 كلمة، تعريف التحالف الغربي وتحدد رؤية واضحة للعلاقات الدولية تقوم على التعاون ضد التحديات والنظم الاستبدادية والمنافسات العالمية في القرن الـ 21، وتشمل العديد من الإشارات عن التكنولوجيات الجديدة والفضاء الإلكتروني والتهديدات التي تحملها، مما يعني أن إدارة بايدن أدركت أن الميثاق القديم عفا عليه الزمن، ولم يعد يعكس التحديات العالمية المختلفة من الفضاء الإلكتروني إلى الصين، ولهذا يدعو الميثاق الجديد صراحة كلا البلدين إلى الالتزام "بالنظام الدولي القائم على القواعد"، وهي عبارة سعى ترمب ومساعدوه إلى حذفها من التصريحات السابقة للقادة الغربيين، على اعتبار أنها تمثل تهديداً عالمياً لأجندة "أميركا أولاً" داخل الولايات المتحدة.

دبلوماسية اللقاحات

ولأن استعادة الدور الأميركي لا ينطبق فقط على التعاون مع الحلفاء، بل يمتد إلى باقي دول العالم، جاء إعلان بايدن أن الولايات المتحدة سوف تشتري 500 مليون جرعة من لقاح "فايزر" بقيمة 3.5 مليار دولار وتتبرع بها إلى 100 دولة فقيرة، إضافة إلى إسهمات أميركا السابقة في برنامج "كوفاكس" الدولي لتطعيم دول العالم النامي، وهو ما يشير إلى أن الرئيس الأميركي يريد منافسة الصين وروسيا في سباق كسب احترام وتقدير العالم باستخدام دبلوماسية اللقاحات كسلاح دبلوماسي، بما يعيد للولايات المتحدة للاضطلاع بدور رائد طالما لعبته منذ الحرب العالمية الثانية في الجهود المبذولة لتطعيم العالم وتوفير الموارد لمواجهة أخطر تحديات الصحة العامة.

تحديات مقلقة

وعلى الرغم من الأهمية المعنوية والرمزية لهاتين الخطوتين الكبيرتين، فإن التحديات التي تنتظر بايدن في محاولته إعادة تجميع التحالف الغربي المهتز وحشده في مواجهة الصين وروسيا كبيرة ومقلقة، فبينما يستخدم الرئيس الجديد علاقاته السياسية السابقة وأسلوبه الهادئ الرصين لقيادة الغرب من جديد، في ما يسميه تصادماً وجودياً بين تحالف ديمقراطي ونظم استبدادية، فإن نواياه الحسنة ورغبته الأكيدة لا تكفيان لإزالة الشكوك الأوروبية والغربية عموماً إزاء متانة وموثوقية العلاقة بين ضفتي الأطلسي خلال السنوات التي ستلي حكم بايدن، وهناك كثير من الأسئلة التي يطرحها المسؤولون الأوروبيون في السر والعلن، فالرئيس بايدن الذي يبلغ من العمر 78 عاماً قد يكون آخر رئيس أميركي ينفذ سياسة خارجية قديمة سار عليها الرؤساء السابقون، وأوروبا قد تكون غير مستعدة لتحمل كلفة حرب باردة جديدة مع روسيا، كما أنها لا تعلم دورها بوضوح في ما يتعلق بسياسة احتواء الصين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وطوال اجتماعاته المكثفة، سيواجه بايدن قادة أوروبيين يتخوفون من الولايات المتحدة بطريقة لم تكن موجودة منذ عام 1945 ويتساءلون إلى أين تتجه أميركا، وستلوح هذه الأسئلة في الأفق عندما تبرز الخلافات حول التجارة، والقيود الجديدة على الاستثمار في الصين أو في شراء منتجاتها وخدماتها، وعند مناقشة خط أنابيب الغاز الطبيعي الذي سيمر مباشرة من روسيا إلى أوروبا من دون المرور على أوكرانيا.

لا ضمانات

ففي الوقت الذي يؤكد فيه مسؤولو البيت الأبيض أن الدبلوماسية الأميركية المستقرة عادت إلى الأبد، لكنهم لا يستطيعون تقديم أي ضمانات بعد يناير (كانون الثاني) عام 2025، وهو موعد بدء الفترة الرئاسية التالية في البيت الأبيض، إذ يتابع المسؤولون الأوروبيون الصراعات السياسية المحتدمة في الولايات المتحدة، وشاهدوا اقتحام مبنى الكونغرس في السادس من يناير الماضي، ويلاحظون أن قبضة ترمب على حزبه الجمهوري قوية جداً وهو يواصل التلميح إلى عودة سياسية خلال أربع سنوات.

وحتى قبل أيام من مغادرة بايدن في طريقه إلى أوروبا، رفض الجمهوريون في الكونغرس تشكيل لجنة من الحزبين للتحقيق في أحداث الشغب في الكابيتول بينما يواصل المشرعون الجمهوريون تبني مزاعم ترمب بأن انتخابات 2020 قد سُرقت، في وقت يتعثر الديمقراطيون في جهودهم لتمرير تشريع شامل للحد من تقليص حقوق التصويت في الولايات التي يحركها الجمهوريون، ولهذا يتزايد قلق الأوروبيين بشأن سياسة أميركا المستقبلية حتى على مستوى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام المقبل، والتي قد تظهر أن الترمبية أكثر رسوخاً وثباتاً من ترمب نفسه.

رؤية مختلفة حول الصين

ومن هذا المنطلق، يبدو العديد من القادة الأوروبيين قلقين من استراتيجية بايدن لمضاعفة التنافس مع الصين والانفصال التدريجي عنها، لأنها قد تؤدي إلى حرب باردة جديدة قد تضر المصالح الوطنية الأوروبية، بخاصة وأن بايدن يعلم مدى الجاذبية التي تتمتع بها الصين كشريك تجاري ومصدر للتكنولوجيا ما يثير قلقه أكثر من الارتباط الأوروبي مع روسيا.

وفي حين أن الأوروبيين لا يرون الصين على أنها نوع من التهديد التكنولوجي أو الأيديولوجي أو العسكري لأوروبا مثلما تراها واشنطن، إلا أن بعض التغير ظهرت بوادره أخيراً من جانب بريطانيا على الأقل، والتي نشرت أكبر أسطول من السفن الحربية التابعة لسلاح البحرية في المحيط الهادئ منذ حرب "فوكلاند"، قبل نحو 40 عاماً بهدف إعادة تأسيس وجودها في منطقة كانت ذات يوم جزءاً من إمبراطورتيها، كما استجاب بوريس جونسون لمطالب واشنطن التي بدأها ترمب وسرعها بايدن للتأكد من أن شركة "هواوي" عملاق الاتصالات الصينية، لن تفوز بعقود جديدة لتشغيل شبكة الجيل الخامس للهواتف في بريطانيا.

توجهات مختلفة

وبينما تحذو بعض الدول في أوروبا حذو بريطانيا، إلا أن مساعدي بايدن شعروا بالصدمة العام الماضي، عندما أعلن الاتحاد الأوروبي عن اتفاقية استثمار مع الصين بعد الإعلان عن فوزه بالانتخابات الرئاسية، وقبل أيام من حفل تنصيبه، في ما يبدو أنه كان انعكاساً للمخاوف من أنه إذا انجرفت القارة إلى المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، فإن الشركات الأوروبية سوف تتحمل العبء الأكبر، وبخاصة صناعة السيارات الفاخرة في ألمانيا.

وفي حين يبدو مستقبل هذه الاتفاقية غير واضح الآن، سار بايدن في الاتجاه المعاكس إذ وقع الأسبوع الماضي أمراً تنفيذياً رئاسياً يمنع الأميركيين من الاستثمار في الشركات الصينية المرتبطة بالجيش أو تلك التي تبيع تكنولوجيا المراقبة المستخدمة لقمع المعارضة أو الأقليات الدينية داخل وخارج الصين، ولكن لكي تكون هذه الاتفاقية فعالة، يجب أن ينضم إليها الحلفاء الذين عبروا عن قليل من الاهتمام بهذا الجهد.

مجموعة السبع

ولا تقتصر التحديات على العلاقة الأميركية الأوروبية بل تمتد إلى مجموعة الدول السبع، والتي تطرح الولايات المتحدة ودول أخرى وفقاً لبعض التقارير خططاً لإطلاق مبادرة جديدة تحت اسم "مبادرة خضراء نظيفة" كبديل لمبادرة الحزام والطريق التي اقترحتها الصين قبل سنوات، وهي خطة تعتقد بكين أنه سيكون من الصعب تمريرها، لأن الدول السبع الصناعية سوف تأخذ بالاعتبار عينه حسابات المكاسب والخسائر في ما يتعلق بالاستثمارات عقب جائحة "كوفيد-19"، في وقت تعاني فيه دول مجموعة السبع من تباطؤ في الاقتصاد، وقد لا تتمكن من توفير مزيد من الأموال للمساعدة في تحسين البنية التحتية في البلدان النامية.

أما بالنسبة للتغير المناخي، فقد عكس بايدن موقف ترمب، متعهداً بخفض الانبعاثات الضارة للولايات المتحدة بنسبة 50 في المئة لتصل إلى 52 في المئة من دون مستويات عام 2005 بحلول نهاية العقد الجاري، لكن زعماء العالم ما زالوا قلقين من مدى استعداد الولايات المتحدة لسن تشريعات جادة لمعالجة انبعاثاتها والوفاء بالوعود المالية للدول الفقيرة.

روسيا المزعجة

وإذا كان مستقبل الولايات المتحدة هو الشغل الشاغل للرئيس الأميركي على المدى الطويل، فإن كيفية التعامل مع روسيا هي الأجندة الأولى المباشرة له في المرحلة الحالية في سعيه لعلاقات مستقرة ويمكن التنبؤ بها مع موسكو، وهو ما قد لا يستجيب له الرئيس الروسي فلاديمير بوتن الذي وصفه بايدن قبل أسابيع بأنه قاتل ويعتبر أنه زعيم مافيا متشدد.

ومع ذلك، فإن بايدن مصمم على وضع حواجز حماية للعلاقة، ورؤية قدر من التعاون، وبخاصة في ما يتعلق بمستقبل ترساناتهما النووية، على الرغم من أن الأسلحة المفضلة بالنسبة لروسيا الآن هي الأسلحة الإلكترونية والهجمات السيبرانية وبرامج الفدية التي تستخدمها العصابات العاملة من الأراضي الروسية، فضلاً عن قدرة بوتن على إثارة الخوف والتوتر عندما حشد قواته على الحدود مع أوكرانيا.

وبينما ينتظر يؤكد بايدن على ضرورة تفعيل المادة الخامسة من ميثاق منظمة حلف شمال الأطلسي، والتي تُلزم كل عضو في الحلف باعتبار الهجوم المسلح على أي دولة في الحلف هو هجوم مسلح على الجميع، إلا أنه ليس من الواضح ما الذي يشكل هجوماً مسلحاً في العصر الحديث، وهل الهجمات السيبرانية عبر شبكة الإنترنت مثل القرصنة على شركة "سولار ويندوز" الأميركية تدخل في هذا الإطار، وتحت أي تسمية يمكن تصنيف تحريك روسيا قواتها وصواريخها متوسطة المدى على حدود أوكرانيا والتي ليست عضواً في "الناتو".

المزيد من تقارير